دنا الغروبُ، فتهيأت البحيرةُ لسرير صمتِها. كانت المراكبُ الصغيرةُ تلوذُ ببعضِها عند الرصيفِ الخشبيّ؛ كطيورٍ مهاجرة أضناها التحليق، بينما استبدّ بالجبل البعيدِ وَقارُه، والتحفَ غمامةً رماديةً تشي برحيلِ نهارٍ آخر.
بينما أنا واقفة أتأمل انعكاس صورتي على سطح الماء الساكن بابتسامة لم تكن نرجسية ولكنها راضية، ومع حركته الخفيفة، خُيل إليّ أنني أرى وجهاً غائباً منذ زمن.. وجه طفولتي البريئة؛ الفتاة الصغيرة التي كنتُها يوماً تنظر إليّ بعينين لامعتين مليئتين بالفرح والفضول. شعرتُ بموجة من الدفء تجتاح قلبي. التفتُّ إليها وهمستُ لها بامتنان: انظري أين وصلنا.. لقد نجحنا!
أدركتُ في تلك اللحظة أن العمر ليس قطاراً يسرق منا الأشياء، بل رحلة بناء جميلة. الطفلة التي كنتُها يوماً هي التي زرعت فيّ بذور الأمل والضحك، والمرأة التي أصبحتُها اليوم حمت تلك الأحلام وجعلتها حقيقة. أنا سعيدة بتلك الطفلة الشجاعة، كسعادتي بي اليوم.
الحياة لم تأخذ مني شيئاً، بل أضافت إليّ. أخذتُ من طفولتي بهجة البدايات وفرحة الاكتشاف، وأخذتُ من حاضري حكمة الأيام وراحة البال. لكل مرحلة من عمري جمالها الخاص ونورها الذي لا ينطفئ.
تراجعتُ خطوات عن حافة الرصيف، ومشيتُ عائدة في حين بدأت النجوم تلتمعُ في سماء البحيرة. شعرتُ بروح الطفلة الصغيرة تمسك بيدي وتمشي معي، وأدركتُ كم أنا سعيدة برضاي عن المراحل التي طويت من عمري، وعمق اللحظة التي أعيشها، وبرغم ذلك فما زال القلق يساورني بشأن الغد؛ فكرت فيه قليلًا، وأنا أنظر إلى طيور البحيرة التي مازالت تناور فرائسها على شاطئ البحيرة، وتمنيت لو أنني واحدةٌ منه، تناور قليلًا ثم تأوي إلى سلام الغروب.
** **
- حلا بنت عبد الرحمن الهلالي