في العالم المعاصر، لم تعد الحرب تُخاض بالعتاد العسكري وحده، بل أضحت الكلمة والصورة والمصطلح أسلحة ناعمة لا تقل خطورة وتأثيرًا عن أدوات الصراع التقليدية. الكلمة ليست مجرد وعاء لغوي محايد يُنقل عبره الخبر من المصدر إلى المتلقي، بل هي أداة تشكيل للوعي الجمعي، وبناء للمفاهيم، وتحديد لاتجاهات الرأي العام الدولي والمحلي. إن الإعلام الحديث يستند في جوهره إلى ما يُعرف بـ»التأطير الإعلامي»، وهو عملية إستراتيجية قائمة على الانتقاء والتركيز، حيث يجري اختيار مفردات محددة وصياغتها ضمن قوالب موجّهة تُسهم في إعادة بناء الواقع بما يخدم أجندات الجهات المالكة والمموِّلة لتلك المؤسسات. وعندما يُمارس هذا التأطير بحرفية، فإنه يملك القدرة على تحويل الجاني إلى مجني عليه، والميليشيات الإرهابية إلى أطراف سياسية، والاعتداء الصارخ على المدنيين إلى مجرد «تصعيد متبادل»، ومن هنا تبرز أهمية امتلاك الوسيلة والمضمون والقيادة الإعلامية، باعتبارها أركانًا لا تتجزأ من السيادة الوطنية والأمن القومي.
تستند نظريات التأطير الإعلامي إلى حقيقة مفادها أن الجمهور لا يعيش الأحداث بنفسه في معظم الأحيان، بل يراها من خلال النافذة التي يفتحها له الإعلام، وهي نافذة لا توفر رؤية مجردة، بل تُصمم عدستها وفق حسابات دقيقة تعتمد على انتقاء تفاصيل معينة وحجب أخرى، واستحداث مصطلحات تنطوي على أحكام قيمة أخلاقية وقانونية تسهم في توجيه التفكير الجمعي. فإطلاق وصف «ناشطين» أو «جماعة مسلحة» عوضا عن «منظمة إرهابية» يغير تمامًا من طبيعة المسؤولية القانونية والأخلاقية أمام الشارع الدولي. كما لا يقتصر التأثير في نقل الواقعة، بل يتجاوزها إلى تقديم تفسير جاهز، فحين يُربط اعتداء إرهابي بعبارات تبريرية توحي بأنه رد فعل، يجرد الفعل الإجرامي من خطورته، وإلقاء اللوم الضمني على الضحية، وهو ما يوضح كيف تصبح المفردات قادرة على إعادة صياغة الواقع وتزييف الحقائق.
في هذا السياق، شهد المشهد الإعلامي العربي تحولًا مفصليًا مع قرار نقل مقرات كبرى المنظومات الإعلامية -وفي مقدمتها مجموعة MBC وقنوات العربية والحدث- إلى العاصمة الرياض. لم يكن هذا القرار مجرد إجراء تنفيذي أو نقل جغرافي للمكاتب والاستوديوهات، بل كان قرارًا إستراتيجيًا يعيد العاصمة السعودية إلى موقعها الطبيعي كمركز ثقل سياسي واقتصادي وإعلامي في المنطقة. إن وجود المؤسسات الإعلامية في قلب دولة القرار يلغي المسافات ويربط البث التلفزيوني بالبيئة الوطنية والسياسية التي تعبر عن تطلعات المنطقة واستقرارها، كما يعيد هيكلة البيئة الاتصالية لبناء سوق إعلامي متكامل يقود الإعلام العربي نحو المعايير المهنية العالية دون التفريط في الهوية والسيادة.
غير أن نقل المباني والبنية التحتية يظل خطوة ناقصة الأثر ما لم تُتوج بقرار إستراتيجي يُمكن الكوادر الوطنية السعودية من تولي جميع المناصب القيادية والتحريرية في هذه القنوات. إن ابن الوطن المدرك لأبعاد الصراعات الإقليمية والمخاطر المحدقة بالمنطقة هو الأكثر حرصًا وقدرة على صياغة الخطاب التحريري بما يحمي الأمن الفكري والسياسي، دون السقوط في فخ التمريات اللغوية المضللة التي قد ينزلق إليها قياديون غير معنيين بخصوصية الأمن القومي. وحين يتولى السعودي والسعودية مقاليد إدارة الأخبار وتوجيه السياسات التحريرية، تخرج الرواية بلسان أصيل يُدافع عن مكتسبات الوطن دون مواربة، ويضع المصطلحات في نصابها الصحيح، فضلاً عن أن تمكين الكفاءات الوطنية يضمن استدامة السيادة الإعلامية وبناء مدرسة إعلامية قادرة على منافسة المنصات العالمية بنفس أدواتها واحترافيتها.وتتجلى الخطورة الفائقة لأجندات مالكي القنوات والتأطير الإعلامي عند النظر إلى كيفية تعاطي وسائل الإعلام في المحيط الخليجي والعربي مع الهجمات الإرهابية التي شنها الحوثيون على الأعيان المدنية والمطارات المنشآت الاقتصادية. فبينما تعتمد القنوات الوطنية والمسؤولة خطابًا يستند إلى التسمية الحقيقية والمتمثلة في «ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران»، والتوصيف القانوني الدقيق للحدث باعتباره «اعتداءً إرهابيًا يستهدف المدنيين وجريمة حرب تخرق القانون الدولي»، نجد في المقابل أن القنوات ذات الأجندات الموجهة أو المحايدة زيفًا تلجأ إلى شرعنة هذه الميليشيا عبر إطلاق ألقاب مثل «جماعة أنصار الله» أو «قوات صنعاء»، وتعمل على تغليف الجريمة بعبارات باهتة، مع وضع الاعتداء في سياق تبريري يُظهره وكأنه «تصعيد متبادل» أو «رد مشروع»، وهو تأطير يهدف بوضوح إلى إخلاء مسؤولية الجناة وإسقاط الطابع الإجرامي عن أفعالهم.إن هذا التفاوت التحريري يكشف بجلاء أثر أجندات المالكين والجهات المموِّلة في صناعة المفهوم وتوجيه الرسالة الاتصالية. فالمحرر الإعلامي يعمل ضمن «قاموس تحريري» محدد يفرضه مالكو القناة، يمنع استخدام مصطلحات معينة ويلتزم بمصطلحات أخرى تخدم التوجه السياسي للمؤسسة. كما يمتد هذا التأطير إلى الانتقاء الموجه للضيوف والمحللين السياسيين لتبرير الاعتداءات أو تشتيت الانتباه عن الجريمة تحت شعار «عرض الرأي والرأي الآخر»، بالإضافة إلى التحكم في ترتيب الأخبار ومنح الجرئم الإرهابية مساحات زمنية ضئيلة في ختام النشرات لتهميش أهميتها.
كل هذه الممارسات تؤكد أن حماية الفضاء المعرفي والأمني للمملكة تتطلب السيطرة الكاملة على صناعة المحتوى، وأن نقل المقرات إلى الرياض، مقترنًا بتمكين أبناء الوطن في مواقع القرار الإعلامي، هو الحصن المنيع لضمان تقديم خطاب إعلامي صادق، شجاع، ويحفظ للوطن سيادته وروايته التاريخية.
** **
د. عيسى الربعي - دكتوراه صحافة وإعلام