مر شهر غير مريح لم يبرد جمرها بعد، مر شهر لقلب لا يزال مصدوعًا ممزقًا، ومر عيد كمرور أيام العزاء الثلاث. كيف لهذه الروح أن تورق أغصانها بعدما ذبلت؟
وكيف لها أن ترغد بالعيش وشوق يلهبها يمنة ويسرة.. كيف! وشوق تواق للثم رأس دافئ ويد عطرة لم يعد إليها سبيل؟
كيف يا أبي أمر على حجرتك وأجدها مظلمةً بلا أنس وحياة؟ وكيف مر العيد خاليًا باهتًا، لا روح في المنزل ولا وميض إلا من دمعة تترقرق وعين اغرورقت؟،
وهذا مقعدك المعهود خال، وبسمتك العذبة تلاشت، والأطفال ها هم حيارى يبحثون عن الحلوى، والرجال فقدوا؛ لم يجدوا حديثًا يطرقونه في غيابك.كيف يا أبي يغلق بابك وأنا منذ طفولتي أجدك الملجأ الحاضن وأجدك الملاذ الآمن؟ آتيك صبحًا ومساءً، بجلستك المعتادة وحللك المعهودة، آتيك ضائعًا حائرًا وأخرج مستدلاً مرشدًا..
آتيك وجنباتي باردة الحنايا، وأخرج متورد الروح مستدفئًا.منذ طفولتي يا أبي وأنا أحتار في كل شيء إلا الذهاب إليك، أما الآن فأين الذهاب عندما ينسدل الظلام على الروح؟ أين أجد انبثاقها من جديد وولوجها وسكونها؟
وأما ما بقي الآن، فأنا محمل مثقل بحنين الذكرى، مستمسك بشدة بذكريات الماضي، مسترجع ومضةً من شذا عطرك، ومتذكر صفو السنين ولحظاتها؛ فطور الصباح ذاك برفقة رفيقك النديم، وجلسة العصر تلك برفقة أخلائك المؤنسين، وبيمنكم الشاي، وأراك ما بينهم تبتسم لإغتباطهم، وتنقبض لانقباضهم.
كلها ذهبت يا أبي، وبقيت ذكرى واحدة قائمة سأظل أحملها معي، ذكرى تجمعني بك دومًا، كنت لا تفوتها في تعب أو مرض، وفي برد أو حر، لم تفوتها في عيد يصادف يومها وموعدها.. ألا وهي دنانة التي لا زالت تفقدك وتبكي عليك.
** **
- تركي الغانم