Wednesday 26/02/2014 Issue 15126 الاربعاء 26 ربيع الثاني 1435 العدد
26-02-2014

القرّم The Talented

في ثقافات الشعوب هناك مفاهيم وهناك تعابير تبرز تلك المفاهيم، وعادة يحكم هذه المفاهيم ويحددها عوامل كثيرة منها البيئة والدين والعادات الاجتماعية ويسر أو صعوبة المعيشة، ومن أكثر المفاهيم تأثيراً في حياة الشعوب تلك التي تتعلق بالإنجاز وتحقيق وسائل المعيشة، ومجتمعنا مثل باقي المجتمعات يضع الإنجاز في أعلى سلم المآثر الشخصية، فيوصف الشخص المنجز بأفضل الألقاب ويتاح له أعلى المراتب الاجتماعية، والإنجاز ليس بالضرورة نتيجة جهد ذاتي، فقد يكون نتيجة لحكمة أو حصافة أو تخطيط ودهاء، وفي العصر الحديث ظهر في علم الإدارة تعبير يصف مفهوم الإنجاز بصورة مختلفة عما كان سائداً في الماضي، فإنجاز الماضي كان يعتمد على المبادرة الذاتية والجسارة والقدرة، لذا كانت العرب تصف المنجز بقولهم (رجل صمصام) أي مقدم وعازم بقوة، أما إنجاز اليوم فيعتمد على المعرفة والمهارة وحساب المخاطر.

لذا فلا يصح استخدام تعابير الأمس التي ورثناها لوصف مفاهيم اليوم لذا واجهنا أزمة تعبير في اللغة العربية لوصف إنجاز اليوم، وأصبح الكثير يستخدم مصطلحات أجنبية للتعبير عن ذلك ككلمة (Talented) بالإنجليزية، وفي نظري أن التعبير العربي المقابل للتعبير الأنجليزي هو (قَرّم) وهو أفضل وأقرب للمفهوم العربي للإنجاز اليوم فهذا التعبير يستخدم للدلالة على عدة مفاهيم ولكنها كلها تدور حول الإنجاز بمهارة.

يخلط ناس كثيرون بين (الموهوب) و(القَرّم) فالأول اكتسب قدرات بصورة قدرية لم يكن له جهد ذاتي في اكتسابها وباتت محور كفاءاته وقد يعززها ببعض الجهد والتركيز، أما الثاني فهو شخص تحسس الحاجة لبناء قدرات تكسبه التميز في الإنجاز فعمل على اكتساب المعرفة والمهارة التي يصقلها كل يوم بما يكتسب من خبرة وقدرة على الإنجاز، ونحن في واقعنا العملي بحاجة لهذا النوع من الموظفين والقادة، أكثر من النوع الأول، فالتميز في الأداء لا يحدث نتيجة الرغبة فقط بل لا بد أن يدعمه معرفة ومهارة وتقدير واع للمؤثرات والبيئة، وقد أدرك المهتمون بتطوير العمل المؤسسي هذه الحقيقة فباتت جهودهم تنصب على بناء الكفايات التي تضمن (القَرّامة)، واختلف خبراء الأداء الإداري كالعادة في تحديد الكفايات التي تصف القَرّم، ولكنهم اتفقوا على مشتركات بينهم تتمثل في التالي:

1- حسن الاتصال والتواصل (تطوير المهارات والوجدان التي تعزز الاطلاع والشفافية وتزيل الغموض).

2- حسن إدارة الاختلاف والخلاف (القدرة على إبداع حلول تحسم الخلافات وتعزز التعاون).

3- المعرفة التشغيلية (الإلمام المعرفي والخبرة العملية في طبيعة النشاط المؤسسي والقطاعي).

4- التوافق الجماعي (القدرة على العمل ضمن فريق عمل وتنمية التظافر).

5- المبادرة (الأقدام ببذل الجهد في التطوير والتحسين والاقتراح وعدم الركون للوجل والخوف من النقد).

6- الانقيادية (الالتزام بتحقيق الاستراتيجيات العامة والالتزام بالتوجيهات الصادرة من القادة).

هذه الكفايات الست هي أهم مكونات (القَرّامة) التي اتفق عليها معظم خبراء الأداء المؤسسي وقد يزيد عليها آخرون لتناسب طبيعة عمل محدد فلا شك أن طبيعة النشاط المؤسسي تختلف من قطاع لآخر فالقطاعات المالية كالبنوك والتأمين تحتاج ربما كفايات إضافية تتناسب وطبيعة العمل، وكذلك القطاعات الصناعية والخدمية الأخرى، ولكن على كل من يريد أن ينطبق عليه تعبير (قَرّم) أن يركز على تطوير هذه الكفايات الست ومن حسن الحظ أن تطويرها لا يحتاج لتكاليف باهظة فمعظم البرامج التدريبية الموجهة للعموم في دول مجلس التعاون الخليجي تقدم فرصة لتطوير هذه الكفايات، وهناك برامج تتوفر على الإنترنت بصورة تفاعلية تقدم نفس الفرصة.

الموظف القَرّم أيضا هو شخص يعتمد على ذاته قي تطوير قدراته، فلا ينتظر من إدارة التدريب أو إدارة الموارد البشرية أو رئيسه المباشر أن يفعلوا له ذلك، فمن يريد أن يكون متميز عليه أن يخلق التميز بذاته، وهذا أيضا لا يعني أن لا يستفيد الموظف من الفرص التدريبية والتطويرية التي تقدمها المؤسسة بل عليه أن يجعل الاكتساب المعرفي والمهاري أحد أهدافه الاستراتيجية. فذلك هو سبيل النجاح والتفوق.

mindsbeat@mail.com

Twitter @mmabalkhail

مقالات أخرى للكاتب