ليست المدن المقدسة أبنيةً من حجر، بل ذاكرةٌ من الإيمان، وكل طريقٍ يُعبد للحاج هو امتدادٌ لطريق السماء، إذ يُشكل الحج في جوهره الفلسفي والشرعي نقطة الالتقاء الأكبر للأمة الإسلامية، حيث تتجدد فيه الروابط الأخوية وتتلاشى العوائق الجغرافية والطبقية تحت نداء التوحيد الخالد. وفي كل موسم حج، لا تتحرك المشاعر المقدسة باعتبارها مساحة دينية فحسب، بل باعتبارها مدينة عالمية مؤقتة تستقبل ملايين البشر في أيام معدودة، وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للسوق العقاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ والذي لم يعد مجرد استثمار تقليدي، بل أصبح شريكاً مباشراً في صناعة تجربة الحج الحديثة، واستحال في العصر الحديث إلى نموذجٍ ريادي يُدرس عالمياً في هندسة الحشود، وإدارة الأزمات، وتحقيق الأمن الإنساني الشامل.
لقد أدركت المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر أن شرف رعاية الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن يرتكز على معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الروحانية وتطبيق أعلى معايير الكفاءة اللوجستية والعقارية. فالعقار في محيط الحرمين الشريفين يحمل خصوصية لا تشبه أي سوق آخر في العالم ومن هذا المنطلق، لم تكتفِ الدولة الرشيدة بالتوسعات المعمارية الهائلة، بل أحدثت ثورة تنظيمية وجزءاً من الرؤية التنموية الكبرى شملت حوكمة الاستثمار والتطوير العقاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فالفنادق، والأبراج السكنية، ومراكز الضيافة، والمرافق التجارية، وشبكات النقل، كلها تعمل ضمن منظومة واحدة هدفها خدمة ضيوف الرحمن ورفع جودة حياتهم أثناء أداء المناسك، مستهدفةً صناعة «تجربة حضارية متكاملة» تلبي تطلعات الإنسان المعاصر وتمنحه صَفَاءً تعبديّاً يملأ قلبه بكل حبور وبهجة طيلة رحلته الإيمانية.
إن هذا التحول التنظيمي تجسد بشكل جلي في إدارة الحشود والإسكان الذكي عبر التنسيق التكاملي بين وزارة الحج والعمرة، والهيئة العامة للعقار، وهيئات تطوير المناطق؛ لبناء بيئة استثمارية متوازنة تجمع بين قدسية المكان ومتطلبات التنمية الحديثة. فتخضع الأصول العقارية من فنادق وأبراج سكنية حول الحرمين وفي المشاعر المقدسة لرقابة صارمة تضمن جودة الحياة والامتثال البيئي. فتلاشت تماماً مساعي العشوائية والتسلل التي تؤثر سلبًا على الطاقة الاستيعابية للمباني المصرّحة؛ فلم يعد هناك متسعٌ لمن يظن واهماً أن بإمكانه التخفي بين الشعاب أو استغلال العقارات غير النظامية كطائر الحباري الذي يستتر ببيئته، ولن تجد في تلك الرحاب الطاهرة مكاناً لجموع المخالفين الذين يفرون عند مواجهة الفرَق الرقابية تفرقَ الحبارير الخائفة في الأزقة. وعلى النقيض من تلك المحاولات البائسة، ينساب الحج النظامي كالنهر الجاري يسرًا وأمانًا؛ بالمشاريع العقارية الكبرى ومجمعات الإسكان الفندقي لاستيعاب الملايين بكرامة ورفاهية. تعكس الهوية الحقيقية للمملكة.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن التطوير الحديث لم يفقد المكان روحه التاريخية؛ فما زالت أزقة مكة القديمة تحتفظ بدفء الحكايات، وما زالت المدينة المنورة تنثر سكينتها في القلوب، وكأن روح المكان تهمس للحجاج بعبارات من الطمأنينة والحبور.
إن الحج اليوم يبعث برسالة حضارية للعالم، تثبت من خلالها المملكة قدرتها الفائقة على قيادة التجمعات البشرية الكبرى وتطوير عواصمها المقدسة عقارياً وتقنياً بكفاءة واقتدار، مع الالتزام بالمسارات التنظيمية والإسكانية المعتمدة، كواجب شرعي ووطني يضمن استدامة هذا الركن العظيم وتوفير بيئة إيمانية ترتقي بالإنسان وتصون كرامته.
** **
- عمار الزغيبي