وائل العتيبي - مكة المكرمة:
في مدينة تستقبل ملايين المسلمين سنويًا، لا تبدو التنمية في مكة المكرمة مجرد توسّع عمراني أو مشاريع خدمية متسارعة، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا تسعى المملكة العربية السعودية من خلاله إلى بناء نموذج عالمي يجمع بين قدسية المكان، وكفاءة الإدارة، وجودة الحياة، وتجربة إنسانية وروحية أكثر يسرًا لضيوف الرحمن.
ومن هذا المنطلق، تمضي الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في تنفيذ رؤية إستراتيجية طويلة المدى تستند إلى التخطيط المتكامل والتنمية المستدامة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويعكس العناية التي أولتها القيادة الرشيدة لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة بوصفهما قلب العالم الإسلامي ووجهة الحجاج والمعتمرين من مختلف أنحاء العالم.
وتقوم رؤية «مستقبل مكة» على موازنة دقيقة بين خدمة ضيوف الرحمن والارتقاء بجودة الحياة لسكان المدينة، عبر تطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة النقل والخدمات، وتعزيز البيئة الحضرية، مع الحفاظ على خصوصية مكة المكرمة ومكانتها الدينية والتاريخية.
وفي ظل الطلب المتنامي على الإسكان والضيافة والنقل والخدمات، أصبحت مكة المكرمة واحدة من أكثر المدن جاذبية للتنمية والاستثمار طويل الأمد، حيث تلتقي الفرص الاقتصادية مع البعد الإنساني والروحي، في مدينة تعمل على مدار العام لاستقبال الزوار وتقديم تجربة متكاملة تليق بمكانتها الاستثنائية.
وفي ترجمة عملية لهذه الرؤية، أعلنت الهيئة الملكية اكتمال جاهزيتها التشغيلية لموسم حج 1447هـ، عبر منظومة متقدمة من المشاريع والخدمات التي تهدف إلى تسهيل رحلة الحاج منذ وصوله وحتى إتمام مناسكه في أجواء من الطمأنينة والانسيابية.
ونفذت الهيئة، عبر ذراعها التنفيذي شركة كدانة للتنمية والتطوير، حزمة مشاريع نوعية تجاوزت استثماراتها 6 مليارات ريال خلال الأعوام الأربعة الماضية، ركزت على تطوير المشاعر المقدسة ورفع كفاءة المواقع الحيوية وتحسين البيئة الخدمية.
وشملت الأعمال التوسعية زيادة مساحات الاستراحات ومسارات المشاة المهيأة إلى أكثر من 66 ألف متر مربع، إلى جانب زراعة 60 ألف شجرة للإسهام في تحسين المشهد البيئي وتلطيف الأجواء داخل المشاعر المقدسة، في خطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو التنمية المستدامة والاهتمام بالبعد البيئي.
كما عزت الهيئة البيئة المناخية في المشاعر عبر مضاعفة مراوح الرذاذ في ساحات الجمرات إلى 400 مروحة عالية الكفاءة، وتظليل مسارات المشاة بمساحات تجاوزت 105 آلاف متر مربع، بما يسهم في تخفيف الإجهاد الحراري ورفع مستوى الراحة للحجاج أثناء تنقلهم.
وفي الجانب الصحي والخدمي، ارتفعت الطاقة الاستيعابية لمجمعات الخدمات ودورات المياه في مشعر منى إلى 7800 دورة مياه عبر مجمعات «الطابقين»، الأمر الذي أسهم في تقليص فترات الانتظار بنسبة 75 %. كما شهد مستشفى منى للطوارئ توسعة رفعت طاقته السريرية بنسبة 200 %، إلى جانب تطوير منطقة جبل الرحمة بأنظمة تلطيف وتظليل متقدمة.
أما في قطاع النقل، فقد فعّل المركز العام للنقل التابع للهيئة منظومة تشغيلية تعتمد على الأتمتة والمراقبة اللحظية، بهدف تعزيز كفاءة التفويج وتقليل زمن التنقل بين المشاعر المقدسة. وتستهدف الخطة التشغيلية لهذا الموسم تشغيل نحو 24 ألف حافلة، بينها 2500 حافلة لنقل الحجاج منافذ القدوم، إضافة إلى أسطول «حافلات مكة» الذي يضم 400 حافلة حديثة تغطي 14 مسارًا داخل المدينة.
كما أسهمت شبكة الطرق الدائرية الأربعة، التي تتجاوز أطوالها 105 كيلومترات، في تحسين الانسيابية المرورية وربط المشاعر المقدسة بالمنطقة المركزية بكفاءة أعلى، بما ينعكس مباشرة على راحة الحجاج وتقليص زمن الرحلات.
وامتدت جهود التطوير إلى المواقع التاريخية والإثرائية، حيث عملت الهيئة على توثيق 48 موقعًا تاريخيًا وأثريًا، وإتاحة 25 موقعًا للزيارة، استقبلت أكثر من 10 ملايين زائر بنسبة رضا بلغت 94 %، في إطار تعزيز البعد الثقافي والمعرفي لتجربة مكة المكرمة.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة المهندس صالح بن إبراهيم الرشيد أن عناية المملكة بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة وخدمة ضيوف الرحمن «تمثِّل امتدادًا تاريخيًا راسخًا، يتجدد اليوم عبر منظومة متكاملة من التخطيط والتطوير والتشغيل»، مشيرًا إلى أن الهيئة تعمل ضمن دور تنظيمي وتكاملي مع مختلف الجهات ذات العلاقة، بما يعزِّز جودة الخدمات ويرتقي بتجربة الحاج والمعتمر والزائر.
وأوضح الرشيد أن المملكة ترجمت مسؤوليتها تجاه مكة المكرمة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عبر مشروعات وسياسات متواصلة، وصولًا إلى التحولات الحالية التي تشمل البنية التحتية والنقل والمشاعر المقدسة والمواقع التاريخية، مؤكدًا أن الهيئة تعمل على تنسيق الجهود ومواءمة الخطط بما يواكب خصوصية المكان وكثافة الحركة وتعدد الجهات خلال المواسم الكبرى.
وفي جانب آخر من الاستعدادات، أعلنت الهيئة اكتمال جاهزية المواقيت لاستقبال ضيوف الرحمن، من خلال رفع كفاءة البنية التحتية وتطوير منظومات السلامة والمراقبة، وزيادة الطاقة الاستيعابية للمصليات والمرافق الخدمية، إلى جانب تنفيذ مشاريع إرشادية وخدمية تهدف إلى تسهيل حركة الزوار وتحسين تجربتهم منذ لحظة وصولهم إلى حدود الحرم.
وتعكس هذه الجهود المتكاملة رؤية المملكة في جعل مكة المكرمة نموذجًا عالميًا يجمع بين قدسية المكان، وكفاءة الخدمات، وجودة الحياة، والتنمية المستدامة، في تجربة تنموية وإنسانية تؤكد استمرار المملكة في تسخير إمكاناتها لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وبناء مستقبلٍ يليق بمكانة مكة في وجدان المسلمين والعالم.