وائل العتيبي - الرياض:
حذّر أستاذ التاريخ أ.د. زهير بن عبدالله الشهري المؤرخ ومدير مركز بحوث التأسيس والتاريخ الوطني في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، من التعامل مع التاريخ بوصفه مجرد مادة درامية قابلة للتشكيل وفق متطلبات الإثارة السينمائية، مؤكداً أن الفيلم التاريخي لا يصنع المتعة فقط، بل يشارك في تشكيل ذاكرة المجتمعات وصناعة وعي الأجيال بالماضي.
خلال أمسية ثقافية احتضنها مركز «سرد» الثقافي بعنوان «التاريخ والأفلام.. تطور وجدلية العلاقة»، أوضح الشهري أن العلاقة بين المؤرخ والسينمائي ليست علاقة تنافس على رواية الماضي، بل علاقة تكامل يفترض أن تجمع بين دقة المعرفة وقوة الصورة، مشيراً إلى أن ملايين البشر يتعرفون إلى أحداث التاريخ وشخصياته عبر الشاشة أكثر مما يتعرفون إليها من الكتب والوثائق.
وبيّن أن السينما نجحت خلال العقود الماضية في تحويل أحداث تاريخية كبرى إلى ذاكرة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود واللغات، حتى أصبحت بعض المشاهد السينمائية أكثر رسوخاً في أذهان الناس من النصوص التاريخية نفسها، الأمر الذي منح الفيلم التاريخي سلطة ثقافية ومعرفية بالغة التأثير.
وأشار إلى أن القضية لا تتعلق بقدرة السينما على إعادة تمثيل الماضي فحسب، بل بقدرتها على إعادة تفسيره وصياغة معانيه الإنسانية، لافتاً إلى أن الصورة المتحركة تمتلك قوة استثنائية في استحضار الألم والأمل والانتصارات والانكسارات التي عاشتها الشعوب، وجعل المتلقي يعيش التاريخ وجدانياً لا معرفياً فقط.
وأضاف أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول التاريخ إلى مادة خاضعة بالكامل لمتطلبات الحبكة الدرامية، حيث يمكن أن تُختزل الوقائع المعقدة أو تُعاد صياغة الشخصيات والأحداث بطريقة تبتعد عن حقيقتها التاريخية، مؤكداً أن التحدي الحقيقي أمام صناع الأفلام يكمن في تحقيق التوازن بين الصدق التاريخي والجاذبية الفنية.
ورأى الشهري أن الجدل المستمر بين المؤرخين والسينمائيين ليس دليلاً على تعارض المجالين، بل دليل على أهمية كل منهما، فالمؤرخ يسعى إلى تفسير الماضي استناداً إلى الوثائق والشواهد، بينما يعمل السينمائي على تحويل ذلك الماضي إلى تجربة بصرية وإنسانية قادرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.
وأكد أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأفلام تخدم التاريخ، بل كيف يمكن أن تخدمه بصورة أفضل، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية واتساع تأثير المنصات البصرية على تشكيل الوعي العام، مبيناً أن كثيراً من الأجيال المعاصرة أصبحت تتلقى تصوراتها الأولى عن التاريخ عبر الأعمال السينمائية والدرامية.
وفي قراءة لحدود العلاقة بين المجالين، طرح الشهري تساؤلات جوهرية حول إمكانية أن يكون المؤرخ مستشاراً أو كاتباً للسيناريو التاريخي، ومدى قدرة الفيلم على الارتقاء إلى مرتبة المصدر المعرفي، وهل تمثل الأعمال التاريخية إعادة بناء أمينة للماضي أم قراءة فنية له من منظور العصر الذي أُنتجت فيه.
وشدد على أن التاريخ ليس مجرد تسلسل للأحداث والتواريخ، بل تجربة إنسانية كبرى تحمل قيماً ومعاني ودروساً، وأن السينما تمتلك قدرة فريدة على إحياء هذه التجربة ومنحها حياة جديدة، شرط ألا تفقد ارتباطها بالحقيقة التاريخية.
ودعا الشهري إلى بناء شراكة أعمق بين المؤرخين وصناع الأفلام، تقوم على أسس علمية وفنية ونقدية واضحة، بما يضمن إنتاج أعمال تاريخية تجمع بين الموثوقية والإبداع، وتسهم في تعزيز الوعي الثقافي والإنساني، وتقديم التاريخ للأجيال الجديدة بوصفه تجربة حية نابضة بالمعنى لا مجرد أحداث محفوظة في الكتب.
واختتم حديثه برسالة مباشرة إلى السينمائيين مفادها أن الفيلم التاريخي لا يعيد سرد الماضي فقط، بل يشارك في صنع صورته في الذاكرة الجماعية، ولذلك فإن المسؤولية التي يحملها صانع الفيلم لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤرخ الذي يكتب التاريخ.