وائل العتيبي - الرياض:
في الرواية الكبرى لا يكون المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى شريك في صناعة المصائر وتشكيل الهويات. ومن هذه المنطقة الشائكة التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع أسئلة الانتماء والذاكرة، تنطلق أمسية فكرية جديدة تنظمها الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ضمن برنامج «إثنينية البازعي».
تستضيف الأمسية الناقد والمفكر السعودي البارز سعد البازعي في قراءة نقدية لرواية «عمة آل مشرق» للروائية السعودية أميمة الخميس، تحت عنوان «تشابك الجهات وانشطار الهويات»، وذلك مساء الاثنين 22 يونيو 2026، من الساعة الثامنة والنصف حتى العاشرة مساءً.
تأتي هذه الأمسية لتسلط الضوء على واحدة من أبرز الروايات السعودية الحديثة، والتي نجحت في إثارة اهتمام القراء والنقاد على حد سواء، كما وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».
تمتد رواية «عمة آل مشرق» زمنياً عبر قرن كامل من التحولات، من عام 1918 حتى 2018، فيما تتنقل جغرافياً بين الرياض ونيويورك، في سردية تتشابك فيها الوقائع التاريخية مع الأسئلة الإنسانية العميقة.
تبدأ الحكاية من عام 2018 حين يقرر أحد أحفاد العائلة تصوير فيلم وثائقي يبحث في لغز اختفاء عمته «الجازي» وزوجها بعد مغادرتهما السعودية إلى البحرين قبل عقود طويلة. ومن خلال تقنية الاسترجاع الزمني، تعود الرواية إلى عام 1918، حين حاول المساعد الطبي الأميركي «ماثيو» نقل الجازي للعلاج، ليشترط والدها زواجه منها، قبل أن يختفي الزوجان في ظروف غامضة، تاركين وراءهما سؤالاً مفتوحاً يمتد لمئة عام.
ويُنتظر أن يقدم سعد البازعي قراءة تتجاوز البنية السردية للرواية نحو فضاءاتها الثقافية والفكرية، في ضوء اهتمامه الطويل بقضايا الهوية والاختلاف وتمثلات الشرق والغرب. فالبازعي يعد أحد أبرز الأسماء النقدية العربية المعاصرة، إذ أسهم خلال مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود في تطوير الخطاب النقدي والثقافي العربي، جامعاً بين البحث الأكاديمي والترجمة والدراسات المقارنة، ومقدماً قراءات رصينة لأسئلة الثقافة والحداثة والعولمة.
يُنظر إلى البازعي بوصفه من الأصوات الفكرية التي نقلت النقد الأدبي من حدود النص إلى رحابة الأسئلة الحضارية الكبرى، حيث ظل مشروعه النقدي منشغلاً بالعلاقة المعقدة بين الذات والآخر، وبكيفية تشكل الهويات في عالم دائم التحول.
أما الروائية أميمة الخميس فتُعد من أبرز الأصوات السردية السعودية في العقود الأخيرة. وهي روائية وشاعرة وناقدة وصحفية، وابنة المؤرخ السعودي الراحل عبد الله بن خميس. حققت حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي العربي من خلال أعمالها الروائية التي تجمع بين العمق التاريخي والحس السردي الحديث، ونالت عدداً من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2018 وجائزة أبها الثقافية.
وقد حظيت تجربتها الإبداعية باهتمام نقدي واسع، وتُرجمت أعمالها إلى عدة لغات، فيما أصبحت رواياتها مادة للدراسة الأكاديمية في عدد من الجامعات العربية. ومن أبرز أعمالها «البحريات» و«الوارفة» و«مسرى الغرانيق في مدن العقيق»، وصولاً إلى «عمة آل مشرق» التي تواصل من خلالها مساءلة التاريخ والهوية والذاكرة الفردية والجماعية.
وتبدو الأمسية المرتقبة فرصة لالتقاء أحد أهم المشاريع النقدية السعودية المعاصرة مع واحدة من أبرز التجارب الروائية العربية، في حوار مفتوح حول المكان بوصفه قدراً، والهوية بوصفها سؤالاً لا يتوقف عن إعادة تشكيل نفسه عبر الزمن.