بعد حوالي 14 عاماً من أداء الركن الخامس وهو الحج، إلى بيت الله الحرام أعود لأداء الفريضة هذا العام في جو مفعم باليسر ومختلف جداً عن الرحلة الأولى، فكل شيء اختلف، وفي كل عام تستقبل المملكة الحجاج من كافة أصقاع الأرض وتوفر لهم الراحة والطمأنينة ليؤدوا مناسكهم بيسر وسهولة.
فالشقيقة تقوم على رعاية الحجاج الذين يحظون بالرعاية والاهتمام من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ومن ولي العهد الأمين محمد -حفظهما الله ورعاهم- منذ اللحظات الأولى التي يطأون فيها أرض المملكة منذ التوحيدِ وإلى اليوم.
وما رأيناه من استقبال ورعاية ونماذج ومواقف لا يمكن تجاهلها، خاصة مع التطور الهائل والكبير الذي عاشه قطاع المناسك، تحت اسم «ضيوف خادم الحرمين الشريفين»، وكنت قريباً من تفاصيله المثيرة هذا العام، والاشادة التي تحمل في طياتها كل ما يرغب فيه الحاج، وفق أعلى المعايير، في مشهد رائع للحجيج وسلاسة راجتهم، متوحدين ومحاطين بالأعداد الهائلة من العاملين في خدمتهم، من كل القطاعات الأمنية والحكومية والتطوعية في بلد الحرمين الشريفين.
فريضة، يؤديها الحاج في أمنٍ وأمانٍ ويُسرٍ وسهولة، وبإمكانات كبيرة وفرتها المملكة العربية السعودية بفخامة وجودةٍ عالية، وتنظيمٍ رائع، وبهذه الإمكانات الكبيرة أصبح الحج ميسرا للكبير والصغير، ولو قارنت بين رحلتي الأولى والخيرة لوجدنا فرقا شاسعا في كل الأشياء حيث بذلت المملكة جهوداً كبيرة حتى أصبحت رحلة الحج ميسرة وأمنه في كل النواحي من الوصول حتى العودة للوطن.
وبالأمس لامست هذه التغييرات الكاملة والمتعددة، التي لا يمكن اختصارها في مقال، فالمنظومة متكاملة تعمل وفق رؤية وخطط مدروسة ليؤدي الحاج نسكه بطمأنينة ويسر، وأيضا لا ننسى آلاف الجنود ورجال الأمن، والأطباء والعاملين في مختلف القطاعات الذين يقفون لساعات طويلة تحت حرارة الشمس لراحة هذا الكم الهائل من الحجاج، وضيوف خادم الحرمين الشريفين في ازدياد مستمر حيث وصل عددهم هذا العام حوالي 2500 حاج من 104 دول.
فالرسالة لم تتغير منذ التوحيد، وإنما تنوعت الوسائل وتطورت، واختصرت المملكة الوقت في زمن قياسي، ليكون تنظيم موســـم الحج، أكثر أمانا وسلاسة وفق رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تحسين جودة الخدمات والتقنيـات الحديثة، مع تحقيق التكامل بين الجهات الحكومية والخاصة والذي يتجسد في معظم الخدمات التي رأيناها ولمسناها عن قرب، ورغم تعدد الثقافات الإسلامية والجنسيات، تذوب الفوارق وتتحول كل الحشود في الحج إلى مشهد كوني لا يتكرر في أي مكان آخر، إلى هنا، فتبدو مكة المكرمة عاصمة اللقاء الأعظم، لا تجمع الأجساد، بل تجمع المسلمين في مكان واحد، في مهابط الوحي ومواقع التنزيل.
فعاصمة المسلمين -مكة المكرمة، تنمو وتزدهر، والاختلاف بين الماضي والحاضر، تلمسه منذ وصولك، فالمنجزات لا تُحصى، والمشاريع تتوالى، وأصبحنا نشاهد الشباب والشابات السعوديين في كل موقع، تعلو وجوههم الابتسامة والترحيب وتذليل الصعاب لكل حاج وحاجة.
فتكفل خادم الحرمين الشريفين بضيوفه وعلى نفقته الخاصة، هي امتداد لعطائه السخي للمسلمين أجمعين في كل القارات واهتمامه وعنايته بهم، وحرصه الدائم على تقديم كل ما يحتاجون إليه خلال أداء الفريضة ومناسكهم بكل سهولة وأمان، وأسأل الله لنا ولهم حجًا مبرورًا، وعملًا صالحًا مقبولًا، وسعيًا محمودا بإذن الله تعالى.
فمنذ عقود والملك سلمان يُعطي العمل الخيري المؤسسي جلَّ اهتمامه ورعايته، فله منا الدعاء والثناء وأن يحفظه الله من كل مكروه ويطول في عمره أعواما مديدة بصحة وعافية ويحفظ المملكة دار الحرمين من كل شر، وتنعم بالأمن والأمان والازدهار.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فلا بد من التذكير بقيادة ولي العهد الأمين محمد بن سلمان لهذه الجهود المقدرة لرؤية المملكة التي تسير بخطى حثيثة للأمام لتوفير كل ما من شأنه راحة ضيوف الرحمن وتطور المملكة في كل المجالات؛ فقد شهد القاصي والداني من كل بقاع الأرض خلال السنوات الماضية بتلك الجهود العظيمة والكبرى التي تحظى بها كل مناطق المملكة.
كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر والتقدير لسعادة السفير إبراهيم بن سعد بن بيشان، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى سلطنة عمان، على جهوده ومتابعته واتصالاته المستمرة للاطمئنان عن حجاج سلطنة عمان الذين تشرفوا بتلبية هذه الدعوة الكريمة هذا العام فله منا الشكر والتقدير والاحترام، فعلاقات البلدين الشقيقين دوما في نماء ورخاء في كافة المجالات، وكل عام وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية في أمن وأمان وازدهار.. عيد أضحى مبارك وسعيد على البلدين والشعبين الشقيقين والأمة العربية والإسلامية.
** **
د. أحمد بن سالم باتمير - كاتب ومحلل سياسي عُماني
batamira@hotmail.com