وقفات مع كتاب للأديب والباحث والمؤرخ محمد عبد الله السيف رئيس تحرير المجلة العربية.
«لو أنني كنت أقل إيماناً برسالتي في الحياة، لتحطمت منذ زمن بعيد، وجاريتُ الوضع، وسرتُ مع الركب»
محمد السيف *.
ليست كل عبارة تُقرأ ثم تُطوى صفحتها، فبعض العبارات تفتح لك باب الكتاب كله. وقد شعرت أن هذه العبارة من هذا القبيل؛ فهي تصف -في نظري- صاحب الكتاب، كما تصف جانباً من رحلة صاحبه، حمزة غوث.
والأديب والباحث والمؤرخ الأستاذ محمد عبد الله السيف، رئيس تحرير المجلة العربية، ليس ممن يجمع الوثائق ثم يصفها في كتاب، بل يعيد إليها الحياة.
ومن يقرأ كتابه عن عبد الله الطريقي، ثم هذا السفر الكبير عن حمزة غوث، يدرك أنه يكتب التاريخ بعين الباحث، وقلم الأديب، إنه يعيد الحياة للأوراق البيضاء بمداد أسود.
ويقع الكتاب في نحو (701) صفحة، ومع ذلك لم أشعر يوماً أنني أقرأ كتاباً طويلاً، بل كنت كلما فرغت من فصل ازددت رغبة في الذي يليه. فهذا الحبر لا ترتوي منه إلا عند آخر سطر، ولست هنا ألخص كتابا ؛ فالسير الكبيرة لا تُلخَّص، وإنما أسجل بعض الوقفات التي استوقفتني ، ولعل قارئاً يجد فيها ما وجدته.
مدينة تربي رجالها : أعادني الكتاب إلى المدينة المنورة، لا كما نعرفها اليوم ، بل كما كانت قبل أكثر من قرن ؛ مدينة تضج بالحياة ، ومجالس الأدب، والمنتديات الشعرية، والبساتين التي تتحول في الصيف إلى مجالس وصوالين للأنس والثقافة.
سبحان الله... المدن لا تبنيها حجارتها، وإنما يبنيها رجالها، والحديث عن المدن والوجوه والوجهاء ذو شجون ؛ فإذا صلح المجتمع خرج منه أمثال هؤلاء.
وفي هذه البيئة نشأ حمزة غوث ، داخل أسرة عرفت بخدمة الحجاج ضمن نظام الأدلاء ، ذلك النظام الاجتماعي الذي ظل قروناً أربعة يربط بين آل غوث من المدينة وضيوف الرحمن.
ولفت نظري أيضاً بقاء بعض ألفاظ المدينة القديمة ، مثل “الأحواش”، فما أكثر الكلمات التي تعيش أطول من أصحابها ولازالت تستخدم اليوم ونحن في منتصف سنة 2026 م.
حدث غيّر وجه المدينة : قبل مائة وعشرين سنة تقريباً من هذا اليوم أي في سنة 1326هـ وصلت سكة حديد الحجاز إلى محطة العنبرية ، واحتفلت المدينة بذلك احتفالاً كبيراً، ورأى الناس أنهم يقفون على أعتاب زمن جديد.
وفي العام نفسه وُلد لعبد القادر غوث ابنه، وارتفع عدد الحجاج ، ثم ما لبثت الأحوال أن انقلبت ، فدخلت المدينة دوامة الصراع بين الأشراف والعثمانيين ، وانقطعت السكة التي ظن الناس أنها ستغير كل شيء.
وهكذا يعلمنا التاريخ أن العمران قد يبنى في سنوات ، لكن المطامع قد تهدمه في أيام.
حين أصبحت الكلمة سلاحاً:
تولى حمزة غوث رئاسة بلدية المدينة، ثم انتقل إلى ميدان الصحافة من خلال صحيفة “الحجاز”، يوم كانت المقالة قد تجر على صاحبها ما لا تجره المعركة. وربما أهدر دمه، كما سيتبين لنا ذلك بعد قليل. ومصداق ذلك أن الشريف حسين أهدر دم ابن عمه حمزة ، فاختفى متنقلاً بين القبائل أكثر من عام ونصف . تأملت ذلك كثيراً... فكم من رجل لم يحمل سلاحاً، ومع ذلك خاف الناس من كلمته. وربما كان اللسان أقوى وافتك من السنان.
في مجلس الملك :
ومن أجمل ما في الكتاب الرسائل المتبادلة بين الملك عبد العزيز وحمزة غوث.
فالملك لا يسأل عن العمل وحده، بل عن الأهل والصحة والأحوال . وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي ترسم صورة الكبار، فالإنسان يعرف أحياناً من سطر في رسالة أكثر مما يعرف من عشرات الخطب. وقد عرف ذلك عن الملك عبدالعزيز من رسائله لحمزة وغيره من المستشارين كحافظ وياسين.
ثم كلفه الملك بمهام دقيقة، منها ما يتعلق بالكويت، والجمارك وشؤون السابلة ، مما يدل على الثقة التي نالها. الرجال يُعرفون عند الاختلاف:
ومن أكثر الوثائق التي استوقفتني، ما دار بين حمزة غوث ويوسف ياسين وبراعة وفطنة الباحث في التقاط مثل هذا الموقف والتعليق عليه..
غضب حمزة غوث لأن اشتراكه في جريدة أم القرى لم يصله، وكان - كما وصفه الملك عبد العزيز - حادًا في طبعه، صريحاً، سليم السريرة.
أما يوسف ياسين ، فلم يقابل الغضب بغضب، ولم يكثر من الاعتذار، بل ختم رسالته بقوله تعالى : ?وَقُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى» إِبْرَاهِيمَ»، ثم داعبه، وطلب منه أن يهيئ له أسباب الراحة في زيارته المقبلة.
وأحسب أن هذه الوثيقة تدرس في فن التعامل قبل أن تدرس في التاريخ.
فالكلمة اللينة تكسب أحياناً ما تعجز عنه الحجج الطويلة، والهدوء في غرف القرار ليس ترفاً، بل ضرورة.
والكلام اللين يغلب الحق البين.
فالمؤرخ لا يكتفي أحياناً بإيراد الوثيقة ، بل يضفي عليها من ثقافته ما يجعلها أكثر حياة.
من المدينة إلى عواصم السياسة لم يبق حمزة غوث في الإدارة المحلية ، بل حملته الأيام إلى بغداد، ثم إلى طهران، قنصلاً، وو زيراً مفوضاً، وسفيراً للمملكة.
وتأملت كيف أن رجلاً بدأ حياته في خدمة الحجاج بالمدينة، انتهى به المطاف ممثلاً لدولة ناشئة في عواصم مختلفة.
وتلك من عجائب التحولات التي لا يصنعها إلا زمن التأسيس.
بقي الأثر: امتدت حياة حمزة غوث قرابة تسعين عاماً، شهد خلالها تبدل الدول، وتعاقب الأنظمة، وصعود رجال ، وأفول آخرين. تعرض للإبعاد، والخصومة، والموت السياسي، ثم عاد إلى مواقع المسؤولية أكثر من مرة ، وكأن التاريخ كان يأبى أن يخرج هذا الرجل من صفحاته.
وأغلقت الكتاب وأنا على يقين أنني لم أقرأ سيرة رجل فحسب ، بل قرأت سيرة مرحلة كاملة.
وأحسب أن هذا هو النجاح الحقيقي لأي مؤرخ؛ أن يجعلك إذا انتهيت من كتابه تشعر أنك عشت مع رجال تلك المرحلة، لا أنك قرأت أخبارهم فقط.
رحم الله الملك عبدالعزيز ورحم رجاله ومستشاريه، رحم الله حمزة غوث ، وبارك في قلم الأستاذ محمد عبد الله السيف، فقد أعاد إلى رجل من رجال التأسيس شيئاً من حقه ، وأعاد إلى الوثيقة روحها ، ولعل هذا هو أجمل ما يفعله المؤرخ.
** **
محمد العمر - بريدة