حين تُقاس القوة في السياسة الدولية، يذهب الظن أولًا إلى حجم الجيوش وثقل الاقتصاد.
غير أن السنوات الأخيرة كشفت أن ثمة قوة من نوع آخر، أهدأ صوتًا وأبعد أثرًا:
قوة الدولة التي يثق بها الجميع، فتصير محل نداء المتخاصمين.
وهذا، في جوهره، ما بنته المملكة العربية السعودية عبر سياسة خارجية قوامها التوازن والمسؤولية؛ سياسة تتعامل مع الدول لا مع الميليشيات، وتحترم سيادة الآخرين، وتنحاز إلى الاستقرار بدل الفوضى.
العام الأصعب
لم تكن هذه السياسة يومًا أكثر عرضة للاختبار مما هي عليه هذا العام. فمنذ اندلاع الحرب على إيران أواخر فبراير الماضي، وما تبعها من هجمات صاروخية ومسيّرة طالت دول الخليج ومنشآتها المدنية، وجدت المملكة نفسها أمام معادلة دقيقة: أن تحمي أرضها وأهلها بحزم، دون أن تنجرّ إلى حرب لا تريدها ولا تخدم أحدًا.
فلم تكتفِ بالتصدي للاعتداءات، بل جمعت في مارس وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية في الرياض للتشاور في سبل حفظ أمن المنطقة.
وفي أكتوبر توجّه وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، مع ممثلي الدول الشريكة، سعيًا لخفض التصعيد ودعم مسارات التهدئة.
هذه معادلة لا يقدر عليها إلا من يملك القوة، ويؤمن في الوقت ذاته أن السلاح وحده لا يصنع استقرارًا يدوم.
وسيط يثق به الطرفان
هذا النهج ليس جديدًا. ففي فبراير 2025 استضافت الرياض أول لقاء مباشر رفيع المستوى بين وفدين أمريكي وروسي بحثًا في إنهاء الحرب الأوكرانية، ثم احتضنت جدة في مارس من العام نفسه محادثات أمريكية - أوكرانية انتهت بقبول كييف مقترحًا لوقف إطلاق النار مدته ثلاثون يومًا. ولم يكن ذلك وليد اللحظة، بل ثمرة سياسة سمّاها وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان «الحياد الإيجابي»، حافظت بها المملكة على علاقات عمل متوازنة مع موسكو وكييف وواشنطن في آن واحد.
هذا الرصيد من الثقة لم يُبنَ في يوم. فمنذ عام 2022 أسهمت الرياض في ترتيب عمليات تبادل للأسرى بين روسيا وأوكرانيا، شملت إحداها في سبتمبر من ذلك العام الإفراج عن رعايا أجانب بينهم أمريكيان. ومن يقدر على الوساطة بين خصمين لا يقدر عليها إلا من نأى بنفسه عن أن يكون طرفًا، وأبقى خطوط التواصل مفتوحة مع الجميع.
الدولة لا الميليشيا.. والسيادة لا الوصاية
تقوم الرؤية السعودية على مبدأ راسخ: التعامل مع الدول ومؤسساتها الشرعية، لا مع الكيانات المسلحة التي تنهش سيادة أوطانها. وقد أثبتت أحداث هذا العام صواب هذا المبدأ؛ فالجماعات التي لا تعترف بحدود ولا بقانون كانت أول من استهدف المطارات والمنشآت المدنية وممرات الملاحة. ومن هنا تنظر المملكة إلى استقرار الإقليم على أنه رهين بقوة دوله لا بتفتيتها، وترعى المصالحات التي تعيد للدول عافيتها بدل أن تبقيها ساحة مفتوحة للنزاع بالوكالة.
ويظهر احترام السيادة عمليًا في أن المملكة لا تربط عونها بإملاءات سياسية على الدول المستفيدة. فالمساعدة تُقدَّم لسد حاجة الناس، لا لشراء ولاءات الحكومات، وهذا بالضبط ما يمنح المبادرات السعودية قبولًا واسعًا لدى الشعوب قبل الأنظمة.
حين يصير العون قوة ناعمة
لعل أوضح تجليات المسؤولية هو العمل الإنساني. فمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي تأسس عام 2015، وصلت مساعداته إلى أكثر من مئة دولة حول العالم، دون أن ينظر إلى دين أو عرق أو محور. ووصلت سلاله الغذائية إلى السودان واليمن وسوريا وباكستان وتشاد وغزة، وامتدت مشاريعه الطبية إلى موريتانيا حيث أُجريت عشرات عمليات القلب المفتوح والقسطرة بتمويل سعودي. وفي اليمن وحده تجاوز إجمالي ما قدمته المملكة مئة مليار ريال. وحين ضربت أزمة الغذاء العالم، لم تكتفِ المملكة بالإغاثة العاجلة، بل أسهمت مع شركائها في مجموعة التنسيق العربية في حزمة دعم تجاوزت عشرة مليارات دولار للدول المتأثرة. وعلى المدى الأبعد، موّل الصندوق السعودي للتنمية منذ عام 1975 أكثر من ثمانمائة مشروع تنموي في أكثر من مئة دولة. هذه أرقام لا تصنع عناوين صاخبة، لكنها تبني في وجدان الشعوب صورة لا تُمحى: صورة الدولة التي تمد يدها حين تشتد الحاجة.
لماذا يربح الجميع؟
قد يُظن أن هذا النهج تضحية محضة، والحقيقة أنه استثمار بعيد النظر. فالمملكة تجني منه أمنًا إستراتيجيًا، لأن محيطًا مستقرًا من الدول القوية أنفع لأمنها من محيط تمزقه الميليشيات. وتجني منه مكانة دولية، فحين تصير منبرًا للسلام يرتفع وزنها في كل ملف. وتجني منه شراكات اقتصادية متينة، لأن الثقة السياسية هي البوابة التي تعبر منها الاستثمارات.
أما الدول الأخرى فتجني شريكًا لا يفرض وصاية ولا يصدّر أزماته، ووسيطًا نزيهًا حين تعوزها القنوات، وعونًا لا يساوم على كرامتها. وهكذا تتحول العلاقة من معادلة صفرية يربح فيها طرف على حساب آخر، إلى معادلة يكسب فيها الجميع.
خاتمة
إن ما تقدمه التجربة السعودية درس في أن النفوذ الحقيقي لا يُنتزع بالقوة الخشنة وحدها، بل يُبنى بالمصداقية والاتزان والوفاء بالمسؤولية. لقد اختارت المملكة أن تكون صوت العقل حين يعلو صخب السلاح، ويد العون حين تُغلق الأبواب، وجسر التواصل حين تنقطع الجسور. وفي عام اشتعلت فيه المنطقة من حولها، أثبتت أن الحزم في حماية الوطن والسعي إلى التهدئة لا يتعارضان، بل يكمّل أحدهما الآخر. وتلك هي القوة التي تدوم؛ لأنها قوة مسنودة بالثقة، والثقة لا تُشترى، بل تُكتسب.
** **
- م. معاذ بن مفرح