Friday 18/07/2014 Issue 15268 الجمعة 20 رمضان 1435 العدد
18-07-2014

على مائدة العلاقات السعودية المصرية 2-2

في إطار الحديث عن العلاقات مع مصر، لابد أن نذكر القرار السياسي السعودي الشهير بقطع إمدادات النفط عن الدول التي وقفت إلى جانب إسرائيل في حربها ضد العرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.. وانتصار العرب للمرة الأولى في التاريخ الحديث على إسرائيل.

لقد كان الموقف السعودي التاريخي يمثل دعماً عربياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً بدون حدود.. كان اختباراً للتضامن العربي الذي أسسته المملكة، هذا التضامن الذي أثبت صموده في حرب رمضان المبارك وانتصاره التاريخي في مواجهة العدوان الإسرائيلي.

الكل يتذكر الموقف السعودي الحاسم عندما طلبت الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك من القيادة السعودية التدخل لوقف القتال في سيناء والجولان، وكان الرد الحاسم للملك فيصل -رحمه الله- يعكس مواقف المملكة وقادتها حيث كان الرد صريحاً ببرقية عاجلة جاء فيها:

«إنه إذا لم تهب الولايات المتحدة لردع إسرائيل عن التمادي في غيها وعدوانها فسوف يتفجر البركان، سوف لا يقتصر نذيره على المنطقة وحدها بل سيتخطاها إلى حرب عالمية شاملة».

وقد امتزج الدم السعودي مع الدماء العربية في مصر وسوريا دفاعاً عن الشرف والكرامة من أجل استرداد الأرض وتحرير المقدسات الاسلامية، فصدرت الأوامر وقتها للقوات السعودية المسلحة والحرس الوطني، فكانت المواقف السعودية العسكرية والاقتصادية والسياسية تعكس قوة الدولة الكبرى المملكة العربية السعودية ونفوذها.

كان ذلك قراراً سعودياً شهيراً يتفق وحجم المملكة وثقلها على الصعيد العربي والإسلامي والدولي، كان موقفاً لا يبارى وتحدياً حضارياً وتاريخياً لا يُنسى، وقبل كل شيء وبعده كان موقفاً إسلامياً اتخذته الدولة التي تحتضن الحرمين الشريفين في صدرها، فجاء النصر من عند الله وانكسرت شوكت إسرائيل في حرب رمضان المبارك التي كانت التحاماً سعودياً مصرياً سورياً على كل الأصعدة.

ومنذ عام 1967 والموقف السعودي القوي لا يتزعزع في دعم دول المواجهة، فقد قدمت المملكة الدعم المادي بلا حدود، وكان ذلك من منطلقات دينية، فكان ولا يزال نموذجاً مشرفاً من العطاء والدعم السخي المتواصل، والمملكة بقيادتها الحكيمة تمثل رمزاً بارزاً للدولة والقيادة الإسلامية التي تقدم دعمها للأشقاء على أساس ديني وأخلاقي وحضاري.

ومن المهم النظر في العلاقات السعودية ـ المصرية من خلال مرتكز آخر مهم يتمثل هذا المرتكز في الناحية الأمنية، ولا نذكر الأمن إلا ونعني به الأمن في منطقة الخليج العربي التي يمثل الاستقرار فيها أهم عامل يؤثر على مستقبل المنطقة والعالم أجمع، وتبدي الدول الصناعية اهتماماً بالغاً بهذه المنطقة سواء كونها المصدر الأكثر أهمية للنفط بسعر معقول او بحكم تأثيرها على سوق البترول الدولي واتجاهات أسعاره.

وهذا يضاف إلى أهمية المنطقة الجغرافية المتميزة وإلى النواحي السياسية والبشرية والسكانية والعسكرية التي أعطتها أهميتها مما يضعها في مقدمة أهم المناطق الإستراتيجية في عالم اليوم أهمية، وهذا يجعل أمنها يمثل نقطة الارتكاز بالنسبة للعالم أجمع.

وخلال أزمة الخليج وقفت الدول دائمة العضوية مع إخراج العراق من الكويت والمحافظة على استقراره وضمان تدفق النفط إلى أسواق استهلاكه الرئيسة، وكان الموقف المصري بقيادة الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك موقفاً عادلاً يعكس حجم مصر ومكانتها، اتسم بالمصداقية، إذ سارع إلى تلبية دعوة المملكة لتكوين التحالف الدولي، فكان موقفها ذلك يتماشى مع الحدث والتغيرات الدولية ويواكب النظام الدولي الجديد، ويتفق مع موقف قادة المملكة وشعبها ضد العدوان العراقي على الكويت.. إذ كان قرار المملكة قراراً تاريخياً كانت نتيجته الحتمية تحرير الكويت وعودة حكامها وشعبها إليها بعد أن شمت رائحة الحرية واندحر الظلم والعدوان بقدرة الله جلّت قدرته، ثم بالقوة السعودية من الجيش والحرس وقوات الأمن والقوات الشقيقة والصديقة.

وبعد الثورة المصرية وقفت المملكة مع إرادة الشعب المصري .. وقدمت مساعدات مالية سخية تجاوزت (15) مليار دولار على شكل منح وقروض ومواد بترولية وغيرها، وكان ولا يزال موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مع مصر موقفاً تاريخياً يتمشى مع دوره العالمي وحجم المملكة واستمر دعم خادم الحرمين الشريفين لشعب وجيش مصر لاختيار من يحكمه.

وفي برقية التهنئة التي بعث بها خادم الحرمين الشريفين للرئيس المنتخب المشير عبد الفتاح السيسي ما يوضح مدى اهتمام خادم الحرمين الشريفين بمصر وأهلها، يقول خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز:

(المساس بمصر يعد مساساً بالإسلام والعروبة وهو في ذات الوقت مساس بالمملكة، وهو مبدأ لا نقبل المساومة عليه، أو النقاش حوله تحت أي ظرف كان، نقول ذلك توكلاً على الله وإيماناً راسخاً ثابتاً بأن من ينصر الله ينصره ويثبت أقدامه وإنا - إن شاء الله - لفاعلون.

نسأل الله أن يحفظ مصر الشقيقة من الفتن والشقاق، وأن يمن عليها بالأمن والاستقرار والازدهار، وأن يردع كيد كل حاقد كاره يريد بها وبأهلها السوء، هذا وبالله استعنا وعليه توكلنا وإليه ننيب).

وبذا تبرز لنا أهمية الزيارة الرسمية التاريخية لخادم الحرمين الشريفين في الجمعة المباركة 21 شعبان 1435 وعقده قمة سعودية - مصرية على متن الطائرة السعودية في مطار القاهرة الدولي رأسها من الجانب السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ومن الجانب المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي، وخلال الزيارة المهمة قدم خادم الحرمين الشريفين التهنئة للرئيس السيسي بتوليه مهام الرئاسة في الشقيقة مصر، ومن جانبه قدم الرئيس السيسي الشكر لخادم الحرمين الشريفين على الدعم السعودي المستمر لمصر وشعبها ومبادرة الملك عبد الله لعقد مؤتمر أصدقاء وأشقاء مصر لتقديم الدعم الاقتصادي والاستثماري الذي تحتاجه في المرحلة القادمة.

وعلى الجانب الآخر تناولت المباحثات العلاقات المتميزة بين البلدين والوضع في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها والتحديات التي تواجه المنطقة العربية، وهذه حقيقة لا مفر منها، فدولنا العربية يخيم على بعضها غيوم من الظلام الدامس، وهي الأمة التي أخرجت الأمم فيما مضى من التاريخ من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم، اليوم حالها يفطر القلب ألماً ويسلم الإنسان العربي إلى حالة من البكاء المرير والألم الشديد.

وأنا أرى الملك عبد الله والرئيس السيسي يتعانقان للعمل يداً واحدة بإرادة سياسية واحدة، وصدق ووفاء وإخلاص واحد.. أراهما يعقدان حلفاً قوياً للنهوض بأمتهم بعد أن أصبحا القوتين الوحيدتين القادرتين على النهوض بأمتهم بعدما بلغته بعض الدول العربية من سقوط مريع وتبعية خانقة لدول جارة (طهران) وأخرى خارجية، حتى أصبحت قلوب الشعوب وهي ترى هذا تغلي كالمراجل من الغيظ نتيجة الشعور بالهوان والذيلية والتبعية والتشتت والتفرق.

لكنني عندما رأيت الرئيس السيسي يقبل رأس أخيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حباً واحتراماً وتقديراً واعترافاً بالجميل لا يقدر عليه إلا الرجال الأصلاء، تذكرت الرئيس السادات وهو يقبل (أنف) الملك فيصل -رحمهما الله- مقدراً ومحترماً ومعترفاً بمواقف الفيصل، فتعاضد السادات والفيصل أنقذ الأمة وفرج الغمة وأكد القوة والنصر.

وأنا على ثقة بالله أن الزعيمين الكبيرين خادم الحرمين الشريفين والرئيس السيسي هما على نفس ذلك النهج لأنهما خلف أمة عرفت بالإباء وعشق المجد وحب المعالي ورفض الخنوع وعدم الرضا مما نحن فيه كـ{خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.

التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري يؤكد أن الخروج بالأمة من حال اليأس إلى النهوض والتمسك بأهداب الأمل هو بالعمل الجاد الذي يمكن أن نسير في الطريق الصحيح وبهذا انتصروا على المغول والصليبيين والإنجليز والفرنسيين واليهود.

وإذا كان الملك عبد الله قد قدم مبادرة عقد مؤتمر أصدقاء وأشقاء مصر الذي جاء في وقته، فإن مصر العروبة والإسلام وأهلها يستحقون هذا التكريم، ولسنا أقل من دول الاتحاد الأوربي الذي قدم لليونان مثلاً عشرات المليارات من اليورو، وما قدم لمصر من دعم هو من المملكة والإمارات والكويت، ورغم أن المؤتمر سينعقد إلا أنني أدرك أن المشاركين الأساسيين هم الدول الثلاث، والمأمول من أشقاء وأصدقاء مصر أن يثبتوا بالفعل أنهم أشقاء وأصدقاء لدولة هي بالفعل شقيقة وصديقة لهم في السراء والضراء.

وظني أن المؤتمر سيقدم كشف حساب من هو الشقيق ومن هو الصديق في وقت المحن والتحديات، وأدرك أن المملكة شقيقة مصر ومعها الأشقاء في الإمارات والكويت سيستمرون بقيادة المملكة صامدين في دعم اقتصاد مصر واستقرار أمنها قبل وبعد المؤتمر.

يقول أبو الطيب المتنبي:

وما الخيل إلا كالصديق قليلة

وإن كثرت في عيني من لا يجرب

لننتظر لنرى حجم دعم أشقاء وأصدقاء أرض الكنانة!!

والله ولي التوفيق

info@dreidaljhani.com

رئيس مركز الخليج العربي لدراسات واستشارات الطاقة

مقالات أخرى للكاتب