إعداد - د. محمد حامد الجحدلي:
ثانياً: البُعد الدبلوماسي
* أ - السياسة الخارجية:
لعبت العلاقات الدبلوماسية السعودية في عهد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- دوراً في السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، حيث حفلت كُتب «أدب الرحلات» بانطباعات عدد من الرحالة الأجانب، والمفكرين العرب عن رحلات الحج قبل أكثر من ثمانية عقود مضت، وحضر في مضامينها الحديث عن شخصية الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- واهتمامه بالحج والحجاج، حيث التقى بعضهم بالملك المؤسس في مكة المكرمة والرياض، وقدّمت هذه الكتب وصفًا دقيقًا لمكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، والمدينة المنورة، علاوة على وصف لقاء بعض الرحّالة بأمراء وأئمة الدولة السعودية الأولى والثانية، وفي عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، تميز طرحها بحسب قول المؤرخين بالكثير من الحياد والمصداقية في النقل والكتابة، خاصة ما يتعلق بوصف فروق خدمات «الحج» ما قبل عهد الملك عبدالعزيز وما بعده.
وتظهر جليًا في هذه الكتب الحقائق الدامغة التي سطرها الرحالة وغيرهم من المفكرين والمثقفين عن تفاصيل رحلة الحج قبل عهد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-، ومنها على سبيل السرد لا الحصر ما ذكره «الحاج عبد الماجد زين الدين» ضابط شؤون الحجاج الملايويين في الربع الأول من القرن العشرين، الذي وصف معاناة رحلة الحج في ذلك الزمن وما يعتريها من أمراض، وخوف، وفوضى في تنظيم إدارة الحج، ناهيك عن طول السفر ما بين مدينة جدة حيث الميناء، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة.
وقال الحاج زين الدين في قصته التي رُصدت ضمن موسوعة الحج والحرمين الشريفين التابعة لدارة الملك عبد العزيز: إن رحلة الحج في ذلك العهد تبدأ من لحظة المغادرة من ميناء جدة إلى مكة المكرمة في رحلة تستغرق ليلتين عن طريق قوافل الإبل، ويوضع على ظهر كل جمل (سرج خشبي) محشو بسعف النخيل يعرف بـ(الشُقدف) يحمل شخصين على الجهتين، لتستمر الرحلة إلى مكان يعرف باسم (بحرة) يقضي فيه الحجاج راحتهم في طريقهم إلى مكة المكرمة، وتحدث زين الدين عن رحلة السفر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعد أداء الحج، مبينًا في وريقات كتبها عام 1342ه الموافق 1923م، أنها تستغرق 12 ليلة، تمر بعشرة مواقف مختلفة، هي: وادي فاطمة، عسفان، وادي قديد، رابغ، مستورة، بئر الشيخ، بئر حسن، بئر خريص، بئر درويش، وأصبحت رحلة الحج في ذلك الزمان عائقًا كبيرًا أمام المسلمين في العالم بسبب خطورة الرحلة، على الرغم أنها الحلم الكبير الذي يبدأ بكتابة وصية الحاج استعدادًا للرحيل إلى مكة المكرمة لأداء الحج، وينتهي باستقبال بهيج من الأقارب، والأصدقاء، والجيران، يصحبه احتفالات يُقدم فيها «الهدي «(1).
* ب - دخول الحجاز في الحكم السعودي:
ومع تولي الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- زمام الأمور السياسية والإدارية في المملكة، تغيّر حال رحلة الحج، إذ تحسنت على مر السنين وسائل النقل فاختصر زمن الرحلة من الشهور والأيام إلى الساعات والدقائق، واهتم الملك عبد العزيز بعد دخول الحجاز تحت حكمه عام 1343هـ الموافق 1925م، بالحفاظ على أمن الحجيج، وتابع المؤسس هذه الأعمال بنفسه، بل واتخذ إجراءات عدة لتحقيق ذلك، منها إنشاء فرق عسكرية وأمنية تعمل على استتباب الأمن وتأمين حياة وسلامة الحجاج خلال أدائهم المناسك، حتى يعودوا إلى بلدانهم سالمين، ما جعل مراسل صحيفة (مانشيستر جاردين في بغداد) يشيد في تقرير نشرته الصحيفة بنجاح موسم حج عام 1345هـ الموافق 1927م، وفي استدعاء لذاكرة التاريخ، فقد كان الرحالة غير العرب يتقاطرون على مكة المكرمة، قبل قيام الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز، وقيل إن عددًا منهم اعتنق الإسلام، وفقًا لما أوردته أبحاث موسوعة الحج والحرمين الشريفين.
* ت - الطريق إلى مكة:
ومن الرحالة الذين تحدثوا في رحلاتهم عن الحج، ليوبولد بن كيفا فايس الذي أسلم فيما بعد وأطلق على نفسه اسم (محمد أسد) في كتابه (الطريق إلى مكة)، والإنجليزي الدون روتر في كتابه (المدن المقدسة)، ومحمد أمين التميمي في كتابه (لماذا أحببت ابن سعود)؟ والهندي غلام رسول مهر في كتابه (يوميات رحلة إلى الحجاز) وجيرالد دي جوري الذي ألف كتابًا عام 1352هـ الموافق 1934م، بعنوان: (اللقاء مع عملاق في حجم جبل)، وقدّم الرحالة الياباني (تاكيشي سوزوكي) كتابًا بعنوان (ياباني في مكة) تناول فيه زيارته لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة بعد أن أسلم وأطلق على نفسه (محمد صالح)، كما تحدث عن واقع الحياة في عهد الملك عبد العزيز، والتقى بالملك عبد العزيز -رحمه الله- عام 1357هـ الموافق 1938م، وقال عنه: «إنه رجل لا يقهر» كشف الكتاب النقاب عن جوانب مجهولة من أدب الرحلات الياباني، كما يكشف عن نمط أدبي فريد، فمؤلفه ياباني مسلم يجيد التعبير عن أحاسيسه بدقة، ناقد يحلل ما يرى وما يسمع، كتب المؤلف عن الإسلام ومبادئه، ثم عن الرحلة ذاتها والظروف التي دفعته إلى القيام بها، وركز على الأمور الجغرافية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية، بعد وصوله إلى المملكة العربية السعودية وأدائه لمناسك الحج، كما وصف في فصل مستقل لقاءه بالملك عبدالعزيز(2)، ويُعد كتاب المؤلف الياباني تاكيشي سوزوكي ، أقدم وثيقة تاريخية في أدب الرحلات ووصف الأراضي المقدسة.
وبدأ الاهتمام الدبلوماسي في المملكة، بعد انضمام مدينة جدة إلى حكم الملـك عبد العزيز في الثامن من جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 24 ديسمبر 1925م، إذْ تمَّ إنشاء مديرية خاصة بالشؤون الخارجية مقرها الرئيس مكة المكرمة، وبهذه الكلمات وصف الأديب والرحالة الياباني تاكيشي سوزوكي، تفاصيل المشهد الإيماني الآسر الذي اجتذبه ودفعه للكتابة عنه قبل نحو 9 عقود، عندما أرَّخ تفاصيل رحلته إلى مكة المكرمة في عام 1356ه الموافق 1938م. ويرأسها نائب الملك في الحجاز الأمير فيصل بن عبد العزيز، وقد عرفت باسم مديرية الشؤون الخارجية، كما افتتح فرع لها في مدينة جدة (3)، وهذه الشهادات والتي أدلى بها عدد من الحجاج والوفود الرسمية، تؤكد ما قام بها الملك عبد العزيز من ج هود أثمرت عن هذه المشاهدات.
* ث - مديرية الشؤون الخارجية:
وقد أدخل الملك عبد العزيز تحـديثاً إدارياً لمديرية الشؤون الخارجية، وجعل لها أربع شعب هي:-
1) الشعبة السياسية.
2) الشعبـة الإداريــــة.
3) الشعبـة الحقوقيــة.
4) الشعبـة القنصليـة.
وقد استعان الملك عبد العزيز في بداية الأمر بالتجار السعوديين للعمل كسفراء غير متفرغين، مثل فوزان السابق بالقاهرة، وعبد اللطيف المنديل في بغداد والبصرة، وعبد االله النفيسي في الكويت، وعبد الله الفوزان في بومبي، وابن ليلى في دمشق، وعبد الرحمن القصيبي في البحرين(4)، ثم تعاظم العمل الدبلوماسي بتعيـين سفراء متفرغين له، وبدأ يؤسس قنصليات رسمية في العواصم المختلفة كالقاهرة، ولندن، والقدس، وبغداد، وأنقرة، ودمشق (5)، في نفس العام، ثم مفوضية القاهرة عام 1355هـ/ 1936م، ثم رفعت حكومة الملك عبد العزيز مفوضياتها وتمثيلها الدبلوماسي إلى درجة سفارة(6)، ثم تبعها افتتاح قنصلية المملكة (7) بأمريكا في عام 1364هـ/ 1945م، ثم جرى رفع درجتها إلى سفارة في عام 1368هـ/ 1949م(8)، كما تم إحداث عدد من الممثليات للمملكة العربية السعودية في كل من باريس، وروما، وبيروت، وعمان، وطهران، وكابل، ومكسيكو، وجاكرتا، وكراتشي (8)، ولقد بلغت درجة التمثيل الدبلوماسي بين المملكة ودول العالم قمة درجتها في زمن قصير (10). وكانت أول المفاوضات للمملكة في الخارج مفوضية لندن عام 1349هـ/ 1930م، وعُيُّن بها حافظ وهبة وزيراً ومفوضاً فوق العادة، وتلتها المفوضية في بغداد عام 1352هـ/ 1933م، ثم ممثلية المملكة في دمشق في نفس العام، ثم مفوضية القاهرة عام 1355هـ/1936م.
ثالثاً: خاتمة الدراسة:
توصلت الدراسة في خاتمتها إلى النقاط التالية:
1 - استشعار الملك عبد العزيز بعد توحيد المملكة لأهمية دور الإعلام في وحدة المجتمع.
2 - رصد الصعوبات التي واجهت الملك عبد العزيز ومن أهمها افتقار المملكة في ذلك الوقت للوسائل الإعلامية القادرة على مجاراة الإعلام الخارجي للرد على الحملات العدائية في موسم الحج.
3 - الحاجة لتصحيح حجم الشائعات الكثيرة التي زادت من مخاوف الحجاج ورؤساء بعثات الحج الرسمية.
4 - معالجة الملك عبد العزيز بحنكته السياسية لأحداث مؤسفة في العهود السابقة قبل دخوله الحجاز من النهب والقتل الذي يتعرض له الحجاج في موسم كل عام.
5 - التنويه بالتجربة والنقلة الفكرية والنهضة الثقافية الرائدة في عهد الملك عبد العزيز التي أحدثت تأثيراً إيجابياً في تاريخ الإعلام السعودي وتلك الفترة المبكرة.
6 - استثمار القدرات والمواهب الفكرية والأدبية بالمملكة وخاصة في الحجاز والاستفادة منهم كرؤساء تحرير الصحف والمجلات ومعدي ومقدمي البرامج الإذاعية التي كانت النواة الأولى لركائز الإعلام السعودي.
7 - اهتمام الملك عبد العزيز بتنظيم العمل الدبلوماسي وتطوير إدارة شعبة الشؤون الخارجية برئاسة الأمير فيصل بن عبد العزيز نائب الملك في ذلك الوقت.
8 - يحسب للملك عبد العزيز استعانته ببعض التجار سفراء لعلاقاتهم مع دول بعثات الحج.
رابعاً: توصيات الدراسة:
1 - الاعتماد الكلي على الكوادر السعودية فهم الأحق بهذا الشرف والقيام بالرسالة الوطنية.
2 - تفعيل الملحقات الثقافية والإعلامية في سفارات خادم الحرمين الشريفين في الخارج.
3 - قيام أساتذة الجامعات في عدد من التخصصات ذات العلاقة بالحج والعمل الدبلوماسي بمحاضرات وندوات في سفارات خادم الحرمين الشريفين بالخارج قبل بدء الموسم بثلاثة أشهر من كل عام.
4- استهداف الجامعات خارج المملكة ووزارات الشؤون الدينية والأوقاف لزيادة الوسائل الإعلامية لتكثيف الوعي وإظهار دور المملكة في خدمة حجاج بيت الله الحرام.
5 - إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية تبث برامج زمنية وملاحق صحفية بلغات تلك الدول بهدف زيادة ثقافة الحجاج القادمين إلى المملكة تعينهم على أداء فريضة الحج بيسر وسهولة واحترام التعليمات.
6 - استضافة عدد من السفراء والقناصل في البرامج الإذاعية والتلفزيونية الرسمية من قبل كوادر سعودية في حوارات هادفة تعطي فكرة واضحة عن حرص المملكة بأجهزتها المعنية بخدمة الحجاج.
7 - استضافة شخصيات مؤثرة من العلماء والمفكرين في البرامج الإذاعية والتلفزيونية تُبث على الهواء أو مسجلة تعتني بالتأثير على الحجاج في موسم حج كل عام.
8 - إجراء المزيد من البحوث العلمية المدعومة بالمصادر والمراجع والوثائق وتخصيص جوائز ثمينة للفائزين منهم ويتم تكريمهم في الحفل السنوي لضيوف خادم الحرمين الشريفين في منى من كل عام.
* * *
الهوامش:
(1) الإقذاع: في اللغة العربية الشتم بالكلام السيء والفاحش، ويشمل الألفاظ البذيئة والكلمات النابية التي تتجاوز حدود الأدب واللياقة.
(2) ياباني في مكة؛ تاكيشي سوزكي، ترجمة سمير عبد الحميد؛ سارة تاكاشي، مراجعة زيد الزيد، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض، 1431ه الموافق 2010م، ص 115 - 118.
(3) عطار؛ طلال محمد نور، التمثيل الدبلوماسي والقنصلي بين المملكة العربية السعودية والعالم الخارجي، د. ط، الرياض، مطابع الفرزدق التجارية، 1409هـ/ 1989م، ص 28 - 29؛ مدني؛ محمد عمر نور، العلاقات الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية، ط3، الرياض، مؤسسة الجزيرة، 1410هـ/ 1990م، ص 20؛ صادق؛ محمد توفيق، تطور الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، مطبوعات معهد الإدارة العامة، د. ط، الرياض، 1385هـ/ 1965م، ص71.
(4) الصباغ؛ عبد الله، السياسة الخارجية السعودية، الرياض، د. ن، 1407هـ/ 1987م، ص 132؛ معهد الإدارة العامة، تطور الإدارة العامة في المملكة، ص 163.
(5) جريدة أم القرى؛ العدد 742، في 12 محرم 1358ه/ 3 مارس 1939م، ص 5.
(6) مدني؛ محمد عمر، العلاقات الدبلوماسية السعودية، ص 23؛ السنيدي؛ عبد الله بن راشد، الأجهزة الحكومية في المملكة، ط8، د. ن، د.ت، ص 95.
(7) جريدة أم القرى؛ العدد 1083، في 25 ذي الحجة 1364هـ/ 30 نوفمبر 1945م، ص2.
(8) جريدة أم القرى؛ العدد 1245، في 22 ربيع الأول 1368هـ/ 21 يناير 1949م، ص2.
(9) موسوعة المعارف الحديثة للدول العربية، ج3، مكتبة الملك فهد الوطنية، الطبعة الثانية، الرياض، 1419هـ/ 1999م، ص 75.
(10) جريدة أم القرى؛ العدد 1309، في 2رجب 1370هـ/ 27 إبريل 1951م، ص 3.