تستعد المملكة العربية السعودية لاستضافة كأس آسيا 2027، ثم المشاركة في كأس العالم 2030، قبل أن تستضيف كأس العالم 2034. وتمثل هذه الاستحقاقات فرصة تاريخية لإطلاق مشروع وطني لا يقتصر على إعداد المنتخب الأول، بل يهدف إلى بناء منظومة مستدامة لصناعة اللاعب السعودي وتطوير كرة القدم على جميع المستويات.
لقد حققت المملكة نجاحا كبيرا في تطوير البنية التحتية الرياضية، واستقطاب أفضل اللاعبين والمدربين، واستضافة البطولات العالمية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاستثمار في المنافسات إلى الاستثمار في صناعة اللاعب السعودي، وبناء منظومة تستمر لعقود وتحقق أثرا يمتد إلى ما بعد كأس العالم 2034.
أولا: حلول عاجلة لكأس آسيا 2027
يتطلب الاستعداد لكأس آسيا 2027 اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة التي يمكن أن تسهم في رفع جاهزية المنتخب، من أهمها:
* الاستقرار على مجموعة رئيسة من اللاعبين ومنحهم الوقت الكافي لبناء الانسجام داخل الملعب.
* زيادة دقائق مشاركة اللاعبين السعوديين مع أنديتهم، خصوصا في المراكز التي يحتاجها المنتخب مع ربط ذلك بدعم مالي محدد للأندية التي تطبق هذه الرؤية.
* إقامة مباريات ومعسكرات مع منتخبات من الصف الأول للاستفادة من الاحتكاك الفني.
* بناء هوية فنية واضحة للمنتخب تستمر بغض النظر عن تغير الأجهزة الفنية.
* التنسيق بين الاتحاد السعودي لكرة القدم والاتحاد السعودي للإعلام الرياضي لتأسيس آلية موحدة بالشراكة مع الإعلام الرياضي المتخصص تهدف لبناء مجتمع رياضي داعم للمنتخب وشريكا بأفكاره المتنوعة باختلاف الثقافات، فالوضع يحتاج إلى خلق لغة مضادة للغة التعصب الرياضي المنتشرة خلال الموسم.
هذه الحلول قد لا تصنع جيلا جديدا خلال فترة قصيرة، لكنها قادرة على رفع مستوى المنتخب وتعزيز فرصه في المنافسة على لقب كأس آسيا.
ثانيا: مدينة المواهب الكروية السعودية
إذا كان الهدف هو المنافسة في كأس العالم 2034، فإن اللاعب الذي سيمثل المنتخب في تلك البطولة قد يكون اليوم في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ الآن.
ويقترح إنشاء مدن للمواهب الكروية في عدد من مناطق المملكة، لتكون مراكز وطنية متخصصة في اكتشاف وتطوير اللاعبين الموهوبين منذ سن مبكرة.
وتعتمد هذه المدن على نظام الإقامة الأسبوعية، بحيث يقيم اللاعب داخل المدينة الرياضية من الأحد إلى الخميس في بيئة احترافية متكاملة، ثم يعود إلى أسرته في نهاية الأسبوع، بما يحقق التوازن بين الاحتراف الرياضي والاستقرار الأسري.
وتوفر المدينة جميع متطلبات التطوير، بما في ذلك ملاعب التدريب، والسكن، والطب الرياضي، والتغذية، والإعداد البدني، والدعم النفسي، وتحليل الأداء، وبرامج تنمية الشخصية والقيادة.
أما الجانب التعليمي، فيكون من خلال مدارس معتمدة داخل المدينة الرياضية، أو عبر توفير وسائل نقل يومية منظمة بين المدينة والمدارس المعتمدة القريبة، بما يضمن استمرار التحصيل الدراسي دون أن يؤثر على البرنامج الرياضي.
ولا يقتصر دور هذه المدن على إعداد اللاعبين، بل تصبح مراكز وطنية لتطوير المواهب، وتغذية الأندية والمنتخبات الوطنية بلاعبين مؤهلين وفق أعلى المعايير الفنية والبدنية والتعليمية.
ثالثا: الاستفادة من الخبرات العالمية
تمتلك المملكة اليوم ميزة استثنائية تتمثل في وجود عدد من أفضل اللاعبين والمدربين في العالم يعملون مع الأندية السعودية، وهي فرصة ينبغي استثمارها بما يخدم مستقبل كرة القدم السعودية.
ويقترح إنشاء مجلس استشاري فني لكرة القدم السعودية يضم عددا من اللاعبين والمدربين العالميين الموجودين حاليا في المملكة والمرتبطين بعقود مع أنديتهم، إلى جانب خبرات وطنية متخصصة.
ويعمل المجلس وفق لائحة تنظيمية وسياسة مكتوبة، ويجتمع بصورة دورية لتقديم توصيات فنية وإستراتيجية إلى الجهات المعنية، بما يسهم في تطوير الأكاديميات، ومسابقات الفئات السنية، وإعداد اللاعبين، وتأهيل المدربين، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، دون أن يتدخل في الاختصاصات التنفيذية أو الفنية للاتحاد السعودي لكرة القدم أو الأجهزة الفنية للمنتخبات.
رابعا: الملحقيات الرياضية
من المبادرات التي تستحق الدراسة إنشاء ملحقيات رياضية في عدد من السفارات السعودية بالدول المتقدمة في كرة القدم، على غرار الملحقيات التجارية والثقافية. ويتولى الملحق الرياضي متابعة اللاعبين السعوديين المبتعثين أو المحترفين في تلك الدول، والتنسيق مع الملحقيات الثقافية لضمان استمرار تأهيلهم العلمي، إضافة إلى بناء علاقات مع الأندية والأكاديميات والاتحادات الرياضية، والاطلاع على أفضل الممارسات الفنية والإدارية والتنظيمية، ونقلها إلى المملكة من خلال تقارير دورية وبرامج تعاون، بما يجعل هذه الملحقيات جسرا دائما لنقل المعرفة وتطوير المنظومة الرياضية السعودية.
خامسا: الحوكمة وبناء المنظومة المؤسسية
لا يعتمد نجاح أي مشروع رياضي على الجوانب الفنية وحدها، بل على وجود منظومة مؤسسية متكاملة تقوم على الحوكمة، والتخطيط، والاستدامة.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير الأنظمة واللوائح الرياضية، وتأهيل الكفاءات الوطنية في القانون الرياضي، والإدارة الرياضية، والحوكمة، والامتثال، وإدارة المخاطر، والتحكيم الرياضي، وعقود اللاعبين، وحقوق البث، والملكية الفكرية الرياضية، بما يضمن استدامة المشاريع ورفع كفاءة صناعة القرار.
كما يقترح إنشاء المركز السعودي للدراسات الإستراتيجية لكرة القدم، ليكون مرجعا علميا وإستراتيجيا يدعم صناع القرار، ويضم خبراء في الأداء الفني، والإدارة الرياضية، والقانون الرياضي، والاقتصاد الرياضي، والطب الرياضي، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وعلم النفس الرياضي.
ويتولى المركز إعداد الدراسات، وتحليل التجارب الدولية، وقياس مؤشرات الأداء، وتقييم المبادرات، واقتراح السياسات، بما يسهم في تطوير كرة القدم السعودية وفق أسس علمية، بعيدا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال. ولا يكتمل أي مشروع وطني دون مؤشرات أداء واضحة يمكن قياسها ومراجعتها بصورة دورية، بحيث يصبح التقييم مبنيا على النتائج لا على الانطباعات. ويمكن للمركز إعداد تقرير سنوي لكرة القدم السعودية يقيس مدى تقدم المشروع من خلال مؤشرات محددة، مثل عدد اللاعبين السعوديين المحترفين في الدوريات الخارجية، وعدد خريجي مدن المواهب الذين انتقلوا إلى الأندية والمنتخبات الوطنية، وعدد دقائق مشاركة اللاعبين السعوديين في المسابقات المحلية، ونتائج المنتخبات السنية، وعدد المدربين والإداريين والمتخصصين السعوديين المؤهلين في مجالات الإدارة والقانون الرياضي، إضافة إلى تطور ترتيب المنتخب في التصنيف الدولي، بما يضمن وجود مسار واضح للتطوير حتى عام 2034.
الخاتمة
تمتلك المملكة اليوم فرصة تاريخية لا تتكرر كثيرا. فالبنية التحتية المتطورة، والاستثمارات الكبيرة، واستضافة كأس العالم 2034، تشكل جميعها نقطة انطلاق لبناء منظومة كروية سعودية قادرة على المنافسة عالميا.
إن النجاح الحقيقي في كأس العالم 2034 لن يقاس بجودة التنظيم فقط، بل بقدرة المملكة على تقديم منتخب سعودي ينافس بثقة، ويعكس حجم التطور الذي شهدته الرياضة السعودية.
ما ورد في هذه الرؤية ليس سوى اجتهاد شخصي، أضعه أمام المختصين وصناع القرار والمهتمين بكرة القدم السعودية، إيمانا بأن النجاح في بناء منظومة رياضية يبدأ بالحوار، وتبادل الخبرات، والعمل المؤسسي المشترك. وجميع هذه المقترحات تبقى قابلة للنقاش والتطوير بما يحقق المصلحة الوطنية ويخدم مستقبل الكرة السعودية.
** **
فهد محمد بارباع - مختص في القانون والحوكمة الرياضية