برز الاهتمام بالمشاعر المقدسة وتوفير كافة خدمات الحجاج بها منذ تأسيس المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، حيث أصدر -رحمه الله- أمره عام 1346هـ/ 1927م، بإصلاح الطرق الوعرة التي يمر بها الحجاج ذهاباً وإياباً من جبل عرفة، كما أصدر أمره في عام 1350هـ/ 1931م، بتخطيط عرفات بواسطة طرق مستقيمة تقسم إلى مربعات ينزل فيها الحجاج بحسب بلادهم أو مطوفيهم.
وفي كتاب (المشاعر المقدسة عبر العصور.. دراسة تاريخية حضارية)؛ الذي أصدره كرسي الملك سلمان لدراسات تاريخ مكة المكرمة، الذي عمل على إعداده وإخراجه مجموعة من الباحثين المتخصصين من أعضاء هيئة التدريس بجامعة أم القرى، ويتناول وفقاً لما أوضحه المشرف على الكرسي الدكتور عبدالله الشريف «تاريخ هذه المشاعر المقدسة عبر العصور، فيصفها ويبين حدودها ومعالمها، ويلقي الضوء على الجوانب السياسية وأثر الفتن في أمن الحج والمشاعر قبل الإسلام وبعده إلى العصر العثماني، ثم ينتقل للحديث عن الأحوال العلمية والثقافية فيها ومن ذلك الدعوة والوعظ والإرشاد وأثر الوفود في تبادل الإجازات العلمية وتلاقح الأفكار والعلوم، ويتطرق إلى الجوانب الاقتصادية والبيئية في مواسم الحج وأثرها في انتشار الأمراض والأوبئة في المشاعر، ثم الجوانب العمرانية والحضارية كالمنشآت المعمارية وما أجري عليها من إصلاح وإعمار وتطوير».
وإن كانت بداية تطوير مشعر عرفات تمثلت في إصلاح الطرق الوعرة التي يمر بها الحجاج ذهاباً وإياباً من جبل عرفه، فإن ما شهده جبل الرحمة الذي يُعد من أشهر المعالم الجغرافية والدينية في المشاعر المقدسة، إذ وقف عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، حين خطب في المسلمين في خطبته الشهيرة.
وتم خلال السنوات القلائل الماضية تطوير الساحات المحيطة بالجبل والممرات المؤدية إليه بهدف تنظيم حركة الحشود وتوفير منظومة متكاملة من الخدمات، حيث تم تنفيذ أعمال تطوير للبنية التحتية شملت تحسين الطرق المؤدية إلى الجبل، وإنشاء مسارات للمشاة، وتوفير اللوحات الإرشادية متعددة اللغات، إلى جانب دعم المنطقة بأنظمة إنارة حديثة وخدمات ميدانية متكاملة، بما يسهم في تنظيم الحركة والحد من الازدحام، خصوصًا في أوقات الذروة خلال يوم عرفة.
وعملت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة على تنفيذ مشروع زراعة 60 ألف شجرة كمبادرة قادتها شركة كدانة للتنمية والتطوير لزيادة الرقعة الخضراء في المشاعر المقدسة، وبرزت مراوح الرذاذ التي تعمل على إطلاق رذاذ الماء البارد بشكل مستمر، لتلطيف درجات الحرارة وتوفير بيئة مريحة لضيوف الرحمن.
أما مسجد نمرة الذي يمثل أحد أبرز المعالم حيث يؤدي حجاج بيت الله الحرام صلاتي الظهر والعصر قصراً وجمعاً به يوم التاسع من ذي الحجة اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم.
فقد شيد في منتصف القرن الثاني الهجري، وحظي باهتمام خلفاء وسلاطين المسلمين، حيث عمره الجواد الأصفهاني في عام 559 هـ، وأجريت له في العصر المملوكي عمارتان مهمتان الأولى بأمر الملك المظفر سيف الدين قطز في عام 843هـ والثانية بأمر السلطان قايتباي في عام 884 هـ وتعتبر الأفخم والأكثر جمالاً وإتقاناً في ذلك الحين، ثم جددت عمارته في العهد العثماني في عام 1272هـ.
شهد المسجد في العهد السعودي أكبر توسعة له في التاريخ، حيث أصبح طوله من الشرق إلى الغرب 340 متراً وعرضه من الشمال إلى الجنوب 240 متراً، وتم إيجاد مساحة مظللة خلفه.
واليوم نرى مساحة بنائه وقد بلغت (23.500) متر مربع، وتجاوزت مساحة الفرش به (27) ألف متر مربع، وتم تحديث مرافقه الخدمية لتستوعب الأعداد الكبيرة من الحجاج، بالإضافة إلى (410) وحدات تبريد تعمل بأنظمة تحكم ذكية؛ لضمان كفاءة التبريد وتحسين جودة الأجواء داخل المسجد وساحاته.
ولوصول الحافلات الناقلة للحجاج إلى المخيمات تم توفير طريق دائري تتحول منه الحافلات جنوباً لتصل إلى مخيمات الحجاج، إضافة لمسارات خاصة بالنقل الترددي، ومسار قطار المشاعر المقدسة.
ولتوفير خدمات صحية جيدة بمشعر عرفات عملت وزارة الصحة على تجهيز أربع مستشفيات رئيسية هي: مستشفى عرفات العام، ومستشفى نمرة، ومستشفى جبل الرحمة، ومستشفى شرق عرفات، بالإضافة إلى مستشفيات ميدانية، ومراكز صحية وفرق إسعافية، وأسطول من طائرات الإسعاف الجوي تضم 11 طائرة لتقديم خدمات الإخلاء الطبي العاجل، وطائرات الدرونز لتسريع الخدمات الطبية بنقل الشحنات الطبية العاجلة وأكياس الدم.
وتعمل قوات الدفاع المدني بمشعر عرفات على تقديم خدماتها لضيوف الرحمن بتعزيز الجوانب الوقائية داخل مخيمات الحجاج من خلال جولات ميدانية ورفع جاهزية المراكز الميدانية، وتنفيذ برامج توعوية والمشاركة في عمليات الإخلاء والإنقاذ بجبل الرحمة ومسجد نمرة.
ويواصل منسوبو الكشافة السعودية المشاركون في معسكر الخدمة العامة الذي تُقيمه جمعية الكشافة العربية السعودية بعرفات، بتقديم أعمالهم التطوعية في إرشاد الحجاج التائهين بمشعر عرفات، على فترات منتظمة، ويقوموا بالتعاون مع موظفي وزارة الحج والعمرة بأداء مهامهم في إيصال الحجاج لمقار مخيماتهم.
شهد موسم حج هذا العام قفزة نوعية بزيادة إنتاج المياه المحلاة بنسبة 18 % في عرفات، كما تنفذ الجهات الرسمية والجمعيات الخيرية، عبوات مياه باردة خلال الموسم في المشاعر المقدسة.
وقبل الختام أقول إن توفير الخدمات لضيوف الرحمن بمشعر عرفات يرتبط بالعديد من الخدمات ابرزها الخدمات التوعوية والصحية والتنفيذية، ويقوم على تنفيذها كوادر سعودية وفرت لها كافة الإمكانيات، وعملت على استخدام التقنيات الإليكترونية فتحول مشعر عرفات إلى شبكة متكاملة من المنظومة الذكية المتكاملة، التي تساعد الحاج على أداء فريضته وتمكن القائم على الخدمة بأداء مهامهم بشكل أفضل لتكون رحلة الحاج إثرائية حاملة لشعار «من الفكرة إلى الذكرى».
** **
- أحمد صالح حلبي
ahmad.s.a@hotmail.com
@ashalabi1380