«في شتاء عام 1988م جمعت جلسة حوارية أحد أساتذة جامعة محمد الخامس بالرباط مع مستعرب هولندي، على هامش إحدى التظاهرات الثقافية العربية بمدينة أوتريخت. والأستاذ هو نجيب العوفي، ويقول: تطرق الحديث خلال الجلسة إلى الأدب الفارسي الحديث، ولما وجد المستعرب الهولندي بضاعتي فيه ضحلةً وضئيلةً لا تكاد تغني ولا تسمن من جوع، فوجئ بذلك، واستبد به الاستغراب، في الوقت الذي استبد بي الخجل والحرج. ثم أردف مستغربًا بقولة قارصة ما فتئت أصداؤها ترن في ذاكرتي: عجبًا! كيف تتقصون تفاصيل الأدب الغربي ودقائقه، وتغفلون الأدب الشرقي، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد؟».
ما وراء النهر، ص352.
الأدب عالم إنساني قبل كل شيء، لذلك لن أحاول نقل الماء العذب من ضفة إلى أخرى بحجة أن هذه شرق وتلك غرب، بل لنستمتع جميعًا؛ فالماء عذب، والنهر يجري، والأدب يتدفق عبر التاريخ. والزمن غربال يعمل بأدواته المعقدة على تمحيص الآداب العالمية؛ فمنها ما يبقى، ومنها ما يذوي، وقد يعيد الزمن إحياء شيء منسي، كما حدث عندما اكتشف المستشرق ديرنبورغ، عام 1880م، وبمحض المصادفة، في مكتبة الإسكوريال، كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ، فكتب له بذلك حياة أخرى.
ساهمت في بقاء «الأوديسة» حالة من التعقيدات الزمنية والثقافية يصعب تفكيكها قطعةً قطعةً؛ فالغموض أحد ألاعيب الزمن، وأحد أسرار البقاء، ليظل البحث والكشف وإعادة القراءة ممكنًا من زوايا إنسانية أو نفسية، وربما سياسية أيضًا. غير أن ثمة إشارات واضحة، من أهمها أن الملاحم الهوميرية لم تصل إلينا كنصوص مبتورة عن جذورها، بل جاءت محمولة على حضارة عظيمة يخترق أثرها حاضرنا حتى اليوم في الفلسفة والفكر والمسرح وسائر الفنون. وحتى على المستوى المادي، ما تزال الآثار اليونانية شاهدة على حضور تلك الحضارة. وعندما يعيد عالم اليوم قراءة «الأوديسة»، فإنه يقرؤها بوصفها نصًا واحدًا، بينما تستحضرها الذاكرة الإنسانية ضمن عالم متكامل، صاغته المنحوتات، واللوحات، والأساطير، وسائر الفنون.
هل ساعدت أوروبا «الأوديسة» على البقاء، أم ساعدت «الأوديسة» أوروبا؟
بعد استقرار الدول يؤخر السيف، ويُقدَّم القلم، كما في نظرية ابن خلدون الشهيرة. وعندما حان دور هذه النظرية في نهضة أوروبا، بدأ عصر القلم، بما يمثله من علم وثقافة وأدب، فشرعت أوروبا تبحث عن أصل ثقافي تستند إليه.
وجدت أمامها الأدب اليوناني، كما وجدت الأدب الأندلسي، غير أن الثاني ظل مرتبطًا بورثته ولسانه الحي، بينما بدا الأول تراثًا إنسانيًا مشتركًا، يتنازعه الشرق والغرب. ومن هنا بدأت الحكاية؛ إذ تشبثت أوروبا بهذا الإرث الضخم الراسخ على ضفاف البحر المتوسط، واستثمرته في مشروعها الحضاري، حتى أصبح الأدب اليوناني أحد أعمدة السردية الثقافية للنهضة الأوروبية. وأسهمت قوة الحضارة الأوروبية الحديثة في ترسيخ حضوره عالميًا، مستعينة بمؤسساتها التعليمية والثقافية، وبالفنون المختلفة، وليس أقلها السينما التي مثلت إحدى أقوى أدوات إعادة إنتاج هذا التراث.
كيف اكتشف الشرق «الإلياذة» و«الأوديسة» قبل الغرب؟
ينبغي أن نفهم أولًا أن الأدب العربي لم يتعرف إلى الملاحم اليونانية في صورتها الكاملة إلا عبر لغات وسيطة، بعد أن انبهر بما قدمته الحضارتان اليونانية والأوروبية في مختلف ميادين الفكر والثقافة. ثم بدأ البحث عن النصوص الأصلية ولغتها.
وكان سليمان البستاني من أوائل من ترجم «الإلياذة» مباشرة عن اليونانية، ونشرت ترجمته عام 1904م، في أول محاولة عربية جادة لتقديمها شعرًا. وقد خُيِّل إليَّ، وأنا أقرؤها، أنه يطرق أسماء الآلهة اليونانية بالمطارق حتى تستقيم في أوزان الشعر العربي وتسبح في بحوره.
كما قدم دريني خشبة ترجمة أخرى حاول، كما قال، أن تلبي ذوق الجيل، غير أنه أكثر فيها من توظيف التراكيب القرآنية بطريقة لافتة. وكذلك تصدى لترجمة الملاحم أمين سلامة وأحمد عتمان، وتبقى الترجمة خاضعة، في النهاية، لكيمياء خاصة بين النص والقارئ.
لكن السؤال المربك هو: لماذا لم يتفاعل الأدب العربي مع هذه الملاحم إلا بعد أن شاع تداولها باللغتين الفرنسية والإنجليزية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يحسن أن نتذكر حركة الترجمة الكبرى في العصر العباسي، حين جُنِّد المترجمون في عهد المنصور والرشيد، وبلغت الحركة ذروتها في عصر المأمون. وكانت مؤلفات أرسطو وشروحها، وتعليقات أفلاطون، متاحة للقارئ العربي آنذاك. ولم تكن دار الحكمة مجرد مكتبة عامة، بل كانت مؤسسة ثقافية كبرى تعنى بالترجمة والنشر والتأليف. وكان فضل بن نوبخت من أبرز المشرفين على حركة الترجمة، ثم جاء بعده حنين بن إسحاق، الذي توثق كتب التاريخ رحلاته في جمع التراث اليوناني.
وتقودنا الإجابة إلى التاريخ أيضًا؛ إذ يذكر ابن العبري (ت 685هـ)، في كتابه «مختصر الدول»، هوميروس بقوله:
«وفي هذا الزمان كان أوميروس الشاعر… وقد وضع كتابين في الحروب التي جرت بين اليونانيين على مدينة إيليون، ونسختاهما موجودتان عندنا بالسريانية، وهما مشحونتان بالألغاز والرموز.»
ثم يقول في موضع آخر عن توفيل بن توما الرهاوي:
«نقل كتابي أوميروس الشاعر على فتح مدينة إيليون من اليونانية إلى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة.»
ولأن ابن العبري كان سريانيًا يجيد العربية، فإن حديثه يؤكد وجود ترجمة سريانية للملاحم الهوميرية. ومن المعروف أن السريانية كانت إحدى أهم اللغات الوسيطة في حركة الترجمة بين اليونانية والعربية، وهو ما يفتح باب التساؤل حول مدى حضور هذه الملاحم في الثقافة العربية المبكرة، وإن لم تصل إلينا نصوص عربية كاملة لها.
كما تذكر بعض كتب التراجم والسير إشارات متفرقة إلى اطلاع بعض علماء العرب على أشعار اليونان، لكنها لم تحظ بانتشار واسع.
الكولونيالية وتشكيل الذائقة الأدبية
لعل الثقافة العربية القديمة لم تستسغ الملاحم الهوميرية كما لم تستوعب المسرح اليوناني بالقدر نفسه، حتى جاءت المرحلة الكولونيالية، التي مارست -بحسب إدوارد سعيد- سلطة المعرفة بوصفها أداة من أدوات الهيمنة. فدخل الأدب العربي مرحلة واسعة من المثاقفة (Acculturation) مع الحضارة الغربية التي كانت تفرض حضورها عالميًا.
ولا غضاضة في التأثر بالآداب الأجنبية؛ فالأدب الذي لا يتأثر يظل أدبًا جامدًا، كما أنه لن يؤثر في غيره. غير أن الموقف المتوازن يظل ما عبر عنه الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب بقوله:
«أنا أحترم التراث، لكن لا أسكن فيه، وأحترم الوافد، لكن لا أذوب فيه.»
** **
- عبدالرحمن موالف