إن أمن المملكة العربية السعودية خط أحمر، واستهداف مطاراتها ومنشآتها الحيوية ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل اعتداء على أمن الدولة واستقرار المنطقة ومصالح المجتمع الدولي، وأي محاولة لفرض الإرادة السياسية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وتعطيل الملاحة الجوية والبحرية تمثل نهجًا خطيرًا لا يجوز التساهل معه أو مكافأته بتنازلات سياسية.
لقد تجاوزت مليشيات الحوثي بهجماتها على المنشآت الحيوية، حدود المواجهة التقليدية، ووضعت نفسها أمام مسؤولية مباشرة عن تداعيات التصعيد الذي تدفع المنطقة بأسرها ثمنه، فلا يمكن لمن يوسع دائرة النار أن يطالب الآخرين بالتفاوض وكأن شيئًا لم يحدث، ولا يجوز أن تتحول الهجمات على المدنيين والمرافق الحيوية إلى أوراق ضغط تمنح منفذيها مكاسب على طاولة المفاوضات.
الموقف السعودي ينطلق من معادلة واضحة لا لبس فيها: لا سلام مستدامًا تحت التهديد، ولا تسوية ناجحة من دون ضمانات أمنية حقيقية، ولا دور موثوقًا لأي طرف يدّعي الوساطة ما لم يثبت عمليًا قدرته على المساهمة في وقف التصعيد، فالمفاوضات ليست غطاءً لإعادة ترتيب أوراق القوة، ولا ينبغي أن تكون مكافأة لمن يعتقد أن استهداف المنشآت الحيوية سيجبر الرياض على تقديم تنازلات.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لإيران أن تطرح نفسها وسيطًا في مسار التفاوض بين المملكة والحوثيين، فيما تواصل دعمها للجماعة الحوثية الإرهابية وتسليحها؟ إن أرادت طهران إثبات جديتها، فعليها أن تقدم خطوات عملية قابلة للتحقق تسهم في وقف الهجمات وإنهاء الانقلاب، لا أن تكتفي بالتصريحات الدبلوماسية بينما تستمر المنطقة في دفع ثمن التصعيد.
إن المملكة العربية السعودية ليست مطالبة بالقبول بمعادلات تُفرض عليها تحت ضغط السلاح، ومن حقها حماية سيادتها ومواطنيها ومنشآتها ومصالحها الاقتصادية، وفقًا للقانون الدولي، كما أن المجتمع الدولي مطالب بموقف واضح يرفض استهداف المطارات والمنشآت المدنية، ويحول دون استخدام أمن الطاقة والملاحة الدولية أدوات للمساومة السياسية.
لم تعد هجمات مليشيات الحوثي على المملكة العربية السعودية مجرد رسائل عسكرية عابرة، بل تحولت إلى تصعيد يستهدف المنشآت الحيوية والمطارات وشرائين الملاحة، في محاولة لرفع كلفة المواجهة على الرياض والمنطقة بأكملها، فحين تصبح المطارات المدنية والمنشآت النفطية أهدافًا للصواريخ والطائرات المسيّرة، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي تقليدي، بل أمام تهديد يتجاوز حدود اليمن ليطال أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
ما شهدته المملكة خلال الأيام الماضية من هجمات على مطار الملك خالد الدولي ومنشآت نفطية سابقة، بينها منشآت تابعة لشركة أرامكو، يعكس اتساع دائرة المواجهة وخطورة انتقالها إلى أهداف تمس حياة المدنيين وحركة الطيران وإمدادات الطاقة، وقد تحدثت تقارير إعلامية عن سقوط قتلى وعدد من المصابين جراء الهجمات على مطار الرياض، فيما تسببت الضربات في تعطيل حركة الطيران وإغلاق المطار، وهذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة في حماية المدنيين ومنع استهداف المرافق الحيوية.
إن النهج الذي تتبعه جماعة الحوثي، والقائم على رفع كلفة المواجهة عبر استهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية، يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، فهل المطلوب الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب في اليمن، أم فرض معادلة تقوم على التهديد المستمر وابتزاز الأطراف الإقليمية؟ إن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة للضغط على المطارات والمنشآت النفطية لا يصنع سلامًا، بل يوسع دائرة الخوف ويضاعف احتمالات الانفجار.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بالموقف الإيراني الذي يدعو إلى الحوار بين السعودية والحوثيين، ويعرض المساعدة في تسهيل المفاوضات بعد تصاعد الهجمات على المملكة، فقد نقلت تقارير صحفية لا نعرف مدى دقة ما نقلته أن طهران دعت الرياض إلى الحل الدبلوماسي، محذرة من أن استمرار الخيار العسكري سيزيد تعقيد الأزمة، وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف يمكن لإيران أن تتحول إلى وسيط في أزمة يرتبط أحد أطرافها بعلاقة وثيقة معها، بينما لا تزال الاتهامات بشأن دعم الحوثيين عسكريًا وسياسيًا قائمة؟ إن الوساطة الحقيقية لا تقوم على استثمار النفوذ لتحقيق مكاسب سياسية، وإنما على ممارسة ضغط فعلي لوقف الهجمات وضمان احترام الاتفاقات، وإذا كانت طهران جادة في الدعوة إلى التهدئة، فإن الاختبار الحقيقي ليس في التصريحات الدبلوماسية، بل في قدرتها على المساهمة في وقف التصعيد ومنع استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية.
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا للحرب والصراع الداخلي، ولا يجوز التعامل مع معاناتهم باعتبارها رقمًا عابرًا في نشرات الأخبار، فالحروب لا تقتل البشر وحدهم، إنها تترك وراءها مجتمعات مثقلة بالفقر والخوف والكراهية، وتزرع خلافات قد تستمر أجيالًا، وكل يوم إضافي من التصعيد يعني مزيدًا من الأعباء على شعب أنهكته سنوات الصراع، فالسلام لا يُبنى بالصواريخ، ولا تُصنع التسويات تحت تهديد المطارات والمنشآت النفطية. وإذا كانت إيران تريد أن تكون جزءًا من الحل، فعليها أن تثبت ذلك بالفعل، لا أن تكتفي بالدعوة إلى التفاوض بينما تتسع دائرة النار.
** **
- خالد خازر الخريشا