إن كانت «حجة الوداع» التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم تمثِّل القواعد الأولى لنظام الحج والتي سار عليها الخلفاء الراشدون من بعده، وعملوا على إيجاد بنية تنظيمية له تتوافق مع أعداد الحجيج القادمين من الأمصار التي تم فتحها وانتشر الإسلام بها، مما أدى لبروز الطرق التي تسلكها قوافل الحجاج، وارتفع عدد الدواب (الجمال، والخيول) الناقلة لهم، وأخذ الخلفاء الراشدون على عاتقهم حمايتها وتأمين الراحة لها، فتم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، تطوير البنية التحتية لطرق الحج، وتهيئتها، وإنشاء استراحات ومنازل على طول الطريق ما بين المدينة المنورة ومكة المكرمة لراحة الحجاج، إضافة لحفر الآبار لتوفير المياه الصالحة للشرب، وتأمين الطرق بتعيين الحرس والخدم في المناطق الوعرة لضمان سلامة الحجاج.
وفي دراسة بحثية حملت عنوان (عناصر النقل في الحج) تناول الدكتور زهير عبدالله حسين مكي، أستاذ جغرافية النقل المشارك، بقسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى (سابقًا)، تحليل أنماط وخصائص شبكات النقل ودورها في خدمة حركة الحجاج باتجاه مكة المكرمة وقت الحج، وتتبع التطور التاريخي لأنماط وسائل النقل المستخدمة لنقل الحجاج في الحج، وأثر القيود التي فرضتها البيئة الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان، وأثر اختلاف الطاقة المحركة أو الدافعة على سرعة وسائل نقل الحجاج وحجم الحمولة.
وركز الكتاب على تتبع مسارات طرق الحج البرية (طرق القوافل القديمة، والطرق البرية المعبدة، والسكك الحديدية)، وكذلك تتبع المسارات البحرية والمجاري المائية الداخلية التي استخدمها الحجاج بهدف الوصول إلى مكة المكرمة وقت الحج، وتتبع مسارات الطرق الجوية الداخلية في المملكة العربية السعودية، والطرق الجوية الخارجية التي تربط المطارات الدولية في المملكة بنظيراتها في دول العالم الإسلامي.
وفي حديثه عن طرق قوافل الحجاج تناول المؤلف الطريق التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، كما تحدث عن طريق الكوفة، وطريق البصرة، وطريق بغداد - مكة المكرمة، وطريق الحج المصري، وطريق الحج الشامي، وطريق الحج اليماني، وطريق الحج العماني، وطريق حج البحرين، وطريق الحج الكويتي، وطريق حجاج الهند، وطريق حجاج الصين -ولم يغفل طريق الحرير، إذ أوضح دوره في انتشار الإسلام في الأراضي الصينية-، وتناول طريق حجاج روسيا، وطريق حجاج المغرب، مبينًا أن هذا الطريق يضم طريق الركب الفاسي، وطريق حجاج المغرب المنطلق من سلجماس، وطريق الحاج المراكشي، وتحدث عن طرق حجاج غرب ووسط إفريقيا ومنها طريق تمبكتو، وطريق إقليم السافانا وغيرها، كما ذكر المخاطر التي كان يتعرض لها الحجاج، مبينًا أن هناك مخاطر طبيعية تتمثَّل في المناخ والأمطار، ومخاطر غير طبيعية تتمثَّل في شح المياه وغلاء الأسعار.
ومن المخاطر الطبيعة التي كانت بطرق الحج ما ذكره ابن الجوزي عن «تعرض قافلة الحجاج الشامية سنة 692 هـ إلى رياح عظيمة وبرد ومطر، وهلك الناس، وحملت الريح أمتعتهم وثيابهم، وحصلت لهم مشقة عظيمة»، كما ذكر ذلك الباحث الكويتي محمد عبدالهادي جمال في كتابه (الحرف والمهن والأنشطة التجارية القديمة في الكويت)، «أن قوافل الحجاج الكويتية كانت تمر في طريقها إلى مكة عبر مناطق عديدة منها «الحفر» و«النصافة» و«الهابة» و«الرطاوية» و«أم الجماجم» و«جبة» و«القصيم».
وقوافل الحجاج المتجهة إلى المدينة المنورة كانت تمر عبر مناطق أخرى وتصل إلى هناك بعد ثلاثة أسابيع تقريباً وفي المدينة المنورة كان الحجاج يمكثون ما بين عشرة أيام إلى أسبوعين يزورون خلالها المسجد النبوي الشريف وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمساجد التاريخية ثم يتوجهون إلى مكة المكرمة ويصلون إليها بعد فترة قد تمتد ما بين أسبوع إلى 12 يوماً من المسير حسب الظروف».
وفي عهد الدولة السعودية شهدت الطرق التي يسلكها الحجاج تطورات متسارعة كان أبرزها صدور أمر الملك عبدالعزيز -طيَّب الله- عام 1346هـ/ 1927م، بإصلاح الطرق الوعرة التي يمر بها الحجاج ذهاباً وإياباً من جبل عرفه، كما صدر أمره السامي عام 1350هـ/ 1931م، بتخطيط عرفات بواسطة طرق مستقيمة تقسمها إلى مربعات ينزل فيها الحجاج بحسب بلادهم أو مطوفيهم. أما الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة فقد شهدت في العصر الحديث تطوراً ضم عددًا من المحاور الرئيسة المرتبطة بمختلف مناطق المملكة فجاء طريق الهجرة الذي يربط المدينة المنورة بمكة المكرمة بطول يبلغ 420 كم، وطريق الليث الذي يربط مناطق جنوب المملكة بمكة المكرمة بطول 90 كم، فيما يسهم طريق السيل الكبير في ربط محافظة الطائف بمكة المكرمة بطول 80 كم؛ بما يعزِّز انسيابية الحركة المرورية.
وبرز طريق الأمير محمد بن سلمان والذي يربط مدينة جدة بمكة المكرمة بطول 70 كم، كواحد من الطرق الحديثة التي تدعم الربط بين المدينتين، في حين يربط طريق عقبة الهدا محافظة الطائف بمكة المكرمة بطول 23 كم، ويتميز بطبيعته الجبلية.
أما وسائل نقل الحجاج في الماضي فبعد أن كانت تعتمد بشكل أساس على الدواب (الإبل، الخيول، البغال، الحمير)، إذ تسير الجمال في قوافل منظمة، ناقلة على ظهرها ما يُعرف بـ»الشقدف» والذي يحمل شخصين، وعادة كانت النساء هن من يركبن في الشقدف لسترهن.
وكانت عملية تنظيم نقل الحجاج بين مدن الحج (جدة -مكة المكرمة- المدينة المنورة) إضافة للمشاعر المقدسة (عرفات - مزدلفة - منى) تتم من خلال هيئة عرفت بهيئة المخرجين، وقد ذكرها الباحث والمؤرِّخ الإنجليزي عبدالله فيلبي بقوله: «إن عملية نقل الحجاج استمرت رسمياً بين مكة والمدينة وداخل المشاعر معتمداً بشكل كبير على الجمال التي كانت تتبع لهيئة اسمها «هيئة المخرجين»، تتولى مسؤولية إحضار الجمال والجمّالة، وتتبعهم جماعة أخرى تعرف بـ»المقومين» يتولى هؤلاء تقدير حمولة الجمل من عفش ومؤن الحجاج وركوبهم وأجرة الجمل إذا كان محملاً، أو يحمل الحاج وملابسه فقط، إذ كان لكل منهما سعر خاص».
ورغم دخول السيارة للحجاز لأول مرة عام 1340هـ إلا أنه تم منع استخدامها لنقل الحجاج، ومع دخول الملك عبدالعزيز -طيَّب الله ثراه- للحجاز أسست أول شركة لنقل الحجاج بين جدة ومكة المكرمة عام 1344هـ، وكان عدد أتوبيساتها لا يتجاوز خمسة وعشرين أتوبيس، وفي عام 1345هـ صدر أول تنظيم لسيارات نقل الحجاج وتضمن إحدى وثلاثون مادة وصدر الأمر السامي بالمصادقة عليه في 18 جمادى الآخرة سنة 1346هـ، وبدعم من الملك عبدالعزيز تأسست الشركة السعودية الوطنية لسير السيارات بالحجاز برأسمال قدره خمسون ألف جنيها، وارتفعت أعداد السيارات في الحجاز وبلغت في جمادى الآخرة 1346هـ 267 سيارة ثم ارتفع العدد ليصل إلى 541 سيارة في شهر شعبان من العام نفسه، وصدر الأمر السامي الكريم رقم (11501) وتاريخ 3-7-1372هـ باعتماد نظام النقابة العامة للسيارات، لتبدأ الخطوات الأولى لبروز شركات نقل الحجاج، فكانت شركة خميس نصار، وباخشب باشا، والعربية، والمغربي، والتوفيق، والكعكي، والداخلي، لكن هذه الشركات لم تستمر طويلاً، إذ خرج البعض منها ودمج البعض الآخر، فأصبح عددها لا يتجاوز خمس شركات، وارتفع عدد الشركات العاملة في نقل الحجاج، ليصل إلى نحو ثمانين شركة خلال موسم حج هذا العام، تمتلك ما يقرب من 27 ألف حافلة.
ولضمان سلامة ضيوف الرحمن وسرعة تنقلاتهم، برزت منصة «ضيف» كمنصة موحدة خصصت لتتبع الحافلات الناقلة للحجاج، إضافة لإدخال أنظمة GPS المتطورة والخرائط التفاعلية التي تتيح للمركز مراقبة الحافلات، من خلال نظام التتبع اللحظي عبر تقنية GPS بدقة عالية لضمان الالتزام بالمسارات المحددة، وتشمل المتابعة حالات الحافلات سواء كانت متوقفة، أو متأخرة، مما يتيح الفرصة للتدخل السريع عند الحاجة.
كما جاء تطوير منظومة إرشاد حافلات نقل الحجاج بصدور قرار مجلس الوزراء رقم (251) وتاريخ 11-9-1422هـ، المتضمن التأكيد « على مؤسسات الطوافة وشركات نقل الحجاج توفير مرشد سعودي لا يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً مع كل سائق، ليدله على الطرق في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، والطرق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتزويده بالخرائط الإرشادية اللازمة «.
فأعقبه قرار مجلس الوزراء رقم 291 بتعديل الفقرة (الثالثة) من قرار مجلس الوزراء رقم (251) وتاريخ 11-9-1422هــ، ليفتح المجال لوضع تنظيم أفضل لإرشاد حافلات نقل الحجاج، فعملت الهيئة التنسيقية لمؤسسات أرباب الطوائف -سابقاً- المجلس التنسيقي لشركات الضيافة ومقدمي خدمة حجاج الخارج -حالياً- على القيام بتنفيذ العمل من قبله
فبرز مركز إرشاد الحافلات الناقلة للحجاج كمنظومة رقمية وميدانية متكاملة لإرشاد الحافلات، يعمل من خلال مرشدين مدربين وتقنية ذكية تحمل (منصة أرشدني) لتوجيه الحافلات بدقة أفضل صوب مقار سكن الحجاج.
ولم ينحصر تطوير نقل الحجاج على توفير شبكة طرق وجسور وأنفاق، وتنوع وسائل النقل وارتفاع أعدادها، بل شمل أيضاً تطوير نظام النقل خاصة في المشاعر المقدسة ببروز نظام النقل بالرحلات الترددية عام 1416هـ لأول مرة بهدف نقل الحجاج بين المشاعر المقدسة في فترة زمنية أقل مع تقليص عدد الحافلات، ثم جاء قطار المشاعر المقدسة الذي افتتح عام 2010، ليشكل خط سكة حديدية يربط مكة المكرمة بالمشاعر المقدسة (منى، وعرفات، ومزدلفة)، كما جاء قطار الحرمين السريع كوسيلة نقل حديثة لخدمة الحجاج والمعتمرين والزوار رابطا بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومطار الملك عبدالعزيز، ومدينة جدة.
وتعمل الهيئة العامة للطرق على إجراء مسح لجميع الطرق المؤدية إلى المشاعر المقدسة، وتنفيذ حزمة من الأعمال تشمل مسح الأسطح الإسفلتية، وكشط وإعادة سفلتة، وتركيب سياج معدني، إضافة إلى فحص وتقييم الجسور.
فيما تعمل الهيئة العامة للنقل على توفير ضمان تنقل آمن وسلس لضيوف الرحمن، مع تشديد العقوبات على مخالفة أنظمة النقل، إضافة لمشاركتها ضمن منظومة متكاملة لضمان سلامة النقل البري، الجوي، والبحري، لتعزيز مستويات السلامة في جميع أنماط، وتواجد الفرق الرقابية للهيئة على مدار الساعة في أكثر من 20 موقعاً، تشمل مداخل مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، لمتابعة التزام الناقلين بالأنظمة والزي الموحّد، وضمان جودة خدمات النقل.
أما المركز الوطني لسلامة النقل فيعمل من خلال خطة تشغيلية متكاملة لتعزيز مستويات السلامة في جميع أنماط النقل، بما يضمن رحلة آمنة وميسَّرة لضيوف الرحمن، مسخراً كافة إمكانياته البشرية والفنية والتقنية من استقبال البلاغات والاستجابة للحوادث الجسيمة في أنماط النقل كافة «الجوي، والبري، والبحري، والسككي» من خلال منظومة تعمل على مدار الساعة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، بما يضمن سرعة التعامل مع البلاغات ورفع جاهزية الاستجابة في مختلف المواقع من خلال كوادره الوطنية المتخصصة، وفق أعلى المعايير المهنية في تحقيقات السلامة، إضافة إلى جاهزية مركز التحكم بالعمليات لاستقبال ومعالجة البلاغات.
** **
- أحمد صالح حلبي