في لحظات الفقد، يقف الإنسان حائراً بين إيمانه بالقضاء والقدر، وبين وجع الفراق الذي يزحم الذاكرة بآلاف الذكريات. رحيلك يا أبي لم يكن مجرد غياب جسدي، بل كان رحيل عالم كامل كان يسكنه الكرم والتواضع والعطاء والنبل. كيف أنساك وأنت من علمتني أن التجارة ليست فقط أرقاماً وأرباحاً، بل هي أخلاق وأمانة وسمعة تطول العمر.
كنت (يا أبي).. مثالاً لرجل الأعمال الوطني الأصيل. لم تكن التجارة عندك مجرد مهنة، بل كانت رسالة سخرتها لخدمة وطنك وأهلك. منذ أيامك الأولى في الكويت مع عمي سليمان المغامس، مروراً بتوسع تجارتك في المواد الغذائية والعقار، كنت دائماً تردد أن «البركة في الأمانة والصدق». تعلمت منك أن النجاح ليس في حجم الثروة، بل في الأثر الذي تتركه في حياة الناس. كنت حريصاً على أن تكون علاقاتك مع شركائك وعملائك قائمة على الثقة المتبادلة، فلم تكن مجرد تاجر، كنت صديقاً وأخاً للجميع. كيف أنسى مجالسك التي كانت تتحول إلى منتديات للنصح والمشورة، يستشيرك فيها كبار التجار قبل صغارهم، لأن الجميع كان يعلم أن رأيك نابع من قلب يحب الخير للجميع.
لكن أكثر ما يوجعني ويجعل فراقك صعباً، هو إنسانيتك التي كانت تسع الجميع. كنت يا أبي كالنخلة، لا تحجب ظلك عن أحد، ولا تمنع ثمرك عن محتاج. أحفظ في قلبي ولا أنسى مواقفك الخيرية التي كنت تخفيها عن الجميع، تتصدق وتعين المحتاجين والفقراء والمساكين، وتتفقد أحوال المعسرين وكأنهم أهلك وأحبابك. كنت تجيد فن العطاء بصمت، وكأنك تخاف أن تعلم شمالك ما أنفقت يمينك. تبقى في ذاكرتي صورتك وأنت تخرج في الليل متخفياً لتوصل المساعدة لمن يحتاجها، تعود وكأن شيئاً لم يكن، تبتسم وتقول: «لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك».
قبل سنوات، أذكر حين بنيت جامعاً في بلدتنا الحبيبة الخطامة في سدير. فرحت وأنا أرى المسجد يكتمل، وذهبت إليك أسألك بفخر: «يا أبي، هل ترغب في إطلاق اسمك على هذا المسجد الجامع الذي تكفلت ببنائه؟» عندها رفعت رأسك إليّ ونظرت في عيني بتلك النظرة التي لا تزال عالقة في قلبي، وأجبت بصوتك الخافت المفعم بالإيمان: «يا بني، اخترت له اسم الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لعل الله عزوجل أن يقبله ويمنّ عليّ برفقة الصديق في الجنة». في تلك اللحظة، يا أبي، علمتني درساً لن أنساه ما حييت: أن الإخلاص هو روح العمل، وأن العطاء الحقيقي هو ما كان لوجه الله وحده. كنت تحرص دائماً على أن تغطي أعمالك الخيرية بغطاء الإخلاص، بعيداً عن الأضواء والإعلام، خوفاً من الرياء الذي طالما حذرتنا منه. رحلت (يا أبي) بعد حياة عامرة بالزهد والتقى والورع، امتدت قرابة قرن من الزمان. كنت نعم القدوة في صلتك للرحم وتواضعك الجّم. ورغم أنك كنت عميد العائلة وأكبرهم سناً، كنت أول من يبادر بالزيارة والسلام، تعلمنا أن الكبر ليس بالسن، بل بالأخلاق والتواضع. كنت حريصاً على قيام الليل والمحافظة على الصلاة حتى في أشد أوقات مرضك وضعفك، تصلي بخشوع وكأنك ترى الله بين يديك. علمتنا أن التربية بالقدوة هي أقوى منهج، وأن الأبناء لا يتعلمون مما يسمعون، بل مما يرون.
كيف أنساك (يا أبي) وأنت من زرعت فيّنا حُب القرآن الكريم ،وجعلته نعم الصاحب والنعم السمير.. كيف أنسى صوتك وأنت تتلو آيات الله بخشوع، ووصيتك الدائمة لنا بالتمسك بديننا وقيمنا كنت كثير الصمت، تكره الغيبة والكلام في أعراض الناس، وتقول إن الصمت نصف الحكمة. كنت بحق صاحب قلب نقي لا يعرف الكراهية ولا الضغينة، قلباً يسع الجميع حباً وتسامحاً.
اللهم ارحم أبي (محمد المغامس)، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأكرمه برفقة النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.
والحمد الله على قضائه وقدره.
** **
- د. عبدالعزيز بن محمد المغامس