حرصت الدولة -أيدها الله- على تطوير الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وبرز ذلك من خلال تطوير البنى التحتية وتنفيذ المشاريع التطويرية، وجاء برنامج خدمة ضيوف الرحمن الذي دشنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله، يوم الأربعاء 24 رمضان 1440هـ، كأحد برامج رؤية المملكة 2030، حاملا أهدافا رئيسة ثلاث تتمثل في:
* تيسير استضافة المزيد من المعتمرين وتسهيل الوصول إلى الحرمين الشريفين.
* إثراء التجربة الدينية والثقافية للحجاج والمعتمرين.
* تقديم خدمات ذات جودة عالية للحجاج والمعتمرين.
وحتى يتم تطبيق هذه الأهداف كانت الخطوات متتابعة فتم العمل على تطوير البنية التحتية، وتسريع إجراءات التأشيرات، والارتقاء بالخدمات المقدمة لضيوف الرحمن في كافة المراحل التي يصل إليها الحاج والمعتمر في رحلتهم كالنقل، والإقامة، والتفويج، والرعاية الصحية، وإدارة الحشود.
ولإثراء التجربة الدينية والثقافية للحاج والمعتمر وتحقيق شعار «من الفكرة إلى الذكرى»، تم تطوير المواقع السياحية والثقافية والمعالم الإسلامية التاريخية، مما أتاح الفرصة أمام الزوار من حجاج ومعتمرين للإثراء المعرفي والديني ، فتمت تهيئة 15 موقعا تاريخيا، وتنفيذ مشروع لتطوير جبل النور لجعله وجهة ثقافية متكاملة تهدف إلى الارتقاء بالمكان سياحياً وتاريخياً، فجاء معرض الوحي ليقدم سرداً تقنياً وتفاعلياً لقصة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرض متحف القرآن الكريم مخطوطات ونسخاً نادرة ويُبرز علوم القرآن الكريم.
وتحول الجبل من صخر صامت إلى مركز ثقافي يمكن الزوار من الصعود للغار الذي نزل فيه الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث وفرت مسارات وطرق آمنة للصعود إلى «غار حراء»، كما وفرت خدمات السلامة على طول الطريق.
كما برز مشروع حي جبل ثور الثقافي كوجهة سياحية وثقافية متكاملة لإثراء تجربة الزوار من الحجاج والمعتمرين والسياح من خلال تحويل الموقع إلى معلم حضاري يجمع بين القيمة التاريخية والخدمات العصرية، من خلال مركز استقبال الزوار الذي يضم منطقة مجهزة بالكامل لخدمة وتوجيه ضيوف الرحمن، ومعرض الهجرة النبوية الذي يعرض تفاصيل رحلة الهجرة النبوية باستخدام أحدث التقنيات وأساليب العرض المتحفي التفاعلي، ومشروع «على خطاه» ويوضح مسار سياحي لتنظيم تجربة الصعود للجبل، وفي المنطقة المحيطة بالجبل توجد مراكز ثقافية، تجارية، ومسجد.
ولم يتوقف دور برنامج خدمة ضيوف الرحمن هنا، بل عمل على توظيف الإمكانيات التقنية لبناء منصات اليكترونية وتقديم خدمات بسرعة وأمان، وتحقيق أقصى درجات الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتيسير استضافة مزيد من المعتمرين وتسهيل الوصول إلى الحرمين الشريفين، وتقديم خدمات ذات جودة للحاج والمعتمر، فبرزت العديد من المبادرات كان أبرزها مبادرة طريق مكة، التي تمثل إحدى مبادرات وزارة الداخلية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، أحد برامج رؤية المملكة 2030، وكانت انطلاقتها الأولى عام 2017م بألف وخمسمائة حاج من حجاج ماليزيا، ثم توسعت في العام التالي لتشمل حجاج ماليزيا بالكامل، إضافة لحجاج إندونيسيا، وأخذت في التوسع عاما تلو آخر لتطبق على حجاج باكستان، بنجلاديش، المغرب، تركيا، كوت ديفوار، السنغال، المالديف، بروناي دار السلام.
ولا تستهدف المبادرة تقديم خدمات ذات جودة عالية للحجاج المستفيدين منها فقط، بل تعمل على إنهاء إجراءاتهم من بلدانهم، بدءًا من إصدار التأشيرة إلكترونيًا وأخذ الخصائص الحيوية، ومرورًا بإنهاء إجراءات الجوازات في مطار بلد المغادرة بعد التحقق من توافر الاشتراطات الصحية، إضافة إلى ترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل والسكن في المملكة، وعند وصولهم ينتقلون مباشرة إلى حافلات لإيصالهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بمسارات مخصصة، في حين تتولى الجهات الخدمية إيصال أمتعتهم إلى مساكنهم.
وجاءت المبادرة الأخرى المتمثلة في «حج بلا حقيبة» لتحسين تجربة الحاج منذ لحظة مغادرته لبلده، إذ تعتمد على تقليل الأعباء اللوجستية التقليدية المرتبطة بالأمتعة، فيتم نقل أمتعة الحاج من بلده إلى مقر سكنه بمكة المكرمة أو المدينة المنورة، ويطبق الأمر نفسه عند العودة، مما يساهم في تقليص وقت إنهاء إجراءات الحجاج من 120 دقيقة إلى 15 دقيقة.
وتتوافق مبادرة «حاج بلا حقيبة» مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تركز على تطوير قطاع الحج والعمرة ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين، وتبني حلول مبتكرة تعزز جودة الخدمة وتقلل الجهد التشغيلي.
كما برز برنامج حجاج الـB2C، الذي كانت انطلاقته عام 2022م (1443هـ)، ويعرف حاليا ببرنامج الحج المباشر لحجاج أوروبا وأمريكا وأستراليا، ويقدم خدماته المتكاملة عبر بوابة الكترونية تضم خيارات متنوعة، من الباقات وخدمات الدعم ومركز للتواصل بلغات متعددة على مدار الساعة، ويمنح الراغب في أداء فريضة الحج الفرصة لاختيار باقة الخدمات التي يرغبها، فإنها تمكنه من التأكد من استيفاء الشروط، والتي تشمل (استكمال الحصول على الجرعات المعتمدة من لقاحات فيروس كورونا، أن يكون عمر الحاج أقل من 65 عاما بالميلادي بحيث يكون تاريخ الميلاد من 1/ 7/ 1957م وما بعد، ونتيجة سلبية لفحص «PCR» قبل مغادرتهم لبلادهم)، كما جاءت للقضاء على المشاكل التي كان يتعرض لها العديد من الحجاج الأوروبيين في السنوات الماضية من قبل بعض وكالات السفر، والمتمثلة في عمليات التحايل.
وبروز البرنامج وفكرته الجيدة جعل قناة france24 العربية تشير إليه بقولها: إن تخصيص بوابة الكترونية وحيدة تسمح للمسلمين الذين يعيشون في الدول الغربية بتسجيل أنفسهم مباشرة من أجل الحصول على تأشيرة الدخول إلى المملكة، ساعد في تسهيل إجراءات الدخول، وبينت أنه كان يشترط في السابق على أي مسلم يرغب في أداء فريضة الحج أن يمر عبر وكالة سياحية أو دينية ويسجل نفسه فيها، على أن تتكلف هذه الوكالة بالقيام بجميع الإجراءات الإدارية، كإصدار تأشيرة الدخول وشراء تذاكر السفر وحجز الفنادق في مكة والمدينة، فضلا عن تدابير أخرى مرتبطة بالحج.
وأشارت إلى أن عمليات التحايل التي تعرض إليها العديد من الحجاج في السنوات الماضية من قبل وكالات الأسفار جعلت الرياض تفكر في صيغة أخرى لأداء الحج. وهو السبب الأول الذي جعلها تدشن هذه البوابة الالكترونية للحيلولة دون تكرار المشاكل التي عانى منها الحجاج في السابق.
وأوضح التقرير الصادر عن برنامج خدمة ضيوف الرحمن لعام 2024 أن «نحو 13 مليون مسلم تمكنوا من زيارة الروضة الشريفة، في حين لم يكن العدد يتجاوز ثلاثة ملايين قبل أربعة أعوام فقط».
وارتفاع عدد زوار الروضة الشريفة يذكرنا بعدد المعتمرين الذي نمى من 8.5 ملايين في 2019 إلى أكثر من 18 مليون معتمر من الخارج في 2025، وقفزت نسبة رضا المعتمرين من 80 % في 2019 إلى 94 % في 2025، متجاوزًا مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ولم يقف برنامج خدمة ضيوف الرحمن أمام ما حققه من نتائج أو نفذه من مبادرات، فعمل على بناء شراكات إستراتيجية مع القطاع غير الربحي والقطاع الحكومي والخاص بهدف تسهيل الخدمات، وتوفير بيئة مناسبة تحقق المستهدفات المرجوة لخدمة ضيوف الرحمن في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة.
وحتى يحقق البرنامج شعاره «من الفكرة إلى الذكرى»، عمل على التخطيط والتنفيذ الجيدين، واستخدام التقنيات الرقمية لإنهاء كافة المتطلبات إلكترونياً، وتوفير منظومة نقل متطورة، وتهيئة المواقع التاريخية والإسلامية لإثراء التجربة الثقافية للزوار.
والعمل على وضع الحلول والقضاء على العقبات، وإزالة المعوقات التي تواجه منظومة خدمة ضيوف الرحمن، والتعاون مع شركاء البرنامج في القطاع الحكومي والجهات التنفيذية الأخرى لتحقيق المستهدفات التي تحقق زيادة أعداد المعتمرين ورفع مستوى الخدمات وتحسين تجربة ضيف الرحمن.
** **
- أحمد صالح حلبي
ahmad.s.a@hotmail.com
@ashalabi1380