زاهر بن عواض الألمعي شخصيةٌ استثنائية، بدأ حياته الوظيفية جنديًا، ثم طارت به روحه الوثابة، وقلبه المتحدي، وعقله الطموح من ألمع إلى شقراء؛ طالبًا في معهدها. وهي ذات العوامل التي حَلَّقَتْ به من معهد نجران ليكون أول سعودي ينال درجة الدكتوراه من الأزهر؛ ولن أتطرق في هذه المقالة لمؤلفاته التي قاربت الأربعين كتابًا، ولا جهوده الأكاديمية، ولا الإدارية؛ عميدًا، وعضوًا في مجلس الشورى، وعضوًا في هيئة حقوق الإنسان، وغيرها من المسؤوليات، ولا لحضوره الاجتماعي؛ فإنما هذه إطلالة موجزة على الجانب الشعري في سيرته المتعددة الاتجاهات، والنجاحات.
فقد كتب زاهر الألمعي الشعر بتأثير من شعوره المتأجج، وضميره اليقظ، وذكائه المتقد؛ ففي عامه الثاني بمعهد شقراء العلمي عام(1957م) أُقيمَ حفلٌ ثقافي، ألقى فيه أحدُ الأساتذة قصيدةً حماسِيَّةً عن مقاومة الجزائريين للمستعمر الفرنسي، فوقعتْ منه موقعًا مؤثرًا، وبات ليلته يهمهم، ويكتب ويمحو؛ فما أصبح إلا وقد كتب محاولته الشعرية الأولى، ومطلعها:
أيا طيرُ حُوْمي في السماءِ وغرِّدي
وطُوفي على الميدان علَّكِ تشهدي
وعلى أثر تشجيع معلميه شارك في محافل المعهد؛ حتى لُقِّبَ بـ(شاعر المعهد)، وحين ودَّع شقراء عام(1961م) عبَّر عن لحظات الوداع بقصيدة منها:
نظرتُ إلى (شقراءَ) نظرةَ والهٍ
تَدافعَ في أعماقه المَدُّ والجزرُ
نظرتُ لها وقتَ الرَّحيل مُودِّعًا
معاقلَ إخوانٍ يطيبُ بهم ذِکْرُ
وفي العام التالي، حَلَّ عليه عيدُ الفطر طالبًا وحيدًا في الرياض، فجهز غرفته لاستقبال زوار العيد؛ ولكن أصدقاءه المغتربين قد عادوا إلى ديارهم لقضاء إجازة العيد بين أهليهم، فكتب قصيدةً في الحنين إلى حميمية أعياد القرية:
يا عيدُ بَلِّغ أسرتي وبلادي
أزكى تَحياتي وشوقَ فؤادي
أنا في (الرياض) وحالَ دونَ أحبتي
بِيْدٌ من الواحاتِ والأطوادِ
وفي عام(1963م) افتُتِحَ معهدُ أبها العلمي، وانتدب للتدريس فيه وما يزال طالبًا في السنة الثانية في كلية الشريعة، وشارك في الحفل الثقافي للمعهد بقصيدة مطلعها:
من دَوحةِ المجدِ، من شمَّاخةِ القِممِ
من مَنبَتِ العِزِّ، من خفاقةِ العَلَمِ
وفي عام(1966م) كُلِّفَ مديرًا للمعهد العلمي في نجران، وكانت أولى الصعوبات التي واجهته في إدارة المعهد الجديد عزوف الطلاب عن الالتحاق بالمعهد العلمي، فأقام حفلًا؛ أُلقِيتْ فيه الكلمات التعريفية بالمعهد، وألقى قصيدة تعبر عن قيمة المعهد، وتهنئة المنطقة بافتتاحه، من أبياتها:
(نجرانُ) باتَ النُّورُ فيكِ يُشعشَعُ
والعِلمُ يُشرِقُ، والشَّذا يَتَضوَّعُ
واليومَ في ساحاتِ مَهدِك معهدٌ
فيهِ شبابٌ بالعلومِ تضلَّعوا
- وفي عام(1985م) انتدبته وزارة التعليم العالي للعمل في الملحقية التعليمية في كندا، وحلَّ عليه العيد بعيدًا عن وطنه ففاضَ بذلك الشعور شعرًا:
العيدُ حيثُ تُعَظَّمُ الأعيادُ
ويدُبُّ في القلبِ الحنونِ وِدادُ
وتميسُ بالوردِ الجميلِ مرابعٌ
يزدانُ في رَحَبَاتِها الإنشادُ
ومشاعرُ الأحبابِ تملأُ خاطري
ويطوف حوليَ الأهلُ والأولادُ
- وفي عام(1992م) عاد إلى أبها عميدًا لكلية الشريعة وأصول الدين، ونَّظَمَ عددٌ من طلابه السابقين في معهد أبها حفلاً تكريميًّا له بفندق البحيرة؛ وتحدثوا عن ذكريات أستاذهم في المعهد وألقى في هذه المناسبة قصيدة دالية منها:
أَظْهَـــرْتُمُ الشَّـــوْقَ الْقَــدِيْمَ مُجَـــدَّدا
وأَقَمْتُمُ الْــــوُدَّ الْجَمِيْــــلَ مُـشَيَّـدا
ونَمَـــتْ رَوابِطُنا عَلَى دَرْبِ الْهُدَى
كُلٌّ يَمُدُّ لِــــدَعْمِ صــــاحِـبِهِ يَـــدا
فَعَلَى دُرُوْبِ الْخَيْرِ يَجْمَـــعُنا الْـوَفــا
وصِلاتُنا في اللهِ تَجْمَعُنَــــا غَـــدا
وفي العام نفسه أُنْشِئَ مجلس الشورى السعودي، وكان أحد أعضائه في دورته الأولى، وفي ختامها ألقى قصيدته: (في رحاب مجلس الشورى) ترحيبًا بالأعضاء المعينين في دورة المجلس الثانية وتوديعًا للراحلين، ومن أبياتها:
تبدّتْ ليَ الأيامُ تعبقُ بالذكرى
وتَنْفَحُ بالأنداءِ في حفلنا نَشْرا
رفاقي إنْ أعمالُنا طوَّفَتْ بنا
سنبقى على(الشورى) سنبقى لها ذُخرا
- وفي عام(2007م) أنشئت هيئة حقوق الإنسان، واختير عضوًا فيها، وألقى بين يدي الملك عبدالله بن عبد العزيز رحمة الله عليه، قصيدةً من أبياتها:
(أبا متعب) هذي (تحيةُ مخلصٍ)
تَغَنَّى بها قلبٌ؛ وأنشدَها فَما
رعيتَ حقوق الناس عدلاً وحكمةً
وهذا الذي أوصى به الدِّيْنُ قَيِّما
شاعر المنجزات الوطنية:
والدكتور زاهر الألمعي شاعر المنجزات الوطنية بامتياز؛ فله في كل مُنْجَزٍ وطني قصيدةُ فرحٍ؛ فإذا تغنَّى بأمجاد أمَّته، وغنَّى لها، طَرِبَ وأطرَبَ. نافحَ عن قضايا وطنه، وباحَ بمكنوناتِ قلبه العاشق، وروحِه الطَّيِّب، وتديُّنِه السَّليم، وانتمائه العميق.
فمن وظائف الشعر المهمة عنده الوفاءُ لبُناةِ الأوطانِ في كلِّ ميدانٍ من ميادين النفع والبِناء:
ليسَ أجدى في منهجِ الشعر عندي
من وفاءٍ لكل صانِعِ مَجْدِ
وهذا ما يُفَسِّر كثرةَ قصائدِ المناسبات في شعره؛ فهو «مرتبط بالحياة؛ يعانق فيه الذاتيُّ الجمعيَّ، والعامُ الخاصَ، ولذلك ارتبط شعره بمناسبات كانت موقعًا لصوته الشاعر ومسؤوليته الاجتماعية والإنسانية «.
ففي حفل افتتاح سد جازان عام(1971م) بحضور الملك فهد بن عبدالعزيز، أنشد:
وَمَضَ البرقُ في ذُرا الأمجادِ
فاشرأبت له القُرى والبوادي
أيُّ سدٍ به النواصي اشمَخَرَّتْ
وأذاعتْ ذكراهُ في كُلِّ نادي
واحتفاءً بافتتاح سد أبها عام(1974م) يقول:
فوقَ طَودٍ من السَّراةِ أشَمِّ
وعرينٍ لكُلِّ أغلبَ باني
سَدُّ (أبها) الكبيرُ، ما أجملَ البُشـ.. ـرى لأهلِّ السَّراة؛ قاصٍ وداني
وعند افتتاح طريق (الطائف/الباحة/أبها/جازان) بحضور الملك فهد بن عبدالعزيز عام(1978م)، ألقى زاهر الألمعي قصيدةً احتفاءً بهذه المناسبة منها:
يا بلادَ الجنوبِ تيهي افتخارًا
واسعدي اليومَ في اللقاء بـ(فهدِ)
فرحةٌ عمَّتِ الجنوبَ وسارتْ
في مَداها إلى الحجازِ ونجدِ
فاهنئي يا قُرى الجنوبِ وتِيهي
في ابتهاجٍ بِدَربِكِ المُستَجِدِ
وحين افتتحَ الملكُ عبدالله بن عبد العزيز مشروعَ التحلية بأبها عام(1999م)، شارك الألمعي مبتهجًا ومُشيدًا بهذا الإنجاز الضخم؛ فقال:
سرورٌ في المشاعرِ لا يُحدُّ
وجسرٌ مِن محبَّتنا يُمدُّ
فماءُ البَّحرِ قد عَشِقَ العَوالي
وأصعدَ في الجبالِ الشُّمِّ يعدو
فأقبلَ هادرَ الأمواج بحرًا
له فوق الرُّبا جزرٌ ومدُّ
صوت الأمة في مواسمِ الحج:
لقد ارتبط اسم زاهر الألمعي بمحفلِ موسم الحج الذي يقيمه الملك لوفود الحجاج في منى ثاني أيام عيد الأضحى، فشارك سنويًّا منذ عام(1968م) حتى(1979م)، بقصيدة يلقيها بين يدي الملك فيصل، ثم الملك خالد، ثم الملك فهد، وضيوفهم من وفود العالم الإسلامي، ففي عام(1968م) أنشد قصيدةً مطلعها:
الله أكبرُ في المسالكِ والذُّرا
الله أكبرُ من رُبا (أم القرى)
وفي عام (1979م) أنشدَ قصيدةً مطلعُها:
عودي فذكركِ بالثناءِ في فَمِي
ومكانُ حُبِّكِ من فؤادي في دمي
دواوينه الشعرية
ومن طلائعية الدكتور زاهر الألمعي ومبادراته انتظامُه في نشر دواوينه الشعرية أولاً بأول، وأولها: ديوان الألمعيات: ولعله أول أو ثاني ديوان شعري مطبوع لشاعر من منطقة عسير، إذ صدر عام1971م، ويضم تسعًا وثلاثينَ قصيدة، رتبها أبجديًا؛ فبدأت بقصيدة: (مراقي الفضاء) التي مطلعها:
زمجرَ الركب في مراقي الفضاءِ
واعتلى الفكر شامخًا بالضياءِ
كتبَ مقدمة الديوان الأديب الكبير: عبدالعزيز الرفاعي، وهو يرى أن الشاعر قد ضمَّنَ هذا الديوان شعره الخطابي، وشعر المناسبات، واحتفظ بشعره الوجداني.
وثاني دواوين زاهر الألمعي ديوان: على درب الجهاد؛ الصدر عام(1984م)، ويضمُّ عشرين قصيدة، ومعظم قصائده قيلت في مناسبات إسلامية أهمُّها تَجَمُّعُ الحجيجِ في ضيافة الملك بمنى.
ومن قصائد الديوان مرثية الملك فيصل رحمة الله عليه؛ ومن أبياتها:
فُجِعَ الأنامُ فكلُّ قُطرٍ مأتمُ
والخطبُ مُزْوَرُّ الجوانبِ مُظْلِمُ
والدَّهرُ مرتاعٌ تلفَّتَ حولَه
فإذا الدُّنا مكلومَةٌ تتألمُ
يا هولَ فاجعةٍ تَعاظمَ خَطبُها
صُمَّتْ لها الآذانُ وانعقدَ الفَمُ
وثالث دواوينه: من نفحات الصبا؛ صدر عام1984م، ضمَّ (23قصيدة)، وقدَّم له الأديب اليمني الكبير: أحمد الشامي، بمقدمة أقرب إلى الدراسة، متخذًا العصامية منطلقًا لحديثه عن الشاعر.
ومن قصائد ديوانه هذا قصيدة: (عسيرية) وهي ضَّربٌ من الشعر الوجداني والعاطفي، في صورة مُحَلِّقَةٍ ساميةٍ، ومن أبياتها:
جمالُكِ فتّانٌ، سَما وتألَّقا
تَغَلْغَلَ في خَفقِ القلوبِ وحَلَّقا
وثغرُكِ بسَّامٌ كومضةِ بارقٍ
تلألأ في جُنحِ الظلامِ وأشرقا
عيونُ (المها) تبدو غيارى لأنَّها
ترى الحُسن في عينيكِ أزهى وأعرقا
وخدُّكِ وردٌ يَنتَشى في عُرُوقِه
رَواءُ شبابٍ قد سَرَى وتَدَفَّقا
تُراودني الأطيافُ منكِ حَفيَّةً
وتُبدعُ لي في الحُلمِ بحرًا وزَورقا
(عَسيريِّةٌ) في لحظِها (ألمعِيُّةٌ)
يُزَيِّنُها طُهرٌ ويَسمو بها تُقى
فَرِفقًا بِحَبَّاتِ القُلوبِ وأشرِقي
بِحُبِّي كما قَلبي بِحُبِّكِ أشرقا
ورابع دواوين زاهر الألمعي ديوان: نزيف الشهداء؛ الصادر عام2002م، ويضمُّ قصائدَ ومقطوعاتٍ؛ كتبها في شكوى آلام الأمة الإسلامية، وفلسطين المحتلة:
(فلسطينُ) المجيدةُ كم رَمَوْها.. وأصلوها المظالمَ والعذابا
وخامس دواوين زاهر الألمعي ديوان: أسمار الوطن، الصادر عام2003م، اشتمل على أربعٍ وأربعين قصيدة، تغنَّى فيها بالمملكة العربية السعودية، مهبط الوحي، ومحط الرسالة الخالدة، ومنبت المجد، والعدل، والأمن، والاستقرار.
وقد أعاد نادي أبها الأدبي إص دار هذه الدواوين الخمسة مجتمعة في: المجموعة الشعرية الكاملة؛ عام 2016م. وكان لي شرف مراجعتها والإشراف على طباعتها، مع كتابي سيرته الذاتية: (رحلة الثلاثين عامًا، ورحلة السبعين عامًا)؛ إذ كنتُ حينذاك عضوًا في مجلس إدارة النادي، ورئيسًا للطباعة والنشر بالنادي.
وسادس دواوين الألمعي ديوان: مراثي الألمعي.. شعراً ونثراً؛ الذي اشتمل على مراثٍ شعرية، وتأبينات نثرية لعشرات الراحلين، من الملوك، والعلماء، والوجهاء، والأصدقاء الذين تألم الشاعر لرحيلهم، وقد صدرت طبعته الأولى عام(). وتضمن رثاء الألمعي لوالديه اللذَين رحلا في وقت متقارب من عام(2004م)؛ فرثا والده بقصيدة منها:
كم تذكرتُ من (أبي) ما غُذِينا.. صفوَهُ من يمينه والشمالِ
يومَ كنا كواكبًا في سماهُ
ونخيلًا في أرضِهِ وعَوالي
ورثى والدته بقصيدة منها:
ألا إن جفنَ الموتِ ليس بنائمِ
ولا السعدُ يومًا في البرايا بدائمِ
(لكِ الله يا أماه) كم كنتِ موئلاً
يطوفُ اليتامى حولَه كالبراعمِ
ويضاف إلى ما مضى ديوان: خماسيات الألمعي الشعرية، ويضم ثلاثين خماسية للشاعر، منها ما نشر من قبل ومنها ما لم ينشر، وصدرت في كتاب عام().؟؟؟؟
وكذلك: (الملحمة النبوية)، وهي قصيدة طويلة؛ تقع في (310 أبيات)، صدرت في كتاب عام().؟؟؟ افتتحها بقوله:
طلعتْ فبانَ اليُمنُ في طَلَعَاتِها
وبدا جمالُ الوردِ في وَجَنَاتِها
ثم تخلَّصَ إلى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:
يا من حملتَ أبرَّ قلبٍ في الورى
وأعزّ نفسٍ جانَبَتْ شهواتِها
تهفو إليك قصائدي ومشاعري
في ظلِّ هديك واصلتْ رحلاتِها
خصائص شعر زاهر الألمعي
لم يكن زاهر الألمعي شاعرًا هاويًّا يشغل بالشعر الفائض من وقته، بل شاعرًا أصيلًا منشغلًا بالشعر، نجحَ في المواءمة بين الشرعي والشعري، وبنى جسورًا مع الوسط الأدبي، فاستحقَّ أن يكون شاعرَ المؤتمر الأول للأدباء السعوديين، في مكة المكرمة، عام(1974م)، ألقى فيه قصيدةً مطلعها:
طلعتْ فبانَ اليُمنُ في طَلَعَاتِها
وبدا جمالُ الوردِ في وَجَنَاتِها
تضمن ديوان: (على درب الجهاد) 43 بيتًا منها، ثم أعاد نشرها كاملةً في ديوان مستقل بعنوان: (الملحمة النبوية).
والألمعي أحد الأدباء الكبار المؤسسين لنادي الرياض الأدبي، برفقة الأساتذة: الرفاعي، وابن خميس، وابن إدريس. كما استضافته المنابر الأدبية، وكرمته المحافل الثقافية، وارتبط بعلاقات وطيدة مع كبار الأدباء السعوديين والعرب.
وتظهر في شعره النبرة الخطابية، وكثيرًا ما يتناول واقع الأمة العربية والإسلامية وآلامها، ولم يغب يومًا عن المحافل الوطنية، ولا غَفِلَ عن القضايا الإسلامية، والإنسانية
فالألمعي من أبرز شعراء المناسبات في الشعر السعودي الحديث؛ حفظَ بشعره الأعمال التي أُنجزت في مسيرة بناء الوطن وتطوره.
وشعرُهُ ذو مضمون هادف؛ تلمسُ فيه صدق المشاعر والغيرة على الإسلام والأمجاد، والولاء للوطن، والحث على التحلي بالخلق القويم.
وهو شاعرٌ ملتزمٌ بالقصيدة العمودية؛ وزنًا ولغة وأسلوبًا وعاطفة؛ فهو نموذج للقصيدة العربية، تلقاك فيه عفوية الطرح، ووضوح الأسلوب والبُعْدُ عن الغموض والتعمية؛ فالشِّعرُ عنده رسالة تُقال لتُفهم.
كما يتسم شعر الألمعي بعفة الألفاظ والمعاني؛ وإن طرقَ أغراضًا وجدانية، وغزلية فهو لا ينبو، ولا يغفل عن التأكيد على سمو الحب، ونقاء القلوب، وهو من أوائل من نبه إلى أخلاقية الأدب، وانشغل بالقضايا الوطنية الكبرى، وبرزت في شعره عالمية التفكير الإنساني.
وقد عالج شتى أغراض الشعر، عدا الهجاء؛ فنقرأ في شعره: الحنين، والتعلق بالمكان، والغزل، والمدح، والاعتذار، والوفاء الذي ظهر في أجلى صوره في مراثيه، وآخر مراثيه في وداع زوجته التي رحلت في ديسمبر من عام2025م، ومنها:
ودَّعتُكِ اللهَ في سري وفي عَلَني
وفي حنايا ضلوعي يظهرُ الكدرُ
يا مَن تَرَحَّلَ بعدَ عِشرَتِنا
القلبُ في غيهبِ الأحزانِ مُنْفَطِرٌ
وهذه المقطوعة الرثائية آخر ما اطلعنا عليه من شعر الدكتور زاهر الألمعي، الذي لم ينفك يعبر عن أشجانه، وانفعالاته شعرًا رائقًا، وشعورًا صادقًا، وبيانًا ناطقًا.
** **
- إبراهيم مضواح الألمعي