الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
رحلة الحج إلى بيت الله الحرام «رحلة العمر» فريضة دينية، وعبادة قولية وفعلية، ويبذل فيها الحاج الغالي والنفيس، والنفس والمال، ويهجر لأجلها الوطن والدار، ويقطع الفيافي والقفار، تلبية لنداء الله -عز وجل- بقوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).
وهذه الرحلة ليست مجرد شعائر تؤدى، بل هي محطة إيمانية فارقة تتطلب من الحاج استعداداً خاصاً يجمع بين طهارة الروح، وسلامة البدن، والوعي بالنظام.
«الجزيرة» التقت اثنين من المختصين في العلوم الشرعية والطبية ليتحدثا عن الضوابط والشروط والإرشادات المطلوب ممن يرغب في أداء مناسك الحج، ووجوب الالتزام والتقيد بها.
الحج المبرور
يقول فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد الطيار أستاذ الفقه، مفوض الإفتاء بمنطقة القصيم سابقاً: في هذا العصر خاصة، بعدما فاقت أعداد الحجاج الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، الذين أتوا من كل فج عميق، آمين البيت الحرام، يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وباجتماع هذه الوفود المباركة، وتلك الحشود الميمونة، يصبح الالتزام بالإرشادات أولى الأولويات، ورأس المهمات، وتكون التوعية بالإرشادات الدينية، والنظامية، والصحية، والوقائية جزء لا يتجزأ من تمام النسك، فالحج المبرور لا يكتمل إلا بروحانية يحفها الأدب مع الله، وجسد يعان على الطاعة، باتباع سبل الوقاية، وعقل يعي أهمية التنظيم لسلامة الجميع.
نصائح وتوجيهات
وقدم الدكتور عبدالله الطيار لحجاج بيت الله الحرام، نصائح وتوجيهات، تكون عوناً لهم على أداء فرضهم، بيسر وسكينة، وأمن وطمأنينة، فإنه ينبغي على الراغبين في الحج قبل حمل الرحال إلى بيت الله الحرام قاصداً الحج الالتزام بما يلي:
التوبة النصوح، ورد المظالم إلى أهلها، وتعلم الأحكام التي تحتاجها في سفرك، ومناسك الحج، وأركانه، وواجباته، والمحظورات التي يجب عليك اجتنابها، واختيار الرفقة الصالحة التي تعينك على الطاعة، وترشدك للعبادة، وتعلو بها همتك نحو الجد والاجتهاد، وتحري الحلال الطيب، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ووصية أهلك وأولادك وأصحابك بتقوى الله -عز وجل-، وكتابة وصيتك، وما لك، وما عليك من الحقوق المالية وغيرها، كما أنه في حال العزم على السفر إلى بيت الله الحرام، فينبغي الحرص على دعاء السفر حال ركوب السيارة، أو الطائرة، أو الباخرة، وقصر الظهر والعصر والعشاء حال السفر، وإن جد بك السير فلك أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، واستثمار الوقت بالدعاء والذكر، وتلاوة القرآن، والحذر من لهو الحديث، ولغو الكلام، وكف الأذى، وغض البصر، وتجنب كثرة المزاح، أو التصوير والتوثيق بالجوال والكاميرا، فإن هذا يفسد الإخلاص.
وإذا منَّ الله -عز وجل- عليك، وبلغك البيت العتيق، فاحمد الله -عز وجل- على توفيقه، واحرص على الحصول على تصاريح الحج عبر القنوات الرسمية المعتمدة، واحذر من المحتالين والمضللين، والمدعين والمخالفين، الذين يروجون للفوضى، ويستغلون الجهلاء، مشدداً على أن الحج بلا تصريح خرق للأنظمة، وإضرار بالحجاج، وسبيل للفوضى، ومخالفة لولي الأمر الذي ما وضع هذه الأنظمة إلا تحقيقاً للمصلحة العامة والتسهيل على الحجاج، وخدمتهم ورعايتهم وتيسير المناسك، وإظهار العبادة بصورة تعكس تعاليم الإسلام في النظام والالتزام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (59) سورة النساء.
والحج بلا تصريح لا يقتصر ضرره على المخالف وحده، بل يتعدى إلى غيره، فيسبب الزحام ويؤذي الحجيج، ويعيق الخدمات، ويشغل الجهات الأمنية والصحية، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرار).
الشريعة سمحة
وناشد د. عبدالله الطيار حجاج بيت الله الحرام.. قائلا: أربعوا على أنفسكم، وألزموا السكينة والوقار، فقد أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجيج بقوله: (أيها الناس، عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع) أخرجه البخاري (1671) والإيضاع: الإسراع، والمعنى أن البر والخير في التأني والسكينة، لا في العجلة والاندفاع، واحذروا التدافع والزحام، فإنه ذهاب للخشوع، وإيذاء للجموع، وليست السكينة في المشي فقط، وإنما في الأقوال والأفعال، والسلوك والهيئات، قال تعالى: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) (34) سورة الحـج.وإياكم والتنطع، ارفقوا بأنفسكم، فالشريعة سمحة غراء جاءت لرفع الحرج، وإزالة العنت، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (78) سورة الحـج، فالحج ليس مضمار مشقة ولا ميدان مشادة، بل هو عبادة قوامها الاتباع وسمتها السكينة وسبيلها التخفيف والتسهيل، وفي الحديث لما خطب -صلى الله عليه وسلم- المسلمين يوم النحر وفيه: (فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعل ولا حرج) أخرجه البخاري (1737) ومسلم (1306).
تعظيم الشعيرة
وأوصى د. عبدالله الطيار حجاج بيت الله الحرام: أوصيكم بضرورة التقيد بالأنظمة الأمنية والصحية، واتباع التوجيهات والتعاون مع المشرفين والمنظمين، ورجال الأمن، ومقدمي الخدمات، والالتزام بأوقات التفويج؛ لما في هذا من تعظيم شعيرة الحج، والتعاون على البر والتقوى، وطاعة ولاة الأمر، واحرصوا على النظافة بشكل عام، ونظافة البدن واللباس بشكل خاص، واتباع لوائح السلامة، وإرشادات الوقاية، وعدم التدافع والزحام، أو تسلق المرتفعات، والحذر الحذر من التعرض المباشر لأشعة الشمس، وخاصة أوقات الظهيرة، منوها إلى أن بلادنا المباركة - المملكة العربية السعودية - تستنفر جهودها البشرية والمادية والتقنية والصحية والتوعوية، وتقف على قدم الجد والمتابعة في هذه الأثناء، بكوادرها الصحية والأمنية، والإدارية، والميدانية، والمجموعات التطوعية؛ لاستقبال وفود الرحمن، وضيوف بيت الله الحرام، حاملة على كاهلها دورها الريادي والقيادي، كقبلة للمسلمين، ومسؤوليتها الدينية والاجتماعية في خدمة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، وتوفير سبل الراحة والسكينة، والأمان والطمأنينة، لحجاج بيت الله الحرام؛ ليتمكنوا من أداء فريضتهم بيسر وسهولة، وأجواء مستقرة تتوافر فيها كافة سبل الإعاشة، وما يحتاجه الحجاج.
أسأل الله -عز وجل- أن يجعل هذه البلاد آمنة مطمئنة، سخاء رخاء، وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظ على بلادنا أمنها، وإيمانها، وعزها ورخاءها. اللهم أتم على الحجيج حجهم، واخلف نفقاتهم، اللهم لا تردهم إلا بذنب مغفور، وحج متقبل مبرور، وسعي مشكور.
إرشادات صحية ضرورية
يذكر الدكتور توفيق عفيف الحموي أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض بكلمة من «استطاع إليه سبيلا»، في الآية الكريمة: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً).. حيث الحج إلى بيت الله الحرام يتطلب الاستطاعة النفسية والصحية والمادية أيضاً، وعليه فقد تم اتخاذ الإجراءات المطلوبة وذلك كمتطلبات الاستطاعة الصحية والتحصينات الإلزامية والإرشادات الوقائية مثال ذلك التالي: الخلو من الأمراض التي تؤثر على الصحة العامة مثل: الفشل الكلوي المزمن والمعتمد على الغسيل الكلوي، وفشل القلب المصحوب بأعراض ضيق في التنفس وآلام في الصدر عند أقل جهد، وأمراض الجهاز التنفسي المزمن مثل: التليف الرئوي المعتمد على الأكسجين، وأمراض الكبد المزمنة مثل: تليف الكبد المصحوب بأعراض مثل: الاستسقاء والاصفرار، وكذلك دوالي المعدة والمريء حيث يوجد خطر النزيف الحاد الذي قد يؤدي إلى الوفاة لا سمح الله، والأمراض العصبية والنفسية الشديدة التي تعيق الإدراك أو الحركة، كذلك حالات الشيخوخة المصحوبة بالخرف، وكذلك السيدات الحوامل وخاصة في الأشهر الأخيرة من الحمل، والأمراض المعدية المفتوحة مثل: الدرن الرئوي، والأمراض المعدية الفيروسية مثل: الحمى الصفراء، والحمى النازفة، والمرضى الذين يعانون من السرطان ويتلقون العلاج الكيميائي والأدوية المضبطة للمناعة.
أما ما يتعلق بالتحصينات أو المطاعيم الوقائية فيشير د. توفيق الحموي أخصائي الباطنية بالرياض إلى تأكيد الهيئة الصحية على ضرورة إلزامية الحصول على لقاح الحمى الشوكية قبل السفر لمدة لا تقل عن عشرة أيام، كما يجب الحصول على لقاح الإنفلونزا الموسمية، أما ما يتعلق بالحجاج القادمين من خارج المملكة العربية السعودية فهناك إرشادات واشتراطات مختلفة حسب المناطق القادمين منها، مثل: لقاح الحمى الصفراء، ولقاح الحمى النازفة، وغيرها، مذكراً بضرورة التقيد بالإرشادات الخاصة في النظافة الشخصية مثل: غسل اليدين، وارتداء الكمامات في الأماكن المزدحمة، كما نود التذكير بأهمية الوقاية من الإجهاد الحراري من خلال تجنب التعرض لأشعة الشمس المباشرة، والإكثار من شرب السوائل.