حين تتقاطع القيم الإنسانية مع روح العطاء، وتتجسد معاني المسؤولية والانتماء في أسمى صورها، تتجلى تجربة الكشافة السعودية في الحج بوصفها نموذجاً عالمياً للتربية بالممارسة، وصورة مشرقة لما يمكن أن تصنعه الحركة الكشفية في بناء الإنسان وخدمة المجتمع؛ ففي معسكرات الخدمة العامة التي تقيمها جمعية الكشافة العربية السعودية في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، يتحول الفتية والشباب إلى سفراء للقيم النبيلة، يحملون رسالة الخدمة بروحٍ يملؤها الإيمان والانضباط والعمل الجماعي، مستلهمين المبادئ التي قامت عليها الحركة الكشفية العالمية منذ أكثر من قرن.
وإذا كانت المنظمة الكشفية العالمية تنظر إلى الكشافة باعتبارها حركة شبابية عالمية تُسهم في بناء الصداقات والخبرات والمهارات الحياتية، وتُعد الشباب ليكونوا مواطنين فاعلين في مجتمعاتهم، فإن ما تقدمه الكشافة السعودية في الحج يُعد ترجمة عملية حيّة لهذه الرؤية العالمية؛ إذ يعيش الفتية والشباب تجربة تربوية وإنسانية متكاملة، يتعلمون فيها كيف يكون الإنسان عنصراً نافعاً لوطنه ومجتمعه والإنسانية جمعاء، من خلال خدمة ملايين الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم.
وفي كل موسم حج، لا تقتصر معسكرات الخدمة العامة على كونها برنامجاً تطوعياً موسمياً، بل تمثّل منظومة تربوية متكاملة تُعزّز لدى الفتية والشباب قيم الانضباط والالتزام والتعاون والصبر وتحمّل المسؤولية، وتمنحهم فرصاً حقيقية لاكتشاف قدراتهم وتطوير مهاراتهم القيادية والإنسانية في بيئة ميدانية استثنائية، تتطلب الوعي، وسرعة الاستجابة، والعمل بروح الفريق الواحد؛ وهنا تتجسد بوضوح فلسفة «التعلم بالممارسة» التي تؤكدها الحركة الكشفية العالمية باعتبارها أحد أهم أسس التعليم غير الرسمي، حيث يتعلم الفتية والشباب من الميدان مباشرة، ومن التجربة الواقعية، ومن الاحتكاك الإنساني المتنوع مع ضيوف الرحمن.
وتبرز معسكرات الخدمة العامة كذلك بوصفها مساحة واسعة لتمكين الفتية والشباب من ممارسة أدوارهم كمواطنين فاعلين، قادرين على الإسهام في خدمة مجتمعهم ووطنهم بوعي ومسؤولية؛ فمن خلال الأعمال التنظيمية والإرشادية والإنسانية التي ينفذونها بإشراف القادة الكشفيين والقائدات، يكتسب المشاركون خبرات حياتية عميقة، ويتعلمون معاني الرحمة والتسامح واحترام التنوع الثقافي والإنساني، في مشهد عالمي يجمع شعوب الأرض تحت مظلة الحج، ويمنح الكشافة السعودية فرصة فريدة لتقديم الصورة الحضارية للمملكة وقيم شعبها الأصيلة في خدمة ضيوف الرحمن.
كما تعكس هذه المعسكرات نجاح الكشافة السعودية في توظيف البرامج الكشفية لخدمة أهداف التنمية الإنسانية والاجتماعية، عبر صناعة جيل مؤمن بقيمة العمل التطوعي، ومدرك لأهمية المبادرة والعطاء، وقادر على التعامل مع التحديات المختلفة بروح إيجابية وحلول عملية؛ وهي ذات الأهداف التي تؤكدها المنظمة الكشفية العالمية في رؤيتها الرامية إلى إعداد الشباب ليكونوا قادة للتغيير الإيجابي في مجتمعاتهم، من خلال تنمية الجوانب الاجتماعية والجسدية والفكرية والعاطفية والروحية والشخصية لديهم.
وفي المشاعر المقدسة، تبدو الكشافة السعودية أكثر من مجرد وحدات تقدم المساندة والخدمة؛ فهي تجربة وطنية رائدة لصناعة الإنسان، ومنصة تربوية وإنسانية تُرسخ في نفوس الفتية والشباب معنى أن يكون العطاء أسلوب حياة، وأن تكون خدمة الآخرين شرفاً ومسؤولية؛ ومن هنا فإن ما تقوم به جمعية الكشافة العربية السعودية في الحج لا يُمثل نجاحاً تنظيمياً فحسب، بل يُجسد رسالة الحركة الكشفية العالمية في أبهى صورها، حين يتحول التعليم إلى ممارسة، والقيم إلى سلوك، والخدمة إلى ثقافة راسخة تنبض بها قلوب الفتية والشباب وهم يؤدون رسالتهم الإنسانية في خدمة ضيوف الرحمن.
** **
- سالم بن عوض آل مهنا
@salm966