وائل العتيبي - جدة:
يقدّم الناقد والباحث السعودي خالد ربيع السيد في كتابه الجديد «سينما الاستنساخ المصرية» مقاربة نقدية تتجاوز حدود الرصد التقليدي للسينما المصرية، نحو مساءلة أعمق لبنية الإنتاج السينمائي ذاته، وعلاقته المعقدة بفكرة الاقتباس، والتحول، والانتحال.
لا يتعامل الكتاب مع الظاهرة بوصفها سلسلة من الأمثلة المتفرقة، بل يضعها في إطار بنيوي ممتد، يحاول تفكيك المنطقة الرمادية بين «الاستلهام الفني» و»الاستنساخ»، وبين إعادة التكوين الإبداعي للنص السينمائي، وبين نسخه بصرياً أو درامياً دون إضافة جوهرية.
ويمتد العمل، بحسب مؤلفه، على مدى خمس سنوات من البحث والمشاهدة والكتابة، لم يكن هدفها إصدار حكم تقويمي على السينما المصرية بقدر ما كان إعادة فتح النقاش حول علاقتها بالأصل السينمائي العالمي، وكيف تتحول بعض عمليات الاقتباس من ممارسة مشروعة إلى نمط إنتاجي قائم بذاته.
ويطرح الكتاب مفهوم «الاستنساخ» بوصفه أداة تحليل نقدي، لا مجرد توصيف، إذ يشير إلى حالات يصل فيها النقل إلى مستوى محاكاة الأسلوب البصري والإخراجي «لقطة بلقطة»، بما يفرغ العمل من منطقه الإبداعي، ويحوّله إلى إعادة إنتاج شكلية لفكرة سابقة.
وفي هذا السياق، يميز المؤلف بين الاقتباس بوصفه ممارسة إبداعية قائمة على إعادة التفسير، وبين الانتحال (Plagiarism) بوصفه غياباً للرؤية، حيث يتم استيراد الفكرة دون وعي جمالي أو إضافة فنية، بما يضع العمل في منطقة أقرب إلى الاستهلاك منه إلى
الإنتاج الثقافي.
ولا يقف الكتاب عند حدود التنظير، بل يستدعي نماذج من السينما العالمية والعربية لتوضيح الفروق الدقيقة بين إعادة الصياغة الإبداعية للأفكار، وبين التكرار غير المنتج، مستحضراً أمثلة تحولت فيها الأعمال المقتبسة إلى نصوص جديدة بالكامل، مقابل أخرى بقيت أسيرة الأصل دون تجاوز.
وفي قراءته للعمل، يشير الناقد عصام زكريا إلى أن مفهوم «الاستنساخ» كما يطرحه المؤلف يفتح سؤالاً أوسع من السينما المصرية نفسها، يتعلق بطبيعة الصناعة السينمائية العربية، وحدود العلاقة بين التأثر والإعادة، وكيف يمكن للسينما أن تحافظ على هويتها في ظل ضغط النماذج العالمية الجاهزة.
كما ترى الناقدة فايزة هنداوي أن الكتاب يقدم قراءة ممتدة لتحولات السينما المصرية بين لحظات التأسيس الإبداعي على يد روادها الأوائل، وبين مراحل لاحقة اتسعت فيها مساحة إعادة الإنتاج، حتى اقترب بعضها من محاكاة الأعمال الأجنبية دون إضافة واضحة على مستوى الرؤية أو البناء الفني.
في المحصلة، لا يبدو «سينما الاستنساخ المصرية» مجرد كتاب نقدي، بل محاولة لإعادة تعريف السؤال نفسه: هل ما زالت السينما العربية تنتج «أفكارها»، أم أنها تعيد تدوير أفكار الآخرين بأشكال جديدة؟
سؤال يضع القارئ أمام منطقة شائكة بين الفن والصناعة، وبين الأصالة والاقتباس، وبين الإبداع وإعادة الإنتاج.