«الجزيرة» - د. منصور بن حلمي المطيري:
شاهدنا في الأيام الماضية تداول وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي خبراً لافتاً عن اكتشاف أكثر من مائة قطعة أثرية من الذهب والفضة والأحجار الكريمة في موقع ضرية الأثري بمنطقة القصيم تعود إلى العصر العباسي، وذلك ضمن أعمال المسح والتنقيب التي تنفذها هيئة التراث. ومثل هذه الاكتشافات لا تمثل مجرد العثور على مقتنيات ثمينة أو بقايا معمارية مدفونة تحت الرمال، بل هي رسائل تؤكد عمق الحضارة واستمرارها، وتكشف عن صفحات جديدة من ذاكرة الوطن.
جاء إعلان هذا الاكتشاف ليعيد تسليط الضوء على ضرية، تلك المحطة التاريخية المهمة في قلب الجزيرة العربية، التي شكلت عبر القرون معبراً للحجاج والقوافل التجارية.
وبالنسبة لي، كوني أحد أبناء هذه المحافظة العريقة، فإن هذا الخبر يحمل بعداً يتجاوز مشاعر الفخر والانتماء، فهو تأكيد على أن هذه الأرض التي نشأنا عليها لم تكن مجرد محافظة عابرة في الجغرافيا، بل كانت شاهداً على حركة الإنسان والتجارة والحضارة عبر مئات السنين.
لقد عرفت ضرية منذ القدم كمحطة رئيسة على طريق الحج، حيث كانت ملتقى للقوافل، وهو ما منحها مكانة استراتيجية واقتصادية مهمة. كما ورد ذكرها في عدد من المصادر التاريخية والأدبية القديمة. واليوم، تأتي أعمال المسح والتنقيب الأثري لتقدم شواهد مادية تؤكد هذا التاريخ. العثور على حلي ذهبية تعود إلى العصر العباسي ليس مجرد اكتشاف لمقتنيات نادرة، بل هو دليل على وجود مجتمع مستقر ونشط اقتصادياً، يتمتع بحركة تجارية ومستوى من التواصل شهدته المنطقة في تلك الحقبة.
يأتي هذا الاكتشاف امتداداً للجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة في حماية التراث الوطني وتوثيق مكوناته، في ظل رؤية المملكة 2030 التي جعلت من الثقافة والتراث رافداً للتنمية ومصدراً لتعزيز الهوية الوطنية. فلم يعد التراث مجرد صفحات تاريخية، بل أصبح مشروعاً وطنياً يسهم في بناء الاقتصاد الثقافي، وتنمية السياحة، وتعريف الأجيال بتاريخ وطنهم العريق.
كما يأتي هذا الحراك الأثري الثقافي في ظل ما تحظى به منطقة القصيم من اهتمام ومتابعة من أميرها المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، أسهمت في دعم العديد من المبادرات الهادفة إلى توثيق هذا الإرث الحضاري وإبراز قيمته الثقافية والسياحية، بما يعزز مكانة المنطقة ويحفظ تاريخها.
إن ضرية اليوم ليست مجرد موقع أثري، بل هي فرصة لإبراز تاريخ منطقة أسهمت في صناعة جزء مهم من ذاكرة الوطن. وما تكشفه الأرض يوماً بعد آخر يؤكد أن تحت رمالها إرثاً حضارياً يستحق الدراسة والحماية والتعريف به محلياً وعالمياً. ولعل أجمل ما في هذا الاكتشاف أنه يذكرنا بأن الحضارات لا تموت، بل تترك آثارها شاهدة على ما قدمه الإنسان من عطاء. فكل قطعة أثرية تُستخرج من باطن الأرض ليست مجردتحفةتاريخية. وإنما صفحة جديدة تضاف إلى قصة وطن عظيم يمتد تاريخه لآلاف السنين.
من هنا، فإن الحفاظ على المواقع الأثرية في ضرية وغيرها، ودعم أعمال التنقيب والبحث العلمي فيها، لا يمثل مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل هو واجب وطني ومجتمعي، لأن حماية التراث هي في جوهرها حماية للهوية، وصون للذاكرة، وربط للمستقبل بجذوره الأصيلة.