بريدة - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد متخصص في العقيدة الإسلامية أن معظم أهل البدع أو الافكار المنحرفة لا يهمهم الحوار ولا النقاش إنما فتح المجال من خلال القنوات أو مواقع التواصل الاجتماعي أمام جمهور عريض لتمرير شبهات ومغالطات لا يتسع المجال للرد أو الكشف وتبقى عالقة في أذهان البعض، أو يغادر اللقاء ولم تتح فرصة للطرف الآخر للرد.
وكشف الدكتور صالح بن عبدالعزيز التويجري أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة القصيم أن للعلماء كلامًا في النهي عن مناظرة أهل البدع والشبهات على ملأ في القنوات أو مساحات (إكس) لأسباب، ومنها: أن التكافؤ العلمي غير متحقق، وأن صاحب الشبهة ومروجها انتقى الشاذ من الأقوال وجهزها وفي كل مساحة يجلب بضاعته لعله يجد من يسومها، أو يحقق له محتوى يتجمع حوله الجمهور، وذلك لأن المرجعية غير منضبطة، وعليه إلى من نتحاكم؟ وإلى أي حد سينتهي النقاش؟ ولأنك لا تضمن فتح ملفات ملغومة لا علاقة لها في الموضوع، إنما لإحراجك وإرباك فكرك لتقول ما لست مقتنعًا به، ولأن التحكم في مستوى المتلقي غير ممكن، بل الواقع هو التباين في المستويات والأعمار والمرجعيات والعقليات، والمقاصد والتخصصات، مما يجعل التعمق في الحديث إما فوق المستوى أو دون المستوى فتقع الفتنة، وذلك لضرورة مخاطبة الناس بقدر طاقاتهم وفهمهم، وتجنب الخوض في أمور دقيقة أو متشابهة قد تسبب فتنة أو سوء فهم عند العامة، وكذلك لما أورده الإمام البخاري في صحيحه تحت باب «من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا»، وما نقل عن الإمام علي رضي الله عنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)، والعامة هنا ليس المفهوم السائد الشعبي إنما معظمنا عامة في دقائق التخصصات الأخرى، فلها علماؤها وخبراؤها، ولأن الفكرة تبدأ حواراً ثم نقاشاً وخصومات ثم استعداء أو استقواء، وهذا بحد ذاته مؤذٍ ومنفر، ويعطي المتلقي صورة غير جيدة عن المتعلمين.
وأشار الدكتور صالح التويجري إلى أن هناك معرفات وهمية تتجرأ على الثوابت والمسلمات وتمارس توطين مصطلحات وكلمات فاحشة موغلة في النكارة والخبث والبذاء، كما أن هناك محاولات خارجية تريد تفتيت الوحدة واللحمة وشق الصف ونشر البلبلة، وإثارة الرأي العام، واستنطاق الرويبضة فيما لا يعنيه، ولأنه يوجد بقايا مجروحون تنزف جروحهم من أصحاب اللوثة القومية والناصرية واليسارية قمعوا وأُلجموا في فترة مراهقاتهم وكأنهم اليوم يلتقطون أنفاسهم لتصفية حسابات كانت مجمدة ليعود نبش تلك الجيف النخرة لعلها تمدهم ببعض الظهور قبل الخرف، ولأن مناهج التعليم ومراتب التعلم معروفة في المدارس والمعاهد والجامعات حيث التوفر على مستوى العمر والعلم والمرحلة، والوقت، وفيها يمكن التقرير والعرض للأقوال المخالفة أو المختلفة، والوقت كافٍ للمناقشات، وفي دائرة يمكن الاطمئنان على الفهم أو عدمه بخلاف الفضاء المفتوح في المساحات والقنوات والإذاعات فإنه لا يتحصل فيه ذلك، ولأن التعليم والتقرير هو الأصل وهو القاعدة التي تبنى عليها العلوم وتؤسس عليها قواعد الحوار، أما الردود والمناقشات والشبهات فإن لها مجالها ورجالها ومؤلفاتها وهي عارضة وبحسب الحاجة، كما أن الحديث في الفضاء وعلى الهواء مباشرة ربما لا تتوافر فيه المراجع وقد لا تسعف الذاكرة في استحضار الأدلة والردود، وذلك لأن تنوع الجمهور يفرض مداخلات وقفزات بعضها عفوي وآخر مقصود تفسد الحوار والنقاش، وتشتت الأذهان والأفهام والأفكار، ولأن في المساحة حضور مستمعين أو مشاركين تنوعت مصادرهم وثقافاتهم ولغاتهم وظروفهم وعقلياتهم ومدارسهم التي تفقهو أو تعلموا عليها فلا يمكن أن تتحكم في كل هذه الأطياف أو تقنعهم أو يقنعوك، ولأن فئة جديدة ظهرت على السطح تنادي بالتوافقية مع كل شيء، وتقبل أي فكرة سواء غالية أو جافية، متطرفة أو مفرطة، فئة ضاعت عندها معالم الطريق ليس لديها محددات تضبط مسارها وحدودها، فئة هشة أسفنجية تقبلية بإفراط، لا ترد يد لامس، بل قل ما شئت، تحدث بما شئت، هذا شأنك لأنه ليس عندهم ما يخسرون، ولا يعنيهم حين تخسر، فئة فقدت البوصلة كالريشة في مهب الريح تتقاذفها الأمواج والأعاصير في كل اتجاه، تلك الفئة لا تعتمد أي مرجعية لغوية، ولا شرعية، ولا تاريخية ولا منطقية ولا أخلاقية، كما أن هناك فئة تسمع بالتقدم فتظنه أن تلقي بنفسك من شاهق، أو تتخلى عن كل القيم والمبادئ، مع انعدام الولاء ولبراء، وتمييع الحدود وتضييع السبل وتغيير منار الأرض كلها أسلحة هؤلاء، وهم يهددون الحصون ويركبون الموجات، ويبررون لكل منحل ساقط سفيه جاهل، ولا يتقبلون أي اعتذار عن المخالف.
واختتم د. صالح التويجري حديثه قائلا: نحن واثقون بأن دين الله منصور، والغلبة للحق، لكن منهج الرد والبيان والحذر واليقظة مطلوبة، ولأن الجمهور في ذمة من يعلم ومن حقه بيان سبيل المجرمين حتى لا يخدع تحت مسميات(الحوار، النقاش، الرأي والرأي الآخر، هي فكرة فقط، مالك دخل في غيرك). إلى آخر كلمات تسويق الباطل وتعدد الأغلفة.