في فصول التاريخ المعاصر، تتجلى بلدان تُصنع أمجادها عبر السنين، وتبرز عواصم تُشيد هيبتها بالبناء والتمكين. لكن في وطننا الكبير «المملكة العربية السعودية» تتجاوز الدولة المفهوم التقليدي للمنجزات التنموية؛ لتصبح القيادة مدرسة حية تُورث المبادئ وتزرع الطمأنينة اليقينية في نفوس أبنائها نحو الغد.
حين تهب على أرجاء الوطن نفحات ذكرى بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الثانية عشرة، فإن الذاكرة الوطنية العربية والخليجية لا تقف عند حدود الاحتفاء الزمني العابر، بل تستشرف عمق العهد التاريخي الممتد والوفاء الصادق الذي أرسى لبناته الأولى الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه-، متجسداً اليوم في أبهى صوره من البذل والريادة والثبات.إن تأمل البناء السياسي للسعودية العظمى يثبت أن منظومة القيادة لم تكن يوماً مجرد توزيع للمناصب أو ممارسة للسلطة، بل هي «أمانة كبرى» وتضحية مستمرة من أجل رفعة الدين وعزة الوطن واستقراره. وعندما تحل هذه الذكرى المباركة، يتضح للعالم كيف يلتقي الحاضر والمستقبل في فكر الدولة من خلال ركنين راسخين: أولهما، بروز التناغم القيادي الاستثنائي بين خادم الحرمين الشريفين بحكمته السياسية والتاريخية الشامخة، وبين عضده الأيمن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بعزمه وطموحه المتقد؛ ليقدما معاً معادلة فريدة في تكامل الأجيال واستقرار الغايات، وثانيهما، أنه يتأكد في كل قرار سيادي أن «الإنسان السعودي» هو رأس المال الحقيقي، وأن القرب من احتياجاته ورعاية مصالحه هما الشرف الأسمى والواجب الأساسي لجهاز الحكم. لم تكن هذه السنوات الاثنتا عشرة مجرد عهد من الاستقرار، بل كانت صياغة جديدة لمكانة وثقل المملكة إقليمياً وعالمياً، حيث قاد خادم الحرمين الشريفين مسيرة إصلاحية وتنموية شاملة نقلت البلاد إلى آفاق غير مسبوقة، عبر عدة أمور، منها إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتجاوز الاعتماد الكلي على النفط، وبناء دولة مستدامة تعتمد على التنوع والاستثمار المعرفي والتقني، والأمر الثاني من خلال إطلاق ومتابعة المشاريع العملاقة الفريدة «كنيوم، وذا لاين، وبوابة الدرعية»، والتي غيّرت بوصلة الاستثمار والسياحة نحو قلب الجزيرة العربية، والأمر الثالث استمرار التطوير التاريخي لخدمات الحرمين الشريفين لراحة ضيوف الرحمن، تزامناً مع ترسيخ مكانة المملكة كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية دولياً عبر «مركز الملك سلمان للإغاثة».
وفي غمرة هذا البناء والنماء، يبرز دائماً وفاء القيادة وعرفانها اتجاه رجال الأمن البواسل وجنودها المرابطين على الحدود والثغور الشامخة، والذين يمثلون صمام الأمان الحقيقي لهذا الثرى المبارك. أمام هذا التلاحم الوطني المهيب، وهذه الوصايا القيادية الحية الممتدة عبر الأجيال، يحق لكل مواطن ينتمي لهذه الأرض أن يتساءل بزهو واعتزاز: إذا كان هذا هو عهد قادتنا، وتلك هي ثمار رؤيتهم المباركة لحفظ كيان الدولة ومستقبلها، أفلا يحق لنا أن نفرح ونبتهج؟ بلى، ويحق لأبناء المملكة ولنا جميعاً أن نطمئن كثيراً، فالوطن الذي يتوارث قادته القيم الراسخة قبل المناصب، ويجعلون خدمة الإسلام والمسلمين ونصرة القضايا العادلة مبدأً ثابتاً لا يحيدون عنه، هو وطن ممتد الجذور، راسخ الكيان، ومحمي بعناية الله ثم بعزم رجاله وقادته.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وأدام على المملكة العربية السعودية الشقيقة العزة والرفعة والأمن والاستقرار.
** **
- سلطان بن جلعود بن ربيّع