«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
يفتح قرار مجلس الوزراء باستمرار العمل ببرنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة «ريف السعودية» حتى نهاية عام 2032، مرحلة جديدة لتعزيز التنمية الاقتصادية في المناطق الريفية، وتمكين صغار المزارعين والمنتجين والأسر المنتجة، وتوسيع إسهام الأنشطة الزراعية في الاقتصاد الوطني، بما يدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية.
يأتي القرار امتدادًا لمسيرة البرنامج الذي يستهدف تحويل الإمكانات الزراعية والموارد المحلية في المناطق الريفية إلى أنشطة إنتاجية ذات قيمة اقتصادية، عبر دعم ثمانية قطاعات رئيسة تشمل القهوة السعودية، وتربية الماشية، والنحل وإنتاج العسل، والمحاصيل البعلية، وصغار الصيادين ومستزرعي الأسماك، والقيمة المضافة من الحيازات الصغيرة، والنباتات العطرية، وإنتاج الفاكهة وتصنيعها.
ورفع وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بمناسبة صدور القرار، مؤكدًا مواصلة الجهود لتطوير المناطق الريفية في مختلف مناطق المملكة وتعزيز نجاحات البرنامج.
من الدعم إلى الإنتاج
بحسب أحدث البيانات الرسمية المعلنة في 20 أكتوبر 2026، تجاوز عدد المستفيدين من مشاريع «ريف السعودية» ومبادراته 92 ألف مستفيد من صغار المزارعين والأسر المنتجة، فيما تجاوزت القيمة السوقية الإجمالية للقطاعات الثمانية المستهدفة 5.6 مليارات ريال خلال عام 2025. تبرز أهمية هذه المؤشرات في أنها تعكس اتساع قاعدة المستفيدين وتنامي القيمة الاقتصادية للأنشطة الريفية، بما يتجاوز مفهوم تقديم الدعم المالي إلى بناء قدرات إنتاجية تساعد المزارعين والمنتجين على تطوير أعمالهم، وتحسين جودة منتجاتهم، وتعزيز فرص الوصول إلى الأسواق.
كان البرنامج قد أعلن في يونيو 2026 أن إجمالي الدعم المقدم منذ إطلاقه تجاوز 4.2 مليارات ريال، استفاد منه آنذاك أكثر من 87 ألف مستفيد. كما أشار إلى ارتفاع متوسط دخل الفرد من صغار المنتجين والمزارعين الريفيين من 9,500 ريال في عام 2018 إلى 13,763 ريالًا بنهاية الفترة 2024 – 2025، بزيادة بلغت 45 %، مع توقعات بوصول المتوسط إلى أكثر من 20 ألف ريال بحلول عام 2030.
ويعكس هذا المسار أهمية الربط بين الدعم والإنتاجية؛ فالأثر التنموي المستدام لا يقاس بحجم المبالغ المقدمة وحدها، بل بقدرة المستفيدين على تطوير مشاريعهم، وتحقيق دخل أكثر استقرارًا، ورفع كفاءة الإنتاج، وتكوين أنشطة اقتصادية قابلة للاستمرار والنمو.
ثمانية قطاعات.. وإمكانات متنوعة
يرتكز البرنامج على قطاعات تتباين في طبيعتها واحتياجاتها، لكنها تلتقي في توظيف المزايا الزراعية والبيئية للمناطق المستهدفة، وتعزيز القيمة الاقتصادية للمنتجات المحلية.
يأتي إنتاج القهوة السعودية وتصنيعها وتسويقها ضمن هذه القطاعات، مستفيدًا من تنامي الاهتمام بالبن المحلي، وما يتيحه تطوير مراحل الإنتاج والمعالجة والتسويق من فرص لرفع قيمة المنتج وتعزيز حضوره في الأسواق.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، يركز البرنامج على تعزيز قدرات صغار مربي الماشية، بما يدعم استمرار نشاطهم الإنتاجي. كما يستهدف قطاع تربية النحل وإنتاج العسل تطوير قدرات النحالين، وتحسين الإنتاج المحلي، والمحافظة على الموارد الطبيعية المرتبطة بهذا النشاط.
تشمل القطاعات المدعومة كذلك المحاصيل البعلية، وصغار الصيادين ومستزرعي الأسماك، وإنتاج الفاكهة وتصنيعها، وزراعة النباتات العطرية، إلى جانب تطوير القيمة المضافة من الحيازات الزراعية الصغيرة. ويمنح هذا التنوع البرنامج مجالًا لدعم أنشطة تتلاءم مع الخصائص الزراعية والبيئية لمناطق المملكة المختلفة، بدلًا من الاعتماد على نمط إنتاجي واحد.
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذه القطاعات على المنتج النهائي؛ إذ تمتد إلى الأنشطة المرتبطة به، مثل الفرز والتعبئة والتصنيع والتسويق والخدمات المساندة، وهي حلقات يمكن أن تسهم في زيادة العائد من المنتجات المحلية وتوسيع فرص العمل داخل المجتمعات الريفية.
مشروعات تنموية تتجاوز الدعم المباشر
تتضح أهمية هذا التوجه في المشروعات التنموية التي يعمل البرنامج على تطويرها إلى جانب مسارات دعم المستفيدين. ففي 19 أكتوبر 2026، أعلن «ريف السعودية» تسليم خمسة مشروعات تنموية في قطاع تربية النحل وإنتاج العسل إلى مؤسسة ريف الأهلية، بقيمة إجمالية تجاوزت 48.2 مليون ريال، تمهيدًا لتشغيلها في عدد من مناطق المملكة.
وتستهدف المشروعات تعزيز الإنتاج المحلي من منتجات النحل، ودعم النحالين، ورفع كفاءة القطاع، وتمكين المجتمعات الريفية من خلال المبادرات والبرامج التدريبية الموجهة للمنتجين والأسر الريفية.
وتكشف هذه المشروعات عن جانب مهم من التنمية الريفية؛ يتمثل في بناء قدرات إنتاجية وخدمات مساندة يمكن أن يستفيد منها المنتجون، بما يعزز استدامة النشاط الاقتصادي، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويدعم الأمن الغذائي. كما أن تطوير قطاع النحل يرتبط بأبعاد بيئية، من بينها دور النحل في تلقيح النباتات والمحافظة على التنوع الحيوي.
ويعزز هذا النموذج أهمية الجمع بين الدعم المباشر للمستفيدين والمشروعات التنموية التي تسهم في معالجة احتياجات القطاعات، وتطوير بنيتها الإنتاجية، وتوفير التدريب والخدمات اللازمة لاستمرار نموها.
الأمن الغذائي وتنمية المجتمعات الريفية
يمثل تنويع الإنتاج الزراعي أحد المسارات المهمة لتعزيز الأمن الغذائي، من خلال زيادة إنتاج عدد من المحاصيل والمنتجات المحلية، وتطوير قدرات صغار المنتجين، وتحسين الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة.
وفي هذا السياق، يسهم «ريف السعودية» في دعم الأنشطة الزراعية التي ترتبط بخصائص المناطق المختلفة، بما يساعد على تنمية الموارد المحلية وتحويلها إلى فرص اقتصادية، مع أهمية مراعاة الاستدامة في استخدام المياه والتربة والموارد البيئية.
كما تحمل التنمية الريفية بعدًا اجتماعيًا يتمثل في دعم الأسر المنتجة، وتوسيع مشاركتها في النشاط الاقتصادي، وتعزيز قدرتها على تطوير منتجاتها وتسويقها. وكلما ارتبط الدعم بالتأهيل الفني وتحسين الجودة والوصول إلى الأسواق، زادت فرص انتقال المستفيد من الاعتماد على المساندة إلى بناء نشاط إنتاجي أكثر استقرارًا.
من هنا، فإن استمرار البرنامج حتى نهاية عام 2032 يمنح القطاعات المستهدفة أفقًا زمنيًا إضافيًا لتطوير مشروعاتها، وتعزيز كفاءتها، والاستفادة من المبادرات الداعمة للنمو والإنتاج.
المرحلة المقبلة.. كفاءة الأثر واستدامته
مع تمديد البرنامج، تبرز أهمية مواصلة تطوير أدوات قياس الأثر، وربط مؤشرات الدعم بنتائج واضحة في الإنتاجية والدخل واستدامة المشروعات، إلى جانب متابعة القيمة المضافة التي تحققها المنتجات الريفية في مراحل التصنيع والتسويق.
كما تتطلب المرحلة المقبلة تعزيز التكامل بين المنتجين والجمعيات التعاونية والجهات المعنية بالتدريب والتسويق، بما يساعد على تجاوز التحديات المرتبطة بتكاليف الإنتاج، وجودة المنتجات، والوصول إلى الأسواق، وتطوير سلاسل القيمة.
ويظل نجاح التنمية الريفية مرتبطًا بقدرة البرامج والمشروعات على تحويل الموارد والإمكانات المحلية إلى فرص اقتصادية مستدامة، وتحقيق توازن بين تحسين دخل المستفيدين والمحافظة على الموارد الطبيعية.
وبين قاعدة مستفيدين تجاوزت 92 ألفًا، وقيمة سوقية تخطت 5.6 مليارات ريال للقطاعات المستهدفة في 2025، يشكل استمرار «ريف السعودية» حتى 2032 فرصة لمواصلة تطوير اقتصاد الريف، وتعزيز دور صغار المنتجين والأسر الريفية في منظومة الإنتاج الوطني، بما يجعل التنمية الزراعية رافدًا للاقتصاد وجودة الحياة، لا مجرد نشاط مرتبط بالمواسم أو الدعم المؤقت.