في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات اقتصادية متسارعة، تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز حضورها بوصفها نموذجًا قادرًا على تحويل الرؤية إلى واقع، وبناء مسار تنموي يستند إلى التنويع والاستدامة. فقد نجحت المملكة في ترسيخ نهج اقتصادي يحوّل التنويع إلى استقرار، والاستقرار إلى توسع مدروس، ضمن إطار إصلاحي شامل يهدف إلى تطوير بنية الاقتصاد الوطني ورفع كفاءته.
هذا التوجه يعكس إدراكًا واضحًا لطبيعة المتغيرات الاقتصادية، وقدرة على صياغة سياسات تتعامل مع التحديات بمرونة، وتفتح المجال أمام قطاعات جديدة باتت اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة النمو. ومع استمرار تنفيذ رؤية 2030، تتقدم المملكة بخطوات ثابتة نحو بناء اقتصاد متنوع، قادر على مواكبة التحولات العالمية، وتعزيز مكانتها ضمن الاقتصادات الصاعدة.
تنويع يعزز متانة الاقتصاد
تخطّى الاقتصاد السعودي مرحلة الاعتماد الأحادي على النفط، حيث اكتسبت قطاعات الخدمات والصناعة واللوجستيات والتكنولوجيا والطاقة المتجددة حضورًا متزايدًا في الناتج المحلي غير النفطي، الذي تجاوز اليوم 45 % من النشاط الاقتصادي خارج قطاع النفط. هذا التنويع مكّن المملكة من الحدّ من تأثير تقلبات أسواق الطاقة، والحفاظ على معدل تضخم منخفض يقارب 1.6 %، وهو من أدنى المعدلات في الاقتصادات الناشئة. وقد شكّلت رؤية المملكة 2030 الإطار المحوري لهذا التحول، من خلال إصلاحات تنظيمية واسعة، وانفتاح مدروس على الاستثمار الأجنبي، وتطوير بنية مالية متقدمة عززت ثقة المستثمرين الدوليين.
رأس مال خاص في نمو متواصل
يعكس نشاط رأس المال الخاص مستوى الثقة في الاقتصاد السعودي. ففي عام 2025، سجلت المملكة استثمارات في الأسواق الخاصة بلغت 20 مليار ريال سعودي (5.33 مليارات دولار)، جاء 60 % منها من الخارج. وقد برزت قطاعات التكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، والصحة، والتعليم، واللوجستيات كمحركات رئيسة لجذب الاستثمارات الإقليمية والدولية. هذا الزخم يؤكد أن الاقتصاد السعودي بات يُعرَّف بقدرته على الابتكار والانفتاح، وليس فقط بإنتاجه النفطي.
صناعة استهلاكية تتوسع خارج الحدود
شهدت المملكة تطورًا لافتًا في الصناعات الاستهلاكية ذات الحضور الدولي، حيث أصبحت منتجات النظافة، ومستحضرات التجميل، والعطور، والمشروبات السعودية متوافرة في أسواق آسيا وشمال إفريقيا وأوروبا. وبحسب بيانات قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية (كومتريد) والنظام العالمي لمؤشرات التجارة (وِتس)، تجاوزت صادرات المملكة من العطور ومستحضرات التجميل 345 مليون دولار في عام 2024، ووصلت إلى أسواق الهند وسنغافورة ومصر والمغرب وهولندا وسويسرا. ويعكس هذا الانتشار قدرة المملكة على بناء قاعدة صناعية تنافسية ذات امتداد جغرافي واسع.
الصادرات السعودية إلى أوروبا: توسع مستمر
تشهد الصادرات السعودية إلى أوروبا نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتوسع قاعدة الإنتاج الصناعي وارتفاع الطلب الأوروبي على المنتجات البتروكيماوية والمواد الأساسية. ووفقًا لبيانات كومتريد ووِتس، بلغت قيمة الصادرات السعودية إلى دول الاتحاد الأوروبي نحو 42 مليار دولار في عام 2024، معظمها في فئات البتروكيماويات، البلاستيك، المعادن الأساسية، الأسمدة، والزيوت المعدنية. وتعد هولندا، ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا من أكبر الشركاء التجاريين للسعودية داخل أوروبا، حيث تستحوذ مجتمعة على ما يقارب 70 % من إجمالي الصادرات السعودية المتجهة للقارة الأوروبية.
السياحة: قطاع محوري في الاقتصاد الجديد
يواصل قطاع السياحة دوره المتنامي كأحد أعمدة الاقتصاد السعودي، مدعومًا بإصلاحات واسعة ومشاريع كبرى مثل نيوم والعلا والبحر الأحمر. ووفقًا لآخر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة السعودية في تقريرها السنوي لعام 2024، استقبلت المملكة 116 مليون سائح خلال العام، منهم 30 مليون سائح دولي، وهو أعلى رقم في تاريخ المملكة. كما بلغ الإنفاق السياحي الإجمالي 284 مليار ريال سعودي، بزيادة 11 % مقارنة بعام 2023، فيما ارتفع إنفاق السياح الدوليين بنسبة 19 % ليصل إلى 168.5 مليار ريال سعودي. وتؤكد بيانات المنظمة العالمية للسياحة التابعة للأمم المتحدة أن السعودية كانت أسرع وجهة سياحية نموًا في العالم بين دول مجموعة العشرين لعام 2023 مقارنة بعام 2019، بنسبة نمو بلغت 56 % في عدد السياح الدوليين. كما تجاوزت المملكة هدف رؤية 2030 المبكر باستقبال أكثر من 100 مليون زائر قبل الموعد المحدد، مما دفع إلى رفع الهدف الجديد إلى 150 مليون زائر. وتمثل هذه الأرقام أحدث البيانات الرسمية المتاحة حتى يوليو 2026.
تُبرهن التجربة السعودية، على المدى القصير والمتوسط والطويل، أن الاستقرار الاقتصادي هو نتيجة مباشرة لرؤية إستراتيجية تُنفَّذ بإرادة واضحة وخطوات مدروسة. فقد تمكنت المملكة، عبر التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية والتوسع الصناعي والنمو السياحي، من بناء قاعدة تنموية متينة قادرة على مواجهة التحديات بثقة. واليوم، تتقدم السعودية كقوة اقتصادية صاعدة تمتلك أدوات التحديث ومقومات الابتكار وقدرة تنفيذية عالية، ما يؤهلها لقيادة مرحلة جديدة من النمو والازدهار الوطني. إن ما تحققه المملكة يمثل تأسيسًا لنموذج تنموي متكامل يعزز مكانتها كفاعل رئيس في تشكيل مستقبل التنمية في السعودية.
** **
هشام البخاري - خبير تطوير وتمويل المشاريع الصناعية