قال الله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}.
في زمنٍ باتت فيه القدوات الحقيقية عملة نادرة، يرحل عن دنيانا أحد أولئك الذين نذروا أنفسهم لخدمة العلم والأجيال. رحل عنا القريب الحبيب المربي الفاضل (صالح بن راشد بن سفيان)، تاركًا خلفه إرثًا لا يقدَّر بثمن من الأخلاق والقيم والعطاء، ومدرسةً في التربية لن تغلق أبوابها أبدًا.
لطالما آمن الفقيد -رحمه الله تعالى- أن رسالة المعلم لا تقتصر على ملء العقول بالمعلومات، بل تتعداها إلى غرس القيم وبناء الشخصية المتكاملة. لقد كان الأستاذ صالح نموذجًا فريدًا للمربي الفاضل الذي يهتم بطلابه كأبنائه، يتابع أحوالهم، ويوجههم برفق وحكمة. كان يرى في كل طالب أمانة يجب رعايتها، وطاقة يجب استثمارها بعد أن أمضى -رحمه الله تعالى- في ميدان التربية والتعليم قرابة ثلاثة عقود أو تزيد.
من عاشره عن كثب يدرك أنه كان قدوة حيَّة قبل أن يكون مدرسًا على منصة. في تواضعه الجم، وفي حرصه على أداء الواجب بإتقان وإخلاص، وفي تعامله الراقي مع الزملاء والطلاب، كان (راشد) يمثِّل المثل الأعلى الذي يتمنى كل معلم أن يكون عليه. كان حريصًا على ألا يغادر الطالب فصله إلا وقد تعلَّم درسًا جديدًا في الحياة، ليس فقط في مادته العلمية، بل في الصدق والأمانة والاجتهاد. إذا تحدثنا عن الفقيد، فلا يمكن أن ننسى تلك اللمسات الإنسانية التي طبعت في ذاكرة كل من عرفه. كم من طالب محتاج ساعده في الخفاء؟ كم من حائر أرشده إلى الطريق الصحيح؟ كم من موقف صعب كان فيه السند والداعم؟ كان -رحمه الله- يرى أن النجاح الحقيقي للمعلم ليس في تفوق طلابه فقط، بل في أن يخرج للمجتمع إنسانًا صالحًا نافعًا لوطنه وأمته. زملاؤه في العمل يشهدون له بروح الفريق الواحد، فلم يكن يومًا أنانيًا بعلمه، بل كان أول من يمد يد العون لمن يحتاج مشورة أو مساعدة. كان صدره رحبًا، ونقاشه هادفًا، وحضوره معه يملأ المكان احترامًا ومودة.
في مرضه العضال الذي بدأ معه قبل أكثر من عامين -رحمه الله تعالى- ضرب أروع معاني الصبر والاحتساب والثبات في معاناته المرضية. فكان يردد ويذكر فضل الله سبحانه عليه حامداً وشاكراً لخالقه الرحيم، حتى وبعد تردي حالته المرضية وأوضاعه الصحية لم يشتك هماً ولا حزناً لأحد..! بل كان يشكو بثه وحزنه إلى الله عزَّ وجلَّ، وحتى ومع شدة المرض كان حريصاً على الصلاة ويسأل عنها.. لأن الصلاة معراج المؤمن وهي الصلة بين العبد وربه.. وما أعظم القلب عندما يتعلَّق بالصلاة فقد خصَّ الله تعالى المؤمن بالظل في رحمته وفي ظله يوم القيامة بالمحافظة والتعلّق بالصلاة، وجعل ثالث سبعة يظلهم الله سبحانه وتعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله (رجل قلبه معلَّق بالمساجد)، كان الفقيد -رحمه الله- يؤمن أن الإيمان (نصفان) نصف شكر والنصف الآخر صبر، ولعل صبره على مرضه يؤكد عمق إيمانه وكثرة حمده لله عزَّ وجلَّ والثناء عليه والشكر له عزَّ وجلَّ في كل حال حتى مع ارتفاع درجة حرارة مرضه ومعاناته الصحية الحالكة، فترك لنا دروساً عظيمة في حسن الظن بالله والثقة به، والإيمان التام بأن المؤمن كل أمره خير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
صحيح أن الأستاذ صالح بن سفيان قد غادرنا بجسده، تاركًا في القلوب غصة الفراق وألم الفقد، لكن الأثر الذي تركه سيظل نابضًا بالحياة. سيظل حيًا في كل طالب علم تخرج على يديه وسار على دربه، وفي كل خلق كريم غرسه في نفوس من حوله، وفي كل كلمة طيبة قالها وبقي أثرها.
نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل ما قدمه من عمل صالح في ميزان حسناته. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأكرم نزله، ووسع مدخله، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
** **
- عبدالله بن فهد السفيان