الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
من المشكلات المؤرقة للآباء والأمهات الفزع والهلع الشديد الذي يصاحب أطفالهم أثناء النوم، وتلك الحالات لا ترتبط بسن معينة.
يؤكد ذوو الاختصاص أن هناك أسباباً وراء حدوث النوبات التي تتكرر أثناء النوم.
«الجزيرة» التقت عدداً من المختصين والمهتمين بشأن الطفولة ليقدموا رؤيتهم في العلاج المناسب لتلك المشكلة.
سكينة وطمأنينة
يؤكد الدكتور هشام بن عبدالكريم المشيقح الخبير التربوي، نائب رئيس مجلس الأمناء بجامعة المستقبل أن من أهم ما يُعين -بعد توفيق الله- على التخفيف من هذه المشكلة: تهيئة الطفل للنوم في أجواء هادئة ومطمئنة، وتعويده على الأذكار الشرعية قبل النوم؛ لما فيها من سكينة وطمأنينة وحفظ بإذن الله تعالى.
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (28) سورة الرعد، وقال سبحانه: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) (97-98) سورة المؤمنون.
وقد أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أذكار وأدعية عظيمة تكون سببًا في الطمأنينة والحفظ أثناء النوم، فمن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره... ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ... )، وفي صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ثم نفث فيهما وقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح. رواه البخاري.
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك... فإن متَّ متَّ على الفطرة» - متفق عليه.
ومن دعائه -صلى الله عليه وسلم- عند النوم: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) متفق عليه. وهذا الدعاء صريح في سؤال الله الحفظ أثناء النوم.
فينبغي للوالدين المحافظة على الأذكار والأدعية المأثورة قبل النوم، مع تشجيع الأبناء على ترديدها يوميًا حتى تصبح عادة ملازمة لهم، كما يُستحسن أن ينام الطفل في أجواء هادئة بعيدة عما يثير الخوف أو القلق، مع إشعاره بالأمان والاحتواء النفسي.
نسأل الله أن يحفظ أبناء المسلمين، وأن يرزقهم النوم الهانئ والطمأنينة الدائمة.
نوبات مفاجئة
يبين الدكتور شادي بن فواز المغربي استشاري طب الأطفال بالرياض أن الرعب الليلي يُعدّ من اضطرابات النوم الشائعة نسبيًا عند الأطفال، ويتميّز بنوبات مفاجئة من الخوف الشديد تحدث أثناء النوم، فيستيقظ الطفل جزئيًا وهو يصرخ أو يبكي أو يبدو مذعورًا، مع تسارع في ضربات القلب والتنفس والتعرّق، دون أن يكون واعيًا بشكل كامل لما يجري حوله، وغالبًا ما يُصاب الأهل بالقلق الشديد عند مشاهدة هذه النوبات، إلا أنّ الرعب الليلي في معظم الحالات يُعدّ حالة حميدة تزول مع التقدّم في العمر، مبينا أنّ الدراسات تشير إلى أنّ الرعب الليلي يُصيب نحو 1 % إلى 6 % من الأطفال بشكل متكرر، بينما قد تحدث نوبة واحدة على الأقل لدى ما يقارب 30 % من الأطفال خلال سنوات الطفولة، ويظهر الرعب الليلي غالبًا بين عمر ثلاث سنوات واثنتي عشرة سنة، مع ذروة شيوعه في مرحلة ما قبل المدرسة، ثم تبدأ النوبات بالتراجع تدريجيًا مع التقدّم في العمر حتى تصبح نادرة نسبيًا عند البالغين، كما قد يترافق الرعب الليلي مع المشي أثناء النوم، لأن الحالتين تنتميان إلى اضطرابات الاستثارة من النوم العميق، وتشير الدراسات إلى أنّ المشي أثناء النوم يحدث لدى نسبة ملحوظة من الأطفال المصابين بالرعب الليلي، وقد تصل نسبة الترافق بين الحالتين إلى نحو 20 % - 30 % في بعض الدراسات، خاصةً عند وجود قصة عائلية لاضطرابات النوم.
النوم العميق
يعرف الدكتور شادي المغربي استشاري الأطفال: الرعب الليلي هو اضطراب يحدث خلال مراحل النوم العميق غير الحالم (Non - REM sleep)، بخلاف الكوابيس التي تحدث عادةً أثناء مرحلة الأحلام، ويظهر غالبًا خلال الثلث الأول من الليل، أي بعد نحو ساعة إلى ثلاث ساعات من بدء النوم، وخلال نوبة الرعب الليلي قد يجلس الطفل فجأة في فراشه، أو يصرخ بصوت مرتفع، أو يحرّك أطرافه بعنف، وقد تبدو عليه علامات الذعر الشديد، مع تسارع ضربات القلب والتنفس والتعرّق، لكنه في الغالب لا يتعرّف إلى والديه ولا يستجيب لمحاولات تهدئته، وفي بعض الحالات قد ينهض الطفل من فراشه أو يبدأ بالمشي والتجول أثناء النوبة دون وعي كامل، وهو ما يفسّر العلاقة الوثيقة بين الرعب الليلي والمشي أثناء النوم، وتستمر النوبة عادةً من بضع دقائق إلى نحو ربع ساعة، ثم يعود الطفل للنوم بشكل طبيعي، وعند الاستيقاظ صباحًا لا يتذكّر ما حدث.
أسباب وعوامل
يبين الدكتور شادي المغربي استشاري طب الأطفال بالرياض إلى أنه لا يوجد سبب واحد محدّد للرعب الليلي، إلا أنّ هناك عوامل قد تزيد من حدوثه، ومن أهمها: الحرمان من النوم أو اضطراب مواعيد النوم، والإرهاق الجسدي أو النفسي، والحمى والالتهابات عند الأطفال، والتوتر والضغوط النفسية، ووجود تاريخ عائلي لاضطرابات النوم، والنوم في بيئة مزعجة أو كثيرة الضوضاء، بالإضافة إلى بعض الأدوية أو الحالات العصبية النادرة، مشيراً إلى أن كثير من الناس يخلط بين الرعب الليلي والكوابيس، إلا أنّ هناك فروقًا واضحة بينهما: فالرعب الليلي يحدث أثناء النوم العميق، والكوابيس يحدث أثناء مرحلة الأحلام، والرعب الليلي يظهر غالبًا في الثلث الأول من الليل، والكوابيس تظهر غالبًا في النصف الثاني من الليل، والرعب الليلي الطفل لا يكون واعيًا تماما، وفي الكوابيس الطفل يستيقظ مدركًا لما رأى، وفي الرعب الليلي يصعب تهدئة الطفل أثناء النوبة، أما في الكوابيس يمكن تهدئة الطفل بسهولة، وفي الرعب الليلي لا يتذكر الطفل النوبة غالبًا، أما في الكوابيس يتذكر الحلم المزعج، وفي الرعب الليلي يترافق مع صراخ وحركات مفاجئة، أما في الكوابيس يقتصر غالبًا على الخوف والبكاء.
نصائح طبية
يقدم الدكتور شادي المغربي استشاري الأطفال بالرياض نصائح الأطباء بعدم محاولة إيقاظ الطفل بعنف أثناء نوبة الرعب الليلي، لأن ذلك قد يزيد ارتباكه وخوفه، والأفضل أن يقوم الأهل بالتأكد من سلامة الطفل ومنع تعرضه للأذى، خاصة إذا كان يمشي أثناء النوم، والتحدث إليه بصوت هادئ ومطمئن، وتخفيف الإضاءة والضوضاء في الغرفة، والحفاظ على انتظام مواعيد النوم، وتجنب السهر والإجهاد الزائد، ومن الطرق السلوكية المفيدة لدى بعض الأطفال ما يُعرف بالإيقاظ الاستباقي، خاصةً عندما تكون النوبات متكررة وتحدث في توقيت متشابه كل ليلة، وتعتمد هذه الطريقة على مراقبة وقت حدوث النوبة لعدة أيام، ثم إيقاظ الطفل بلطف قبل موعدها المتوقع بنحو 15 - 30 دقيقة، وإبقائه مستيقظًا لمدة قصيرة تتراوح بين دقيقتين وخمس دقائق قبل السماح له بالعودة إلى النوم.
ويُعتقد أنّ هذه الطريقة تساعد على كسر دورة النوم العميق التي تحدث خلالها النوبة، وقد تساهم في تقليل تكرار الرعب الليلي بشكل ملحوظ لدى بعض الأطفال، ومع ذلك، فإن النوبات لا تحدث دائمًا في توقيت ثابت عند جميع الأطفال، لذلك قد تكون فعالية هذه الطريقة متفاوتة من حالة لأخرى، مشدداً على وجوب مراجعة الطبيب على الرغم من أن الرعب الليلي غالبًا غير خطير، إلا أنّ مراجعة الطبيب تصبح ضرورية إذا كانت النوبات متكررة جدًا أو شديدة، وتسببت بإصابة الطفل أو تعرّضه للخطر، واستمرت إلى مرحلة المراهقة أو البلوغ، وترافق معها تشنجات أو أعراض عصبية أخرى، وأثّرت بشكل واضح في نوم الطفل أو نشاطه اليومي.
بيئة هادئة
اختتم الدكتور شادي المغربي استشاري الأطفال بالرياض حديثه قائلاً: الرعب الليلي حالة شائعة قد تبدو مخيفة للأهل، لكنها في معظم الأحيان ليست علامة على مرض خطير، ويُعدّ فهم طبيعة هذه الحالة والتعامل معها بهدوء وطمأنينة أمرًا مهمًا لتخفيف القلق ومساعدة الطفل على تجاوزها، كما أن تنظيم النوم وتوفير بيئة هادئة ومريحة قد يساهمان بشكل كبير في تقليل حدوث النوبات وتحسين جودة نوم الطفل.
كهرباء المخ
يوضح الدكتور عزت عبدالعظيم استشاري الطب النفسي بالرياض أن الفزع الليلي هو نوبات من الرعب والفزع والهلع الشديد والحاد يتكرر في نوبات أثناء النوم أيضاً مثل الكوابيس، ولكنه أكثر وطأة حيث يصحو الطفل من النوم في حالة صراخ وبكاء شديد وهو في حالة دهشة وغير مستجيب لأي محاولات لتهدئته مهما حاول الأهل معه وتأخذ وقتها الكافي من البكاء والصراخ والنظرات الخائفة والرجفة بالجسم مع اصفرار الوجه، وأخيراً ينام الطفل تلقائياً دون أن يتنبه أو يستيقظ وعندما يصحو في الصباح لا يتذكر أي شيء مما حدث له على الإطلاق، مشيراً إلى أن نوبات الفزع الليلي تختلف عن الكوابيس حيث تحدث في آخر النوم أي في منتصف الليل الأخير، كما أنها تعتبر بمثابة نوات تشنج عصبي (صرع) أثناء النوم نتيجة بؤرة نشاط كهربائي زائد بالمخ، وبالتالي يجب على الأهل في مثل هذه الحالات عدم السكوت وعرض الطفل على الطبيب النفسي بصورة ملحة حتى يتم التشخيص السليم وذلك من خلال عمل تخطيط لكهرباء المخ (رسم تخطيطي لكهرباء المخ) وذلك حتى يتسنى العلاج الصحيح.