بريدة - خاص بـ«الجزيرة»:
قدم متخصص في العلوم الاجتماعية مجموعة من الرسائل البليغة من أب إلى أبنائه ذكوراً وإناثاً، حيث قال:
أكتب إليكم لا لأعاتبكم على تقصيرٍ في حق الدنيا، وإنما خشيةً عليكم من تقصيرٍ في حق الآخرة، ومن بابٍ عظيمٍ من أبواب الجنة قد يُغلق عنكم وأنتم لا تشعرون، حيث إن الأب لا ينتظر من أبنائه مالًا، ولا هديةً ثمينة، ولا مديحًا بين الناس، وإنما ينتظر سؤالًا يطمئن قلبه، وزيارةً تُدخل السرور عليه، وكلمةً حانيةً تمسح عن روحه عناء الأيام.
قد تنشغلون في وظائفكم، وأصدقائكم، وأسفاركم، وهواتفكم، وساعات ترفيهكم، لكنكم تنسون أن دقائق قليلة تقضونها مع والدكم قد تكون أثقل في ميزان حسناتكم من أعمالٍ كثيرة، وأن برَّه عبادةٌ لا يُعوِّضها شيء، وكم هو مؤلم أن تجدوا الوقت لكل أحد، ولا يجد والدكم له مكانًا في يومكم، وأن يرى ابتساماتكم للناس، بينما ينتظر منكم كلمةً أو زيارةً أو دعاءً.
وقال الدكتور عبدالعزيز بن حمود المشيقح أستاذ علم الاجتماع بجامعة القصيم في حديثه لـ»الجزيرة»، مخاطباً الأبناء والبنات: تذكروا أن والدكم هو من حمل همَّكم قبل أن تحملوا همَّ أنفسكم، وسهر على راحتكم، وأنفق من عمره وصحته وماله؛ لتكبروا وأنتم في أمنٍ وعافية، وكان يفرح بضحكتكم أكثر من فرحه بنفسه، ولا تؤجلوا برَّ أبيكم إلى الغد، فالغد ليس مضمونًا، وربما يأتي يومٌ تقفون فيه عند قبره، تتمنون دقيقةً واحدةً تجلسون فيها عند قدميه، أو تقبلون رأسه، أو تسمعون صوته... ولكن هيهات، وإن أعظم الحسرة ليست في موت أبيكم، وإنما في تذكُّر ما فرَّط فيه الابن أو البنت من برِّه وهو حي، حينها لا ينفع الندم، ولا تعود الأيام، ويبقى القلب يردد: ليتني اغتنمت تلك الأيام، مشدداً على أنه حينما تقصرون في بر أبيكم لا تحرمونه أنتم، وإنما تحرمون أنفسكم الأجر العظيم، وتفوتكم كنوزٌ من الحسنات، ودعواتٌ صادقةٌ من قلب والدٍ قد تكون سببًا لسعادتكم في الدنيا والآخرة، واعلموا أن برَّ الأب ليس فضلًا منكم، بل هو دينٌ في أعناقكم، وعبادةٌ تتقربون بها إلى الله، وقد قرن الله برَّ الوالدين بتوحيده فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، ولا تحرموا أنفسكم هذا الأجر العظيم؛ فكل زيارة، وكل اتصال، وكل دعاء، وكل قبلةٍ على رأس الأب، وكل خدمةٍ تقدمونها له، هي رصيدٌ لكم عند الله قبل أن تكون إحسانًا إليه.
وشدد الدكتور عبدالعزيز المشيقح القول: إذا رأيتم من أبيكم كِبَر السن، أو ضعف الجسد، أو تكرار الحديث، أو كثرة الطلب، فتذكروا أنه عاش هذه المراحل معكم وأنتم صغار، فلم يملَّ من خدمتكم، ولم يتضجر من أسئلتكم، ولم يشتكِ من ضعفكم، وكونوا له سندًا كما كان لكم سندًا، وراحةً كما كان لكم راحة، وأنسًا كما كان لكم أنسًا، وأكثروا من الدعاء له في حياته، فإن دعاء البار لوالده من أعظم صور الوفاء، واعلموا أن الأيام سريعة، وأن الأب إذا رحل فلن يترك في القلب إلا الذكريات... فمنها ما يُفرح، ومنها ما يُبكي، فاصنعوا لأنفسكم ذكرياتٍ تسرُّكم يوم تقفون على قبره، وتقولون: الحمد لله أننا لم نفرط في حقه.
وسأل الله العظيم في ختام حديثه أن يجعلنا وإياكم من أبرِّ الناس بوالديهم، وأن يرزقنا اغتنام أعمارهم قبل رحيلهم، وألا يجعل في قلوبنا ندمًا على تقصيرٍ لا يمكن تداركه، وأن يجعل برَّ الوالدين سببًا للفوز برضوانه وجناته.