يطل علينا بين حين وآخر من يصف نفسه بالمفكر، متحدثًا عمَّا ورد في القرآن الكريم في سورة الفيل، منكرًا تلك المعجزة، ومحاولًا إخضاعها لتفسيرٍ مادي أو علماني، وهو مسلك سبقه إليه بعض المستشرقين الذين سعوا إلى التشكيك في كتاب الله تعالى.
ومن الثابت في المصادر التاريخية أن أبرهة، أو أبو يكسوم، كان على رأس الحملة التي قصدت هدم الكعبة المشرفة، وخرج على رأس جيشٍ ضمَّ الفيل الذي أرسله إليه النجاشي، ومعه عددٌ آخر من الفيلة اختلفت المصادر في تحديده. وقد مرَّ أبرهة وجيشه بعدة محطات، منها بلاد خثعم ثم الطائف، وهو ما يدحض القول بأن الفيلة لا تستطيع قطع هذه المسافة، إذ كانت تُستخدم في بلاد فارس وغيرها، كما تذكر المصادر التاريخية.
أما إثبات صحة هذه الحادثة، فأعظم أدلته كلام الله سبحانه وتعالى، وهو حقٌّ لا يحتاج إلى دليل. ومع ذلك، فإننا نورد للمفكر أدلةً أخرى.
فقد حفظت الأشعار ما قاله بعض من شاركوا في تلك الحملة، ومنهم دليلها نفيل، إذ قال:
حمدتُ الله إذ أبصرتُ طيرًا
وخفتُ حجارةً تُلقى علينا.
وعند المغمس، أو ما عُرف بحابس الفيل، قال أحد الشعراء:
حُبس الفيلُ بالمغمسِ حتى
ظلَّ يحبو كأنه معقورُ.
وقال آخر:
اللهُ ربي ووليُّ الأنفسِ
أنت حبستَ الفيلَ بالمغمسِ.
كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حابس الفيل في حديثه عن ناقته القصواء عندما بركت في الحديبية، فقال: «حبسها حابس الفيل»، في إشارة إلى أن الذي منع الفيل من دخول مكة هو الذي أوقف الناقة في ذلك الموضع.
ومن الدلائل أيضًا أن العرب كانوا يؤرِّخون بعام الفيل، وهو العام الذي ترجح أغلب الروايات أنه شهد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت ذلك مصادر متعددة. كما ورد عن أحد الصحابة، عند حديثه عن مولده، أنه كان في عام الفيل، وأنه رأى روث الفيل في المغمس.
وروت السيدة عائشة رضي الله عنها أنها رأت قائد الفيل وسائسه بمكة، وقد أصابهما العمى والإقعاد، وكانا يستطعمان الناس، وهو ما عده أهل السير من الشواهد على وقوع حادثة الفيل.
أما مسيلمة الكذاب، فلم يفوت الفرصة ليدعي الوحي، فزعم أنه أوحي إليه فقال:
الفيلُ، ما الفيلُ، وما أدراك ما الفيلُ؟
له ذنبٌ وثيلٌ، وخرطومٌ طويلٌ،
إن ذلك من خلق ربنا قليل.
وقد حفظ التاريخ هذا النص شاهدًا على عجزه عن معارضة القرآن الكريم.
أما الرد على الزعم بأن الفيل لا يمكنه قطع المسافة من اليمن إلى مكة، فترده شواهد تاريخية؛ فقد حمل أحد الفيلة المحمل عام 730هـ من العراق إلى مكة المكرمة، ثم إلى المدينة المنورة، إلا أنه مات قبل دخولها، وقد تشاءم الناس من ذلك العام، وأطلقوا عليه اسم «عام الفيل».
كما أرسل تيمورلنك فيلًا هدية إلى القاهرة من آسيا، قاطعًا مسافات طويلة، حتى خرج الناس لمشاهدته وتعجبوا منه.
ويتعجب مفكرنا أيضًا من استخدام الفيلة في الحروب، مع أن المصادر التاريخية مليئة بالأخبار عن استخدامها منذ عهد الإسكندر الأكبر، ثم في الحروب التي خاضها الفرس، وفي معركة القادسية وغيرها من الوقائع التاريخية.
وأرجو من صاحب هذا الطرح أن يطالع هذه الشواهد، وأن يعيد النظر فيما قاله في حق كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
** **
أ.د.حسن عبد الوهاب حسين - قسم التاريخ جامعة الأسكندرية