Thursday 10/10/2013 Issue 14987 الخميس 05 ذو الحجة 1434 العدد
10-10-2013

الكفاءات العلمية المهدرة في التربية والتعليم!

تضخ الجامعات في الولايات المتحدة لسوق العمل سنويا قرابة (60) ألف خريج ممن يحملون درجة الدكتوراه في معظم التخصصات العلمية والإنسانية، ومثل هذا الرقم بالطبع لن تستوعبهم الجامعات كأعضاء هيئة التدريس إذا فقط قرابة 45% منهم من يجد فرصة عمل له فيها، والبقية ستذهب للقطاع الخاص، المفاجأة هنا أنه حسب الاحصائيات يذهب فقط 1% منهم للتعليم العام، والسبب أن مهنة التعليم مهنة «مقدسة»، فحصول الفرد على شهادة الدكتوراه لا يعني بالضرورة أنه مؤهل لدخول قاعة الدرس، إذ يتطلب عليه أن يدرس مرة أخرى في التأهيل التربوي والمدرسي من سنة إلى سنتين!

أما في القارة العجوز، فتعتبر بريطانيا الأفضل في دولها التي تحتفي بحملة الشهادات العليا والأفضل في منحهم مرتبات أعلى، وهذا ليس فقط في خريجي الداخل بل لديها برامج استقطاب خاصة للوافدين المهرة! وهناك في كوريا الجنوبية وكالعادة القطاع الخاص يساهم في حل المشكلة ويضع بصمته في عملية استقطاب لبعض الشركات كسامسونج وإل جي لخريجي حملة الماجستير وربطهم بمهن تتناغم مع طبيعة شهادتهم!

في عالمنا العربي، تبدو المشكلة أقرب للفوضوية والغموض منها إلى الوضوح والتنظيم، والشاهد على ذلك تزايد حالات الاحتجاج من قبل حملة الشهادات العليا والمطالبة بتحسين ظروفهم المادية، وتثبيتهم في وظائف قريبة من تخصصاتهم العلمية، ففي مصر على سبيل المثال هناك ائتلافات وتجمعات منظمة لهؤلاء في محاولات مستمرة للضغط على الحكومة لحل مشكلاتهم! الأمر لا يبتعد كثيرا في طرابلس أو في عمان الأردن أو حتى في بعض عواصم الخليج العربي، ففي الإمارات هناك ما يقارب الـ1500 خريج من حملة الشهادات العليا يعملون في التعليم العام ولا تتوفر أي معلومات كافية عن أوضاعهم بعد حصولهم على تلك الشهادات!

وهنا في بلدي، الحصول على احصائيات عن أوضاع هؤلاء المعلمين لن تغدو عملية سهلة، لكن الصورة العامة وبكل وضوح تشيء بمشكلة تتضخم مع مرور الوقت، فظاهرة إقبال المعلمين والمعلمات على برامج الدراسات العليا في معظم الجامعات أصبحت جزءا من هموم وزارة التربية والتعليم التي تصبح وتمسي عليها، والظاهرة بحد ذاتها ظاهرة إيجابية، ومسلك تطويري رائع لكفاءات البلد، لكن المشكلة هي ما بعد حصولهم على تلك الشهادات فهناك يكمن جزء كبير من المعضلة، فالجامعات لا ترحب بهم كثيرا فحسب لوائحها التنظيمية تشترط شروطا في معظمها لا تنطيق على كثير من المعلمين والمعلمات، ومن أبرزها العمر، وامتداد التخصص، وتقدير شهادة البكالوريس ألا يقل عن تقدير (جيد جدا)، إضافة إلى اجتياز المقابلة الشخصية، وأن تكون له أيضا مساهمات بحثية في مجال تخصصه، وأن تكون الشهادة ممهورة بختم إدارة المعادلات بوزارة التعليم العالي، هذه «بعض» الشروط والتي تتفاوت فيها الجامعات حسب لوائحها الداخلية!

إذا أين يمكن توجيه بوصلة الحل للمساهمة في تخفيف وتيرة هذه المشكلة، والتي ستتضاعف بلا أدنى شك حال عودة دفعات أكبر من خريجي برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي! في نظري أن أفضل مكان لعموم هؤلاء هو بقاؤهم في وزارة التربية والتعليم، فهؤلاء لديهم من الخبرة والتجربة العملية ما يفوق غيرهم، وهم في ظني الأكثر قدرة على تفهم ثقافة التعليم العام والصبر في ميادينه، والإبداع في مضامينه، وهذا يقتضي بالضرورة أن يكون هناك (كادر وظيفي) خاص بهم يفضلهم على غيرهم من زملائهم ممن لا يزال يحمل درجة البكالوريس، ويحفظ لهم مكانتهم العلمية ويوفر لهم نوعا من التمايز المالي والبدلات الأخرى (كبدل تعليم عال مثلا)، حيث إن مكافأة المستوى السادس لهم في حالة صرفها لا يمكن أن تحل المشكلة بحال! كما يمكن أيضا الاستفادة منهم في مناصب إدارية وبحثية في قطاعات التعليم العام في عدد من المدن والمحافظات، مع توفير بدلات خاصة في ذلك (كبدل إدارة، بدل التميز البحثي)، والقطاع الخاص مطلوب منه أيضا المشاركة في الحل وعدم البقاء في منطقته الرمادية في الحياد من معظم هموم وقضايا الوطن!

ستظل هذه المشكلة تتفاقم مالم تتنبه وزارة التربية والتعليم لترشيد قبول هؤلاء في برامج الدراسات العليا، وتسارع في تبني كادر مهني خاص بهم، فهؤلاء هم أبناؤها وهم الأجدر في أن يحظوا باهتمام ورعاية الوزارة في خططها وسياساتها الإستراتيجية القادمة!.

 
مقالات أخرى للكاتب