أ.د.صالح معيض الغامدي
كتبت قبل مدة في منصة (إكس) تغريدة قلت فيها «ربما كان من أجمل ما في السير الذاتية وأمتعه أن كل سيرة ذاتية تتشكل إلى حد كبير بتأثير قوي من تخصص كاتبها أو مهنته أو عمله في الحياة، ويكون ذلك بشكل واضح يتبينه القارئ أثناء قراءته هذه السيرة أو تلك، وهذا ربما كان بخلاف ما يحدث في الأجناس الأدبية الأخرى؛ مثل الشعر والرواية والقصة القصيرة…!!»
وفي هذا المقال وربما في المقالات اللاحقة سأقدم قراءات موجزة لبعض السير الذاتية السعودبة أبين فيها أثر تخصص كُتّابها أو مهنهم في كتابة سيرهم الذاتية.
وسأبدأ بسيرة الدكتور فالح بن زيد الفالح «حياة في الطب: بين الرياض وهايدلبرغ، مراحل التحولات».
فالفالح في هذه السيرة يسرد تجاربه الحياتية منذ الطفولة إلى ما بعد مغادرته لمجلس الشورى عام 2006م بقليل. وقد تحدث في سيرته التي التزمت بالتدرج التاريخي إلى حد كبير وبخاصة في الأجزاء الأولى منها.
والسيرة في مجملها تصور محطات مرت بها حياة الكاتب، كل محطة تشكل تحديا معينا كان على الكاتب أن يتغلب عليه، لينتقل إلى المحطة الحياتية التي تليها، كما ذكر ذلك د. عثمان الربيعة في تقديمه لهذه السيرة الذاتية.، وجاء عنوانها « حياة في الطب» كاشفا عن مدى تأثير التخصص في كتابة السيرة الذاتية، فالسيرة في أغلب فصولها تتمحور حول الطب ومعاناته أيام الطفولة ودراسته وتدريسه لاحقا.
وهذا الحديث عن الطب يقوم في كثير من جوانبه على الحديث عن الأمراض التي عاناها الكاتب في طفولته والأمراض التى عاناها المجتمع بشكل عام، والجهود التي بذلها الفالح بوصفه طبيبا ومسؤولا إداريا في المؤسسات الطبية لمعالجة الأمراض عموما وأمراض الكبد على وجه الخصوص.
وقد بدأ الكاتب سيرته ببداية مختلفة إلى حد ما عن البدايات التقليدية، وذلك بعقد مقارنة بين العيش في الوطن والعيش في ديار الغربة في ألمانيا، فالعيش في الوطن هو جمال وانتماء، أما في الغربة فهو مجرد جمال صرف.
ثم عقد فصلا تحدث فيه عن مكان الولادة في مدينة الخبراء والخلفية الاجتماعية لعائلة الفالح، وتحدث عن والده ووالدته، ومرحلة الطفولة والدراسة، فقد كان أستاذه محمد عبيد الشمري مثله الأعلى بالاضافة الى والده وإخوانه، وكذلك انتقاله إلى الرياض ودراسته في المعهد العلمي، وفي الوقت ذاته كان يدرس على نظام وزارة المعارف ليلا، لأن المعهد العلمي بمناهجه لم تكن ترضيه. وقد كان هذا هو التحول الأول المهم في حياته. ثم بعد ذلك التحق بالمرحلة الثانوية في مدرسة اليمامة في المسار العلمي، وتخرج فيها.
وعقد فصلا للحديث عن ابتعاثه لدراسة الطب في ألمانيا بعد المرحلة الثانوية، وقد كانت هذه المرحلة هي مرحلة التحولات الكبرى في حياته، يقول:» وصلنا إلى ألمانيا، وهنا بدأ التحول الكبير في حياتي… هذه المرحلة مثلت لي ما يطلق عليه الصدمة الحضارية الكبيرة». ولكن العزيمة والصمود هما ما مكنه من التغلب عليها.
وفي الفصل الذي عنونه ب «مرحلة الدراسة في ألمانيا» جاء جله عن دراسة الطب في المانيا خلال المدة من 1960 إلى 1968م، وجل هذا الفصل عن طبيعة دراسة الطب في جامعة هايدلبرج في مرحلتي الطلب والتخصص.
والحقيقة أن جل فصول الكتاب التالية والتجارب التي تسرد فيها مرتبطة إلى حد كبير بالطب وقضاياه ودراسته والعمل بعد ذلك في المستشفيات المتعددة في المانيا والمملكة بعد العودة النهائية، وفي عمله عميدا لكيلة الطب، ثم في عمله وكيلا لجامعة الملك سعود للشؤون الصحية، كما تحدث عن التحديات التي واجهته في مجال البحث العلمي في مجالات تخصصه الطبي، وعن البحوث العلمية التي أنجزها في هذا المجال، بل إنه يضمّن سيرته مقالة عن علاقته بإلأمراض، كان قد نشرها سابقا.
وعقد الكاتب فصلا طريفا عن علاقته بالأمراض منذ طفولته حتى التخرج والتخصص، وجاء هذا الفصل وكأنه سيرة داخل سيرة، ولكنها هنا سيرته مع المرض أو الأمراض التي أصيب بها في طفولته وكيف نجا منها، حتى لو كان بوسائل طبية شعبية مثل الكي.
وفي فصل بعنوان « قصة نجاح لا بد أن تحكى» يتحدث الكاتب عن جهوده البحثية في المجال الطبي، وبخاصة في المشروع الذي شارك فيه مع زملائه عام 1988، عن وبائيات الكبد، وقد حقق هذا البرنامج التحصيني من أحد أهم أمراض الكبد نجاحا.
وفي الفصل التالي الذي عنونه الكاتب بـ « علاقتي بالنظام الصحي» يتحدث فيه عن اهتمامه بهذا المجال وجهوده في خدمته التي توجت بتأليفه مع د عثمان الربيعة كتاب « النظام الصحي السعودي نشأته - تطوره - التحديات التي توجههه …» عام 2010.
وبعد أن تحدث الكاتب عن انتقاله إلى العمل بالقطاع الخاص استشاريا في تخصص أمراض الكبد والجهاز الهضمي بعد التقاعد، عقد فصلا طريفا بعنوان « علاقتي بالمريض» تحدث فيه عن علاقته بالمريض أيام البعثة في ألمانيا، وعن علاقته بالمريض السعودي بعد العودة الأولى والثانية، وهذه العلاقة أصبحت علما قائما بذاته كما يقول الكاتب. ويعقد مقارنة طريفة بين المريض السعودي والمريض الألماني بناء على تجربته معهما، مفادها أن هذه العلاقة مختلفة تحكمها عدة عوامل ترتبط بالبيئة والعادات والظروف الاجتماعية والثقافية، وقد أورد بعض القصص الطريفة المرتبطة بهذا الموضوع.
أما الفصل الذي عقده الكاتب عن « التعليم الصحي العالي في المملكة»، فقد أرخ فيه لتاريخ التعليم الصحي ودراساته العليا في المملكة، وقد اعتمد في هذا الفصل على الكتاب الذي شارك في تأليفه هو ود حسين الفريحي و د. عثمان الربيعة.
أما في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب «تجربتي بمجلس الشورى»، و«وجوه في حياتي»، و«الأسرة» و«حديث عن المدينتين، الرياض وهايدلبرغ»، فنجد أن ارتباطها بالطب يبدو أقل مما كانت عليه الفصول السابقة (وإن كانت لا تخلو من حضور الطب وشؤونه وشجونه فيها)، فهي تسرد تجربة الكاتب في عضوية مجلس الشورى لمدة 12 عاما، وتجربته مع بعض الأشخاص الذين تقاطع طريقه مع طرقهم كما يقول، وعن أسرته وزوجته وأبنائه، وتتحدث عن المدنتين، الرياض وهايدلبرغ، ويبدو أن هذا الحديث القصير في أربع صفحات قد جاء شارحا لعنوان السيرة الفرعي..
يقول الكاتب «لعل القارئ لاحظ أن عنوان كتابي ربط بين حياتي بالرياض… وهايدلبرغ في المانيا، وهنا آتي للحديث عنهما».
ولعل من المهم في ختام هذا المقال أن أشير إلى الثراء المضموني الكبير لهذه السيرة الذاتية من وجوه حياتية عدة، لكنها في جلها مصطبغة بالصبغة الطبية، وما يرتبط بها من أبعاد مرضية وعلاجية ومؤسساتية، ولم أرد الاستقصاء في هذا المقال لضيق المساحة، والإ فإن نكهة الطب فيها طاغية، ابتداء من العنوان « حياة في الطب» الذي جاء معبرا عن هذه النكهة عندما ربط بين حياة الكاتب بتخصصه ومهنته قبل كل شيء آخر، وانتهاء بتعريف بعض الأشخاص الذين حضروا في حياة الكاتب تعريفا يأتي كثيرا في سياقات طبية، فهو -على سبيل المثال- يقول عن أستاذه أبو سليمان السلامة: « قدر لي أن أشارك في علاجه قبل وفاته»، وعن سائق السيارة الذي أوصله الرياض أول مرة أنه كان « لاحقا أحد مرضاي رحمه الله» … إلخ.