في تاريخ الجامعات قصصٌ كثيرة عن مؤسسات بدأت صغيرة، ثم كبرت؛ لكن القليل منها بدأ بفكرة واضحة، ثم ظل وفيًّا لها حتى صار اسمه عنوانًا لفكرة. ولعل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن واحدة من أوضح هذه القصص في المملكة.
ففي عام 1963 لم تبدأ الجامعة بوصفها جامعة شاملة تبحث عن كل شيء، وإنما بدأت كلية متخصصة في البترول والمعادن، بهدف تزويد قطاع الطاقة بكفاءات مؤهلة. ثم اتسعت تدريجيًا، وأصبحت جامعة، وأطلقت مدرسة للأعمال، وأنشأت معهدًا للبحوث، وتوسعت في الدراسات العليا، حتى تشكلت لها هوية علمية واضحة تجمع بين الهندسة والعلوم والبحث والارتباط بالصناعة.
وليس هذا مجرد انطباع أدبي. في تصنيف QS للجامعات العربية لعام 2025 تصدرت جامعة الملك فهد جامعات المنطقة، فيما جاءت جامعة الملك سعود ثالثة وجامعة الملك عبدالعزيز سابعة.
ثم جاءت القفزة العالمية اللافتة؛ ففي تصنيف QS العالمي 2026 وصلت جامعة الملك فهد إلى المرتبة 67 عالميًا، بعد أن كانت في المرتبة 200 قبل سنوات قليلة، في مسار ارتبط بتحول استراتيجي بدأ عام 2020.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لماذا نجحت جامعة البترول؟
قد تكون الإجابة السهلة: لأنها استفادت من النموذج الأمريكي.
لكن الإجابة الأعمق: لأنها لم تستنسخ جامعة أمريكية؛ بل استنسخت فلسفة النجاح ثم أعادت صياغتها في البيئة السعودية.
وهذا فرق هائل. فالجامعات الأمريكية الكبرى لم تصبح عظيمة لأن مبانيها تشبه بعضها، ولا لأن خططها الاستراتيجية مكتوبة بلغة إنجليزية أنيقة، وإنما لأنها بنت منظومات تقوم على الانتقاء، والتخصص، والبحث، والاستقلال الأكاديمي، واستقطاب الكفاءات، والارتباط بالصناعة والمجتمع، والمنافسة على الموهبة والنتيجة.
وهنا تكمن المفارقة. إذا كان النموذج موجودًا، فلماذا لا تنجح الجامعات الأخرى بالطريقة نفسها؟
السؤال ليس: لماذا لا تقلد الجامعات السعودية جامعة البترول؟
بل السؤال الأكثر إزعاجًا: لماذا لا تتعلم الجامعات من الطريقة التي صنعت بها جامعة البترول هويتها؟
فالتميز الجامعي ليس وصفة طبخ يمكن توزيع مقاديرها على الجميع. إنه أشبه ببناء شخصية الإنسان؛ قد يتعلم الجميع اللغة نفسها، لكن ليس بالضرورة أن يتكلم الجميع بصوت واحد.
الجامعة العظيمة تعرف من تكون.. تعرف ماذا تريد أن تكون بعد عشرين عامًا، ثم تعيد ترتيب حاضرها وفقًا لذلك المستقبل.
أما الجامعة التي لم تحسم هويتها، فإنها تمشي وفي يدها خريطة وفي رأسها وجهات كثيرة؛ فتكثر عندها البرامج، والمبادرات، والمراكز، والخطط، والمؤتمرات، لكنها قد تفتقد ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع كل هذه الأشياء في شخصية واحدة.
وهنا أظن أن مشكلة بعض جامعاتنا ليست مشكلة إمكانات، بقدر ما هي مشكلة هوية.
جامعة تريد أن تكون جامعة بحثية عالمية، لكنها تقيس نجاحها بعدد البرامج.
وجامعة تريد أن تكون تطبيقية، لكنها تقيس نجاحها بعدد الأبحاث.
وثالثة تريد أن تخدم منطقتها، لكنها تطارد مؤشرات لا علاقة لها بأولوياتها المحلية.
فتصبح الخطة الاستراتيجية أحيانًا مثل مرآة كبيرة ترى فيها الجامعة كل شيء.. إلا وجهها.
والجامعة لا تصبح عظيمة لأنها تفعل كل شيء. بل ربما تصبح عظيمة عندما تعرف ما الذي ينبغي ألا تفعله. هذه إحدى فضائل الجامعات العريقة: أنها تعرف فن الاختيار. والاختيار في الجامعة ليس قرارًا إداريًا عابرًا؛ إنه قرار مصيري.
أن تقول الجامعة: سنكون الأفضل في الهندسة. أو في الطب. أو في الطاقة. أو في العلوم الإنسانية. أو في الذكاء الاصطناعي. أو سنكون جامعة بحثية تخدم اقتصاد منطقة بعينها. هذه ليست حدودًا للطموح؛ بل هي حدودٌ تصنع الطموح.
لقد تحدث عالم التعليم العالي كلارك كير عن «الجامعة المتعددة» بوصفها مؤسسة لا تقتصر على التدريس، وإنما تجمع التعليم والبحث وخدمة المجتمع ضمن منظومة واحدة، مع بقاء الهوية والرسالة مرتبطتين بمكان الجامعة ودورها.
وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني: هل المشكلة في القيادة؟
ربما.. فالجامعة لا تصنعها اللوائح وحدها، كما لا يصنع السفينةَ جمالُ شراعها.
الجامعة تحتاج قيادة ترى أبعد من دورة الميزانية، وأبعد من مدة التكليف، وأبعد من ترتيب الجامعة في التصنيف القادم.
القيادة الجامعية الحقيقية لا تسأل فقط: «ماذا نستطيع أن نفعل؟» بل تسأل: «ماذا يجب أن نفعل، وماذا يجب أن نتوقف عن فعله؟»
وهذا هو الفارق بين الإدارة والقيادة.
الإدارة تحافظ على حركة المؤسسة.. أما القيادة فتقرر إلى أين تتحرك المؤسسة.
ولعل قصة جامعة الملك فهد تقدم درسًا مهمًا هنا؛ فالجامعة نفسها تشير إلى أن تحولها الحديث قام على مسار استراتيجي أعاد توجيه المؤسسة نحو قطاعات مستقبلية مثل الحوسبة الكمية، والمدن الذكية والمستدامة، وتصميم أشباه الموصلات، والتقنية الحيوية وغيرها.
أي أن التميز لم يكن حالة ساكنة.
الجامعة التي تتوقف عن التحول تبدأ في التحول إلى متحف. لكن ثمة عاملًا ثالثًا ربما يكون أكثر حساسية من الهوية والقيادة:
اتخاذ القرار.
فالجامعات لا تتعثر دائمًا لأنها لا تعرف ماذا تفعل؛ أحيانًا تتعثر لأنها تعرف ماذا تفعل، لكنها لا تملك الجرأة الكافية لتفعله.
إلغاء برنامج ضعيف ليس قرارًا سهلًا.
إعادة توزيع الموارد ليست سهلة.
رفض إنشاء تخصص جديد رغم المطالب الاجتماعية ليس سهلًا.
استقطاب أستاذ عالمي بدل الاكتفاء بمن هو متاح ليس سهلًا.
إنشاء برنامج لا يلقى قبولًا واسعًا لكنه يخدم مستقبل الاقتصاد ليس سهلًا.
لكن الجامعة التي تريد أن تكون جامعة نخبة لا تستطيع أن تبني مستقبلها كلها على القرارات السهلة.
فالتميز، في جوهره، سلسلة من القرارات الصعبة التي اتُّخذت في الوقت الصحيح.
ولذلك فإن تجربة جامعة البترول لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصة جامعة أمريكية جرى استنساخها في الظهران، وإنما قصة مؤسسة عرفت كيف تستفيد من التجربة العالمية دون أن تفقد بوصلتها المحلية.
والدليل أن نجاحها لم يبق محصورًا في تخصص البترول والمعادن؛ فقد تحولت عبر عقود إلى مؤسسة متعددة المجالات في العلوم والهندسة والتقنية والأعمال، مع توسع واضح في البحث وريادة الأعمال.
بل إن المفارقة الجميلة أن الجامعات التي تبدو اليوم «أمريكية النموذج» ليست أمريكية بالضرورة في جوهرها؛ فالجامعة العالمية الناجحة هي التي تعرف كيف تأخذ أفضل ما في العالم ثم تجعله جزءًا من شخصيتها هي.
وهنا يمكن أن نتأمل الجامعات السعودية الكبرى الأخرى.
جامعة الملك سعود، مثلًا، تملك تاريخًا علميًا طويلًا، وثقلًا بشريًا وبحثيًا كبيرًا، وحققت في السنوات الأخيرة تقدمًا لافتًا؛ إذ جاءت في المرتبة 143 عالميًا في QS 2026، كما حققت حضورًا قويًا في تصنيفات التخصصات والبحث العلمي.
وجامعة الملك عبدالعزيز كذلك تمتلك إرثًا بحثيًا وحضورًا عالميًا معتبرًا، وكانت ضمن أفضل الجامعات العربية في تصنيف QS.
إذن القضية ليست غياب القدرة. القدرة موجودة. والمال موجود. والعقول موجودة. والطلاب الموهوبون موجودون. والخبرات العالمية متاحة. والدعم الحكومي للجامعات اليوم أكبر من أي وقت مضى. فما الذي ينقص؟
ربما ينقصنا شيء أكثر تجريدًا وأشد أثرًا: القرار الذي يصنع الهوية.
نحن لا نحتاج عشرين نسخة من جامعة البترول. ولا نحتاج أن تصبح كل جامعاتنا جامعات بحثية متشابهة، ما نحتاجه هو أن تكون لكل جامعة شخصيتها التي تستحق أن تُعرف بها.
جامعة تكون عنوانًا للطاقة. وأخرى للطب. وثالثة للتقنية. ورابعة للعلوم الإنسانية. وخامسة للاقتصاد والأعمال. وأخرى تكون مختبرًا عالميًا للمدن الذكية. ثم تتنافس هذه الجامعات لا في عدد البرامج التي تفتحها، وإنما في القيمة التي تضيفها.
فالعالم لا يحتاج جامعات كثيرة متشابهة؛ يحتاج جامعات كثيرة مختلفة ومتميزة.
ولذلك ربما آن الأوان أن نغيّر السؤال. بدل أن نسأل: لماذا لم تصبح جامعاتنا كلها مثل جامعة الملك فهد؟
لنسأل: لماذا لم تكتشف كل جامعة حتى الآن «جامعة البترول الخاصة بها»؟
فجامعة الملك فهد لم تنجح لأنها كانت أول جامعة تعرف سر النجاح.
لقد نجحت لأنها امتلكت شجاعة أن تختار طريقًا واضحًا، وأن تستثمر فيه طويلًا، وأن تجعل هويتها جزءًا من قراراتها.
وهذا هو الدرس الذي يستحق أن نتوقف عنده.
لا تقلدوا جامعة البترول.. قلدوا شجاعتها في اختيار هويتها.
قلدوا قدرتها على التعلم من العالم. قلدوا إصرارها على تحويل المعرفة إلى منظومة.
وقلدوا إيمانها بأن الجامعة ليست مبنىً يزدحم بالطلاب، ولا مجموعة كليات تتجاور خلف الأسوار؛ الجامعة مشروع حضاري..
وإذا لم تعرف أي مشروع تريد أن تكون، فقد تكبر كثيرًا، لكنها لن تكبر في الاتجاه الصحيح.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري
dr.khalid.s.almutairi@gmail.com