قرأتها الأسبوع الماضي
مُستهل: اشتباك الهوية في زمن السيولة.
بين جلاميد الفلسفة الأولى وهشاشة الأثير المعاصر، ثمَّة زلزال وجودي صامت يعيد هندسة الكائن البشري والمجتمع على حد سواء. في الأزمنة الغابرة، كان الإنسان ينحت هويته من صخور مرجعيات صلبة شديدة الموثوقية؛ يتجذر في يقين ديني مستقر، ويتحصن بروابط أسرية حيَّة، تؤطرها أبعادٌ مكانيةٌ واجتماعيةٌ تمنحه وزناً وجودياً ملموساً. غير أن هذه الرواسي العتيدة تهاوت بعنف تحت مقاصل «السِّيولة الرقمية»(Digital Fluidity)، لتتحقق نبوءة عالم الاجتماع زيغمونت بومان حول «الحداثة السائلة(Liquid Modernity)» بأعمق تجلياتها؛ ومشكِّلةً انزياحاتٍ قيميّةً ومفاهيميّةً حرجةً ضربت عميقا في المكون الاجتماعي ومآثره، بعد أن ترهلت الهياكل البنيوية وتفككت الروابط المتينة أمام نقرات ناعمة لأزرار إلكترونية لا تكف عن محو كل ما هو مستقر.
إن إنسان الحداثة الفائقة يتبدى اليوم متسمراً أمام شاشته الزرقاء، ليمارس بآلية «التمرير اللانهائي(Infinite Scroll)» فعلاً حركياً غير واعٍ، يُدخله في غيبوبةِ إدراكٍ وتغافلٍ مستمرٍ عن ذاته، مدفوعاً بوهم أنه الكائن الأكثر اتصالاً في التاريخ، بينما ما برحَ يرزح في واقع الأمر تحت وطأة الاغتراب الحاد والخواء الوجودي. إننا أمام تحول بنيوي خطير في آليات تشكُّل الوعي؛ حيث ينصهر الزمن وتغيب الغائية الإنسانية إذعاناً لتسليع الانتباه الذي تبتغيه الخوارزميات وصنّاع منصات المقاطع القصيرة كـ (TikTok، وInstagram Reels، وYouTube Shorts).
وفي خضم هذا الضجيج الرقمي، يرتفع تشخيص الفيلسوف الألماني-الكوري بيونغ تشول هان (Byung-Chul Han)كصرخة إنذار هزَّت آليات النيوليبرالية الرقمية؛ معلناً تحول الإنسان من كائن متأمل ومستمع يملك مسافة للنظر والتدبر، إلى مجرد مستهلك رقمي منضوٍ في سرب افتراضي، تتلاشى داخل تدفقه السريع إمكانية التفكير العميق، ويهشّم الأفكارَ إلى شظايا معرفية متناثرة تستثير الغرائز السطحية، مُقصياً الهوية الثابتة لصالح سرديات سيالة خاضعة لـ «التريندات» ومؤشرات المشاهدة.
كوجيتو جديد: «أنا أتصفّح.. إذن أنا مُختطَف».
تحت وطأة هذا التسييل الجارف، جرى تحويرٌ جذري للكوجيتو الديكارتي الشهير، ليصبح إنسان اليوم محكوماً بمعادلة اجتماعية جديدة: «أنا أتصفّح، إذن أنا مُختطَف». لقد اختُزل الكيان البشري في صورةٍ رقميةٍ باهتة، وتحوّلت «الغيرية» من شريكٍ وجداني إلى مجرد عدَّادٍ رقمي؛ نطلب منه صك الاعتراف بالوجود الفوري. هذا اللهاث المحموم ليس سلوكاً عبثياً، بل هو عَرَض مرضي لأزمة وجودية تغذيها متلازمة «الفومو(FOMO)»، حيث يتحول «الخوف من الفوات الافتراضي» إلى سوطٍ سيكولوجي مستمر يطارد الذات برعب النفي، ويهدد كينونتها بالعدم. وللبقاء داخل هذا السيل الجارف وتفادي الإقصاء، يضطر الفرد لتبني «الهوية الحربائية السائلة»؛ وهي هوية مائعة تتلون قيمها الأخلاقية مع كل موجة خوارزمية جديدة لتضمن الرضا الإحصائي، مِمَّا يحرم العقل تماماً من بناء النواة الصلبة للشخصية.
لم يعد أثر هذا التسييل تنظيراً فلسفياً مَحضاً، بل بات حقيقةً مخبريةً دامغةً تُعززها تقارير جمعية علم النفس الأمريكية(APA) وأبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا(MIT)؛ حيث أثبتت فحوصات الرنين المغناطيسي وتخطيط أمواج الدماغ أن التمرير اللانهائي للمقاطع الوجيزة يُحدث اختطافاً عصبياً حاداً. إذ تضخ هذه الشاشات دفقاتٍ عشوائيةً ومستمرةً من الدوبامين، بوصفه الناقل العصبي المسؤول عن كيمياء المكافأة واللذة المؤقتة في الدماغ، مدفوعةً بخوارزميات تتبع «جداول التعزيز المتقطع(Intermittent Reinforcement)» التي تحاكي آليات الجذب والتحفيز السلوكي في تصميم الألعاب الرقمية الإدمانية، مِمَّا يدخل الدماغ في حالة ميكانيكية لا واعية تسمى سيكولوجياً بـ «تعفن الدماغ المعرفي(Cognitive Brain Rot)» وهو ما كان قد استشرفه الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو، حين حذر مبكراً من الانغماس في تفاهات الأخبار وما يغلب عليها من ثرثرات سطحية، بلغت ذروتها اليوم في الفضاء الرقمي لتساهم في تشويه الفكر الإنساني المعاصر وتسطيحه.
بالأرقام: كلفة التشتت المعرفي.
ويتضاعف خطر هذا الاختطاف العصبي عندما نُفكّك آلياتِ الانتقال الذهني والتبديل الرقمي المستمر(Task-Switching)ونقف على كلفته الباهظة؛ إذ تُظهر دراسات علم النفس المعرفي أن محاولات تعدد المهام بين الشاشات تستنزف ما يصل إلى 40% من الإنتاجية اليومية للفرد. هذا الاستنزاف يتبدى بوضوح في ظاهرة «ثمالة الانتباه «(Attention Residue)التي فككتها الدكتورة صوفي ليروي بجامعة واشنطن؛ حيث أُثبتت مخبرياً أنه حتى لو استغرق الالتفات الخاطف للهاتف خمس ثوانٍ فقط، فإن جزءاً من طاقة الدماغ يظل عالَقاً في المنصة الرقمية، ليمتد أثر هذا التشتيت لفترة تتراوح بين 15 إلى 20 دقيقة قبل أن يستعيد العقل كفاءته التركيزية الكاملة.
هذا النمط الفوضوي يعيد توجيه الدماغ ليعتمد حصرياً على المعالجة الحسية الغريزية المؤقتة للمؤثرات البصرية المفاجئة، معطلاً قدرتَه على تفعيل المعالجة الإدراكية العميقة المسؤولة عن التدبر ورسم معالم الحياة. وفقاً لأبحاث مختبرات الإدراك البشري في جامعة ميشيغان، فإن المقاطعة الرقمية أثناء معالجة المهام المعقدة تؤدي إلى مضاعفة الأخطاء الذهنية بنسبة 100%، وتتسق هذه النتيجة مع الدراسات الميدانية للبروفيسور جلوريا مارك في جامعة كاليفورنيا، والتي تلخصها في كتابها الحاسم «مدى الانتباه(Attention Span)» الصادر عام 2023م؛ حيث رصدت انكماشاً مُخيفًا لزمن التركيز البشري المستدام على الشاشات من دقيقتين ونصف في عام 2004م، ليتآكل بضراوة ويصل إلى حافة 47 ثانية فقط في العقد الحالي!
إن هذا التشتيت المتواصل لا يضرب كفاءة الأداء فحسب، بل يمتد ليعطل القدرات العقلية العامة؛ حيث رصدت تجارب «معهد الطب النفسي في كينجز كوليدج لندن» تفشي ظاهرة «الإنفومانيا(Infomania)» -أو هوس الإشعارات- والتي تسببت في انخفاض مؤقت في معدل الذكاء (IQ) بمقدار عشر درجات لدى الأفراد الواقعين تحت تأثير ضغط الإشعارات المستمرة.
ونتيجةً لهذا الحمل المعرفي الزائد وتآكل الذاكرة العاملة، تنخفض القدرة على التركيز المستدام بنسبة تصل إلى 31 %، بل وتتلاشى تماماً تحت مقصلة الثواني الـ47، مما يخلق لدى المستخدم وهم التعلم والامتلاء الزائف. ورغم أن الجيل المعاصر يحاول تطوير أنماط تكيفية، إلا أن ضراوة الهندسة السلوكية للخوارزميات تظل متفوقة على القدرات التطورية الطبيعية للدماغ البشري. إن هذا التفتت المعرفي المُقاس مخبرياً بالثواني والدقائق لا يقف عند حدود تدمير ملكة الانتباه فحسب، بل يمتد ليعيد تشكيل إدراكنا للوقت نفسه، مُحجِّماً وجودنا خلف الشاشات ليلقي بنا في فضاء سيكولوجيا الزمن النقطي ومصفوفة التواطؤ البنيوي.
الزمن النقطي ومصفوفة التواطؤ
ينعطف هذا الأثر المدمر ليعيد صياغة مفهوم الزمن والروابط الإنسانية بشكل يهدد النسيج الإنساني المشترك. ففي كتابها «معاً بمفردنا(Alone Together)»، تثبت عالمةُ الاجتماع شيري تيركل أن التكنولوجيا المعاصرة تمنحنا وهم الرفقة دون استحقاقات الصداقة وتكاليفها الوجدانية، بعد أن استبدلت الروابط الوثيقة بالعلاقات الشبكية الهشة التي تتميز بسهولة الخروج منها بضغطة زر؛ كالحظر(Block)، أو إلغاء المتابعة(Unfollow)، أو الكتم(Mute)، مِمَّا فاقم مشاعر الوحدة الحقيقية خلف أقنعة التفاعل البراق.
وامتدادا لهذا التفتت، وفقُا لـ زيغمونت بومان، تحوّل الزمن إلى «زمن نقطي» متقطع لا رابط بين أجزائه، تجسده القصص اليومية المبتورة(Stories)التي تولد لتموت بعد أربع وعشرين ساعة فقط، ليسجن المستخدم في حاضر دائم متوهماً تحصيل الوعي من مقطع مدته دقيقة واحدة أو أقل، ومبتعداً كلياً عن بناء سردية كبرى لحياته. إن اختزال هذه الأزمة في ملامة الفرد المستهلك هو تسطيحٌ مخلٌّ بأبعادها الكلية؛ فالسيولة الرقمية ليست خياراً سلوكياً عابراً، بل هي منظومةٌ بنيوية محكمة تتقاطع في فلكها ثلاث دوائر كبرى للتواطؤ:
1. اقتصاد الانتباه والرأسمالية الرقمية: حيث يصمم مهندسو الخوارزميات هذه الفضاءات لتعطيل الهدوء والعمق تحقيقاً للأرباح الإعلانية؛ إذ تعتمد المنصات على آليات مثل «التمرير اللانهائي» الذي يشبه تدوير عجلة أجهزة القمار في الكازينوهات؛ حيث يتم إغراق المستخدم بإعلانات مموهة بين المنشورات أثناء بحثه الدائم عن إشعار جديد. هذا التشتيت المتعمد يمنع العقل من الإغلاق المعرفي ليضمن استمرار المشاهدة المربحة؛ لأن استقرار المستخدم المعرفي يعني توقف التدفق المالي.
2. انسحاب المؤسسات الوسيطة والصلبة: واكب توحش الرأسمالية الرقمية انهيارٌ متسارعٌ في دور الأسرة؛ إذ لم يكن هذا الانهيار مجرد استسلام طوعي لطوفان الرقمنة، بل نتيجة استهداف بنيوي تعمّق في عصر النيوليبرالية المتأخرة. تسعى هذه المنظومة لتفكيك الكيانات الوسيطة وسلب الأسرة سلطتها الوالدية، مستبدلة إياها بـ «سلطة القاصر الاستهلاكية»؛ حيث بات قرار الطفل المشوه معرفياً يعلو فوق قرار الأسرة المرجعي. وهنا تحولت الشاشات إلى أداة إلهاء بديلة، وسياج قيمي يربط الفرد المعزول بالسوق مباشرة. وتزامن هذا التفكيك الأسري مع انكفاء المؤسسات التعليمية عن تدريب الطلاب على التفكير النقدي وبناء الحصانة الذاتية، وصولاً إلى انجراف بعض النخب والمختصين ليتحولوا إلى «صناع محتوى» ديدنهم تعويض الأنا الواقعية من خلال لهاث محموم تجاه تصدر المشهدية الرقمية.
ويتجلى هذا الانجراف بوضوح عيان في فضاء «المساحات(Spaces)» عبر منصة إكس؛ حيث تبرز ظاهرة فاقعة يمكن تسميتها بـ «سلطة المايك»، وهي سلطة وهمية لا تعكس سوى ذلك الجانب الخفي لشخصيات تتصدر المشهد مدفوعة بـ «الأنا المتضخمة(The Inflated Ego)»، بيد أن الإشكال هنا لا يكمن في فاعلية التحدث أو المشاركة الرقمية بحد ذاتها؛ بل في تلك النزعة القهرية للاستئثار والاستحواذ؛ حيث يتحول «المايك» من أداة حوار إلى قناع تعويضي يبحث عبره المتصدر عن ترميم تصدعات ذاته الهامشية في الواقع. وهنا تحديداً يتبدى ما أسماه الطبيب النفسي فيكتور فرانكل بـ «الفراغ الوجودي»(Existential Vacuum).
3. استسلام الفرد الطوعي: حيث يتكامل هذا النسق البنيوي مع هروب الإنسان من استحقاقات أهدافه الحياتية؛ مرتدّاً نحو حضن التشتت اليومي. إنه يمارس هنا ما يُعرف في أدبيات التحليل النفسي عند (لاكان وزيزيك) بـ «اللذة المتناقضة(Jouissance)»؛ وهي تلك المتعة القهرية التي يستعذبها الكائن رغم أنها تفكك وعيه وتستنزف كينونته، مستسهلاً دور الضحية لقاء اعترافٍ رقميٍّ موهوم. يتماهى تحديداً مع ما أسماه الطبيب النفسي فيكتور فرانكل بـ»الفراغ الوجودي» في أقصى تجلياته؛ إذ كلما عجز الإنسان المعاصر عن نحت غاية داخلية صلبة لواقع كينونته، اندفع مجبراً لملء هذا الخواء بأقنعة الشاشات المستعارة وتفاعلات شبكية واهية لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن تشتيت الانتباه إلى شظايا -في وقت- لا تتجاوز الـ 47 ثانية، يحرم العقل تماماً من ممارسة «التأمل الارتدادي الحياتي(Reflective Thinking)»؛ ونعني به: قدرة الفكر على كبح سرعة التلقي لمراجعة الذات. فهذه الآلية هي الجسر الذهني الوحيد لربط الحوادث اليومية بسياقٍ قيميٍّ أكبر، ومع عجز الذاكرة العاملة عن بناء هذا السياق، يسقط المعنى وتتسلل العدمية الرقمية السائلة. وأمام هذا الانسحاق المعرفي، تبرز اليوم الضرورة الوجودية الملحة للانتقال من تشخيص المأزق إلى هندسة المواجهة.
المقاومة بالعمق واستعادة الكينونة
إن أزمة المعنى واختطاف الوعي الاجتماعي في العصر الرقمي ليست قضاءً مبرماً، بل هي معركة انتباه ووعي في المقام الأول. والسبيل الوحيد لردع هذه السيولة الجارفة يكمن في استراتيجية «المقاومة بالعمق(Resistance in depth)»، وهي مواجهةٌ لا تنطلق من استدعاءٍ ساذج لروحانية فرانكل، بل من مخاضٍ قاسٍ لإعادة ترميم الذات البشرية أولاً، قبل مطالبتها بإنتاج المعنى. لذا، تتجلى هذه الاستراتيجية في ثلاثة محاور متكاملة، تتجاوز الجهد الفردي المعزول نحو الإصلاح البنيوي الشامل، مستلهمةً ترياقها من الأطروحة الوجودية التي تؤكد أن المعنى يُكتشف بالالتزام الحقيقي، لا بالاستهلاك العابر:
أولاً: المقاومة بالبطء .. ترميم الذات الفردية
ويتحقق ذلك بالانتقال بوعي تام من حالة الاستهلاك العشوائي إلى «التقليلية ونخبوية التلقي»، عبر فلترة صارمة للمصادر والعودة للمراجع الصلبة كالكتب والمقالات المطولة. يرافق ذلك تدريب العقل مجدداً على طقوس التركيز العالي الممتد، وفصل التجربة الحياتية العضوية عن التوثيق الافتراضي الفوري؛ بحيث يعيش الإنسان اللحظة بذاتها ولذاتها لبناء وعيه، متحرراً من الرغبة الجارفة في سلعنتها خوارزمياً.
إنها دعوة لاستعادة «الحرية الروحية الأخيرة» كما صاغها فرانكل؛ وهي حرية الفرد المطلقة في اختيار موقفه العقلي والمسؤول، والامتناع طوعاً عن الغرق في هذا التدفق الشبكي، وصناعة إنجاز حقيقي ملموس يعيد تفعيل المعالجة الإدراكية العميقة.
بيد أن تفعيل هذه «الحرية الروحية» في مواجهة اختطاف عصبي منظم، يستلزم تسييج الوعي المحض بـ «هندسة البيئة الفيزيائية» أولاً؛ كالحجب القسري للمشتتات، والالتزام ببروتوكول الصيام الممنهج للتعافي من «السموم الرقمية(Digital Detox)»، فهذا الانقطاع الواعي يمنح العقل فرصة للالتئام الفسيولوجي والفكاك من أسر التسييل، قبل مطالبته بتشييد معناه الصلب.
ثانياً: المقاومة بالأداة: هندسة الاشتباك الخارجي
وإذا كانت التقليلية الفردية السابقة تمثل المرساة الداخلية لحماية الذات من الغرق، فإن هذا المحور يمثل أداة الاشتباك الخارجي مع العصر؛ إذ يجب ألا تُفهم المقاومة بالعمق على أنها نكوص راديكالي نحو الماضي أو قطيعة تامة مع العصر، فالجيل المعاصر -الجيل Z و ألفا- يرى في الرقمية بيئته الوجودية الأولى. لذا، تبرز الحاجة إلى منظور توليدي يسعى لإنبات المعنى من داخل الفضاء الرقمي نفسه.
ويتحقق ذلك عبر توطين الوعي؛ وذلك بتأسيس وتدعيم «جزر رقمية صلبة»(كالمجتمعات المعرفية الافتراضية، ومنصات البودكاست الفلسفي المعمق، والمدونات الفكرية الرصينة)، وتحويل الفضاء الرقمي من سوق لتجارة الانتباه السطحي إلى ميدان للمقاومة المعرفية ونشر العمق؛ لتتحول الأداة الرقمية خادماً ممتثلاً لوعي الإنسان وغائيته، لا سيّداً مستعبِداً لكيانه.
ثالثاً: مأسسة المناعة: ردم الفجوة البنيوية
وبما أن الأزمة بنيوية، فإن مواجهتها تتطلب مأسسة المناعة عبر مسارين رئيسين؛ يتصدرهما المسار التعليمي والاجتماعي: ويتحقق بجعل «ال تربيةِ الإعلاميةِ والحصانة الذاتية» ركيزةً أساسية في المناهجِ الحديثةِ تحصيناً للأجيالِ من الاختطافِ المعرفيِّ. إذ في معايشة ميدانية حية مع طلاب المرحلة الثانوية، يلمس التربويون بوضوح عيان عمق هذا التشتت الذهني الحاد؛ حيث لم يعد الطلاب قادرين على تحمل الجرعات التعليمية الممتدة كما كان في السابق، وهي ظاهرة تُعزى مباشرة إلى التطبّع السلوكي الرقمي الناجم عن آلية التمرير اللانهائي للمقاطع الوجيزة. هذا الواقعُ المأزومُ يفرضُ ضرورةً قصوى لمراجعةِ الأدواتِ التربويةِ والنفسيةِ التقليديةِ، وابتكارِ استراتيجياتِ تدريسٍ خلاقةٍ تُشرِّح الطبيعةَ السلوكيةَ الفريدةِ لهذا الجيلِ؛ لانتزاعهِ من غيبوبةِ الإدراكِ نحو فضاءِ التفكيرِ اليقظِ.
ومن هذا المنطلق، تتجلى ريادة هذا التوجه ملموسةً في التجربة التعليمية السعودية التي زاوجت باقتدار بين تمليك الأداة وصناعة الوعي؛ إذ لم تكتفِ بإقرار مادة «المهارات الرقمية(Digital skills)» اتساقًا مع رؤية 2030م؛ لترسيخ الفكر الحاسوبي البنّاء، بل عززتها تعليميا بمادة لا تقل أهمية هي «التفكير الناقد(Critical Thinking)»؛ بوصفها الترياق المعرفي لتسليح الطلاب بملكات التفكيك والمساءلة والفرز الأخلاقي لكل ما تبثه الخوارزميات السيالة. إن هذا التكامل المنهجي يضمن نهوض جيلٍ يعيد امتلاك التقنية كعقلٍ خلاّق، لا كمستهلكٍ مستلب.
يرافق ذلك على الصعيد الاجتماعي استعادة البنى العضوية من خلال إحياء المجالس الفكرية والاجتماعية الفسيحة، وتمتين الصداقات الحقيقية على أرض الواقع؛ تلك العلاقات الفيزيائية الحية والمستقرة التي تملك القدرة على تحمل عبء الحوار والوقت، وتمنح الكيان البشري وزناً وجودياً عميقاً، وتفتح نافذة الالتقاء الإنساني الحميم التي عدّها فرانكل ركناً أساسياً في العثور على الغائية الوجودية الجوهرية.
المسار التشريعي والتكنولوجي:
البدء في تفعيل حراك سيادي وتشريعي حازم لفرض «أنسنة التكنولوجيا»؛ ويتحقق ذلك إجرائياً عبر جبهتين حاسمتين:
أ- الانخراط الفاعل في موجة المقاضاة الدولية والمساءلة القانونية الجارية ضد شركات التقنية العابرة للقارات، لانتزاع تشريعات صارمة تُجبر هذه الكيانات على تقييد «خوارزميات التصميم الإدماني السلوكي»، والكف عن التمادي في سلعنة الانتباه البشري.
ب- إلزام المنصات تقنياً بدمج معايير قياسية للصحة النفسية الرقمية ضمن واجهات الاستخدام (UI/UX) ومسارات التفاعل البصري والسلوكي مع الشاشة؛ وذلك بفرض فواصل زمنية إجبارية مُعطِّلة للتمرير اللانهائي بعد فترة محددة، ومنح المستخدم أدوات سيادية واضحة تضمن حقه الفسيولوجي في الهدوء المعرفي. إن نقل ساعة الحسم إلى قاعات المحاكم وشفرات البرمجة هو السبيل الوحيد لتحويل هذه الفضاءات من ساحات استلاب مستمر إلى بيئات داعمة للبناء الفكري والكينونة الصلبة.
في نهاية المطاف، إن المعنى لا ينمو في العزلة المطلقة، ولا في الضجيج الافتراضي، بل يولد في المساحات الهادئة من الوعي الذاتي، وعبر الروابط الإنسانية الحيّة التي لا ترتهن لما يفرضه «التريند» في تموجاته المتلاحقة. وأمام هذا التلاشي المتسارع لمركزية الإنسان، تبرز الضرورة الوجودية الملحة للاستشكال والمقاومة؛ ليس فقط لتفكيك سيكولوجيا السرب الرقمي، بل لإعادة بناء المرجعيات الصلبة، واستعادة الغائية المفقودة، ورسم معالم حياة حقيقية من قلب هذا التسييل الجارف.
إن الرهان المعاصر ليس صراعاً على حيازة التكنولوجيا، بل هو معركةٌ لاسترداد السيادة الكاملة على العقول. فالخيارات أمامنا باتت حدّية: إما أن نكبح جماح هذا الانقياد المستسلم فوق الشاشات، أو نُسلّم كينونتنا طوعاً للذوبان في ركام الرقمية الفائقة.
** **
- علي آل طالب