جاء الخطاب الملكي السنوي، الذي ألقاه نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أمام مجلس الشورى، خطابًا جامعًا يرسم صورة واضحة للدولة السعودية في حاضرها ومستقبلها؛ دولة تستمد رسوخها من عقيدتها وقيمها وتاريخها الممتد، وتمضي بثقة في مشروع تنموي طموح، وتتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بقدرة عالية على التكيف وحماية المصالح الوطنية.
واستهل الخطاب بالتأكيد على الجذور الراسخة للدولة السعودية، التي تكمل في يوم التأسيس القادم ثلاثة قرون منذ نشأتها، قائمةً على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومتمسكة بالتوحيد والعدل. وتحمل هذه الإشارة التاريخية دلالة عميقة على امتداد الدولة السعودية عبر مراحلها المتعاقبة، وعلى أن ما تشهده المملكة اليوم من نهضة وتحول يستند إلى إرث تاريخي راسخ وقيم أصيلة وهوية وطنية ازدادت مع الزمن رسوخًا وقوة.
وجاء التأكيد على شرف خدمة الحرمين الشريفين وعمارتها ورعاية قاصديها ليضع هذه المسؤولية العظيمة في قلب رسالة الدولة، وهي رسالة حملتها المملكة باعتزاز، وسخرت لها إمكاناتها البشرية والتنظيمية والتقنية، انطلاقًا من مكانة الحرمين الشريفين في وجدان المسلمين، وما تمثله خدمتهما من شرف عظيم ومسؤولية راسخة في مسيرة الدولة السعودية.
وحمل الخطاب حصيلة لافتة لعشر سنوات من رؤية المملكة 2030؛ إذ حققت مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات الرؤية 93 % من مستهدفاتها، مع نمو الصادرات غير النفطية بنسبة 155 % مقارنة بعام 2016م، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51 %. وهي مؤشرات تعكس حجم التحول الاقتصادي، ونجاح المملكة في تنويع اقتصادها وبناء قطاعات جديدة وتعزيز دور القطاع الخاص..
ومن أبرز دلالات استعراض هذه المنجزات أن الخطاب وضع المواطن في قلبها، حين أكد أن المواطنين والمواطنات كانوا «أصل كل نجاح». وهي عبارة تلخص فلسفة التنمية السعودية؛ فالإنسان هو صانع التنمية وغايتها في الوقت ذاته. ومن هنا جاء الاهتمام بالتعليم والصحة والإسكان، والاستثمار في رأس المال البشري، وتوسيع فرص المواطنين في سوق العمل وتحسين جودة الحياة.
كما أبرز الخطاب تقدم المملكة في مؤشرات التقنية والاقتصاد الرقمي والأمن السيبراني، وجاء تخصيص عام 2026م «عام الذكاء الاصطناعي» تأكيدًا على أن الطموح السعودي لا يقتصر على مواكبة المستقبل، بل يتجه إلى المشاركة في صناعته، من خلال تطوير التطبيقات والحلول، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وتأهيل الكفاءات الوطنية.
ومن أبرز مضامين الخطاب التأكيد على أن «التخطيط الطويل المدى لا يعني الثبات والسكون، بل القدرة على التكيف مع المتغيرات». وهذه العبارة تمثل منهجًا في إدارة الدولة للتحولات؛ إذ تجمع المملكة بين وضوح الأهداف بعيدة المدى والمرونة في التعامل مع الأزمات، وهو ما عزز قدرة الاقتصاد الوطني ومؤسسات الدولة على مواجهة المتغيرات والاستمرار في تحقيق الأولويات التنموية.
وفي البعد الأمني والسياسي، أكد الخطاب قوة القدرات البشرية والعسكرية للمملكة وجاهزيتها لردع التهديدات، إلى جانب التشديد على أن الأمن والاستقرار الخليجي كل لا يتجزأ. وفي هذا السياق، جاء إنشاء «حلف مكة الدفاعي» بين المملكة والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية خطوة ذات دلالة إستراتيجية، تعكس قدرة المملكة على بناء شراكات مع دول ذات ثقل سياسي وعسكري، وتعزيز العمل المشترك من أجل أمن المنطقة واستقرارها. ويحمل اسم «مكة» دلالة كبيرة بالنظر إلى مكانتها في العالم الإسلامي وما تمثله المملكة من ثقل ومسؤولية في محيطها.
ويتكامل ذلك مع إنشاء «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» لحماية المصالح المشتركة والممرات البحرية الدولية، ومع الدور السعودي في المحافظة على أمن الطاقة العالمي واستمرار الإمدادات رغم الأزمات. وهذه التحركات تؤكد اتساع مفهوم الأمن ليشمل، إلى جانب حماية السيادة الوطنية، أمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد، وتعكس إسهام المملكة في تعزيز منظومات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي..
وجدد الخطاب كذلك ثوابت السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية، إلى جانب دعم استقرار اليمن ووحدة السودان والمحافظة على مؤسساته. وفي الوقت الذي تتمسك فيه المملكة بخفض التصعيد والحلول الدبلوماسية، جاء موقفها واضحًا بأنها لن تتهاون في حماية أمنها، ولن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدفها.
واختتم الخطاب بعبارة تختزل رؤيته الشاملة: «ليبقى الأمن مظلة لبلادنا، والاستقرار درعًا لها والازدهار نهجًا». وهي ثلاثية تعبر عن مسيرة المملكة اليوم؛ أمن يحمي مكتسباتها، واستقرار يدعم تنميتها، وازدهار يتجه أثره إلى المواطن.
إن الخطاب الملكي يرسم صورة دولة راسخة في مبادئها، واثقة بقدراتها، مرنة في سياساتها، وطموحة في مستقبلها؛ دولة تجمع بين أصالة الهوية وحداثة المشروع، وبين التنمية في الداخل والحضور المؤثر في الخارج. وبعد ثلاثة قرون من مسيرتها وعقد من رؤية 2030، تمضي المملكة بثقة إلى مرحلة جديدة يكون فيها الإنسان محور التنمية، والابتكار أداة المستقبل، والأمن أساس الاستقرار، والازدهار نهجًا مستدامًا.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأمدهما بعونه وتوفيقه، وسدد خطاهما، وحفظ بلادنا وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء والازدهار..
** **
- عبدالرحمن بن عبدالرحيم الشريف