أهدى إليَّ أحدُ الأصدقاء الشعراء نسخةً من ديوانه، وطلب مني رأياً نقدياً، فجمعتُ ما أعانني الله عليه من عبارات الإطراء، ثم قلت له :شعرك نموذج جيد للمذهب الرومانسي، فنظر إليَّ مستغرباً وقال :لماذا تصنفني؟، فقلت له: لا أصنفك، ولكنك اخترت لنفسك أسلوباً يتبع مذهباً نقدياً يسمى المذهب الرومنسي، ثم زادت حدةُ نظراته حين اختبرت صبره وقلت :والمذهب الذي اتبعته غربيُّ الأصل والنشأة! . ثم سارعت قبل أن يحتد بالتعبير عن الغضب الذي بدا في عينيه، هدّأتُ من روعه حين قلت له إنه يشترك في هذا مع أسماء كبرى وقامات عظمى من الشعراء العرب؛ كنزار قباني، وعمر أبو ريشة، وعبد الله الفيصل، وحتى جاسم الصحيح وغيرهم من الشعراء ذوي الأسماء اللامعة في الشعر العربي. ولكنه أراد مني تفصيلاً عن هذا الأمر، فوعدته بكتابة مقال سأحاول جاهداً أن أعطي هذه القضية حقها من التفصيل.
قبل الولوج إلى الحديث عن الرومنسية أو الرومنتيكية، لا بد أن نحفظ لمدرسة الإحياء فضلها في صناعة معجزة فنية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تلك المعجزة المتمثلة في الحد من تدهور الشعر العربي الذي بدأ منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حتى وصل إلى الحضيض؛ حيث انبرى البارودي وشوقي لمهمة إعادة الشعر إلى مساره البياني السليم، نافضين عنه غبار البديع المتراكم والعبث اللغوي الذي أفقده جوهره. وتزامنت تلك النهضة مع نهضة فكرية كانت مصر هي مصدر الإشعاع فيها؛ فالبارودي -وبدعم نقدي من حسين المرصفي صاحب كتاب الوسيلة الأدبية - وُصِف بأنه أول شاعر جاد في تاريخ مصر، وهو وصف دقيق؛ لأن كل الشعراء الذين عرفهم التاريخ الأدبي في مصر منذ دخول عمرو بن العاص مصر فاتحاً في القرن السابع الميلادي لم يبلغوا من الجدية في الشعر ما يجعلهم يصطفون بجانب فحول شعراء الشام والعراق أو نجد والحجاز، حتى ظهر البارودي الشاعر الجاد المجيد، فتقبله الشارع الأدبي بقبول حسن، وبات رمزاً من رموز الأدب تجوب أشعاره أقطار العالم العربي. ثم أكمل المسيرة بعده أحمد شوقي، وكان أسهل شعراً، وأعلى بياناً، وأقرب إلى الناس، فعادت به وبحافظ إبراهيم روح الشعر العربي فتية جذعة، وأصبح الشعر يُكتب ويُقيّم على أصول نقدية عربية خالصة، مدار التقييم الأول فيها هو البيان والبلاغة العربية.
ولكن هذه النهضة لم تُسعَف لتبلغ مداها الذي تستحقه، وتعرضت لريح عاتية كادت أن تعصف بها، وتمثلت هذه الموجة بمدرسة الديوان التي تزعمها عباس محمود العقاد ومن معه. والذي فعلته مدرسة الديوان هو انقلاب في المعيار النقدي للشعر العربي؛ معيار مختلف عما سار عليه منظرو النقد العربي منذ النابغة الذبياني حتى تلك اللحظة الفاصلة. فقد أُعجبت مدرسة الديوان بما وصل إليه الشعر الإنجليزي خاصة، والأوروبي عامة، من ثورة على الكلاسيكية التي كانت تقيد الشعر والشعراء لقرون طويلة، وصنعت لنفسها معايير جديدة تناسب عصر النهضة الفكرية الأوروبية، وتمثلت هذه الثورة بالمدرسة الرومانسية التي أُعلن بيانها في إنجلترا على يد الشاعر والناقد ووردزورث عام 1800م، ثم امتدت إلى مدينة الأنوار باريس وكان صاحب بيانها الأول الشاعر والروائي العظيم فيكتور هوجو في العام 1827م. ولاقت هذه الثورة الشعرية رواجاً عظيماً في أوروبا، وكانت علاجاً ناجعاً لما عانى منه الشعر في عصر كلاسيكية بوالو؛ فقد منحت الرومانسية للشاعر حرية التعبير عما يريد باللغة التي يريد، وركزت على مبادئ الحرية، والمساواة، والعاطفة، والصدق، والتماهي مع الطبيعة، مما أكسبها قبولاً تاماً في الأوساط الأدبية والشعبية على حد سواء، وجعلت الشعر متاحاً لكافة طبقات المجتمع فاستقرت مذهباً أدبياً ونقدياً ثابتاً لفترة امتدت من نهاية القرن الثامن عشر، وتعددت فروعها السياقية في نهاية القرن التاسع عشر، حتى زاحمتها مذاهب ما بعد الحداثة كالشكلانية والدادائية في بدايات القرن العشرين.
نعود إلى الأدب العربي؛ ولأن النهضة العربية تأخرت عن الأوروبية قرابة قرن من الزمان، كان التأثر الأدبي متأخراً أيضاً، فبينما بدأت الرومانسية تعاني من الشيخوخة في مهدها، بدأت بذورها في مصر بالترعرع، وكان لمدرسة الديوان بقيادة عباس محمود العقاد اليد الطولى في إحلال الفكر الرومانسي في الشعر العربي؛ فقد رأوا أن الشعر الأوروبي وصل إلى مرحلة من التطور تحتم على كل باحث عن الحضارة والرقي أن يقتدي به ويقتفي أثره، فسُلّت السيوف على مدرسة الإحياء، وخاصة رمزها الأكبر أحمد شوقي، واتُّهِم بالجمود، والتعالي على الشعب، والكتابة بلغة ليست للناس، وألصقوا بها التهم ذاتها التي وجهها رواد الرومانسية الأوروبية للكلاسيكية هناك. وكان مشروع الديوان الذي صدر كتابه في العام 1921م البداية الحقيقية لفكر فني غربي في الشعر العربي. طبعاً حاول العقاد التنصل من هذا التأثر ولكنه لم ينكر إعجابه با لتجربة الأوروبية، وكذلك رفيقا دربه المازني وشكري.
ورغم قوة شعراء الإحياء وتأثيرهم الكبير في المجتمع العربي، إلا أنهم واجهوا هجمة نقدية شرسة من مفكرين عظماء ونقاد متمكنين من أدواتهم، وفي المقابل لم يكن للمدرسة -وبرغم سلامة المنهج وصفاء منبعه العربي- قوة نقدية توازي إنتاجهم الشعري، فكانت الكفة أميل إلى مدرسة الديوان والمد الرومانسي.
ولا ننسى أن مدرسة المهجر -خاصة الشمالي- كانت قد تشربت المذهب الرومانسي إبداعاً شعرياً على يد كبار الشعراء كجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، ونقدياً على يد ميخائيل نعيمة الذي كان كتابه الغربال هجمة رومانسية متطرفة على الشعر العربي. وتكمن خطورة الغربال وفكر ميخائيل نعيمة النقدي في أنه قلل من شأن لغة الشعر بل واللغة العالية أيضاً، وتبع في ذلك ووردزورث الذي خالف صديقه كولريدج في مسألة لغة الشعر؛ فالأول نفى أن يكون للشعر لغة خاصة بل وفضّل اللغة النثرية، أما كولريدج فلم يبلغ هذا المبلغ. وقد تكرر هذا الخلاف في الوسط العربي مع نعيمة والعقاد، حيث ذكر العقاد في مقدمته على كتاب الغربال ذاته لميخائيل نعيمة أنه ضد أي تهاون في لغة الشعر أو التغيير النحوي، ولكن الأمر انفلت في النهاية من العقاد والتيار الذي حاول أن يحافظ على علو اللغة الشعرية وقوتها؛ وتحول كثير من الشعر العربي الرومانسي إلى شعر يُكتب بلغة نثرية أو أقرب إليها.
وكان هذا الانقلاب هو أخطر انقلاب نقدي في تاريخ الأدب العربي، حيث انحرفت بوصلة النقد العربي من معيار ظل ثابتاً لمدة تزيد على سبعة عشر قرناً إلى معايير جديدة يُقاس عليها النص الشعري، وهي معايير مدرسة ووردزورث وصديقه كولريدج ، ومنها: وحدة الموضوع، وذاتية النص، وصدق العاطفة وطغيانها على اللغة، وتمجيد الحزن كعاطفة نبيلة! هذه المعايير أحدثت الكثير من التغيرات في الشعر العربي، وتأثر بها أغلب شعراء القرن العشرين، وأصبحت هي التيار الغالب منذ تلك اللحظة حتى الآن!
ويطرأ سؤال مهم: لماذا لم تقاوم مدرسة الإحياء هذا المد الرومانسي رغم قوة شعرائها؟
وخلاصة الفكرة أن مدرسة الإحياء كانت قوية في الإبداع الشعري، ضعيفة في التنظير والحجاج، أما مدرسة الديوان فكانت ضعيفة في الشعر، قوية في التنظير والحجاج، فكانت الغلبة لمدرسة الديوان مدعومة بفكر استشراقي كان ينظر إلى التراث الشعري العربي بنظرة رومانسية بحتة.
هكذا دخلت الرومانسية الجو الأدبي العربي، وأصبح الشعر العربي رومانسياً في أغلبه، ولكن ما هي السمات الجديدة للشعر العربي بعد الرومانسية؟ وبماذا اختلف عن الشعر العربي ما قبلها؟ وهل كان التأثير سلبياً أم إيجابياً؟
أصبح النقاد الجدد يقيمون الأعمال الشعرية بناء على ما رسخوه من أصول نقدية مستمدة من النقد الرومانسي، وأهم السمات التي يبحث عنها الناقد الرومانسي هي: الوحدة الموضوعية، والصدق الشعوري، والتماهي مع الطبيعة، مع مسحة من الحزن التي أصبحت سمة عامة في الفكر الرومانسي. أصبح الشعراء يهتمون بالتعبير ولا شيء غير التعبير، ولأن الجيل الأول من شعراء الرومانسية كانوا أقرب إلى الطريقة العربية في الكتابة وتلقي العلم، أسعفتهم خلفيتهم اللغوية القوية في الدمج ما بين الأسلوب العربي لغةً وتركيباً، والأسلوب الرومانسي الغارق في العاطفة والحزن والالتزام بوحدة الموضوع؛ هذا الجيل أمثال خليل مطران، وأحمد زكي أبو شادي، وشاعر المهجر الشمالي إيليا أبو ماضي، وبدر شاكر السياب في العراق، وحتى العقاد نفسه كان شاعراً رومانسياً بلغة قوية التراكيب، صحيحة البناء. ورغم أن ناقد الرومانسية الكبير ميخائيل نعيمة قد أباح للشعراء القفز على أصول اللغة والتحرر من قيودها النحوية والصرفية، إلا أن الشعراء لم يبيحوا لأقلامهم الأخذ بهذه الرخصة إلا فيما ندر.
ثم بدأ الشعر يبتعد شيئاً فشيئاً عن الالتزام بعمود الشعر العربي، وأصبح الجيل التالي يستهين بالكثير من أصول الشعر ولغته وبنائه الوزني، وأصبح الشعر أكثر التزاماً بما تمليه الرومانسية من أصول، وأكثر انفلاتاً من أصول النقد العربي، فجاء شعراء مثل نزار قباني، وبلند الحيدري، وفاروق جويدة ليكتبوا الشعر بلغة النثر حتى وإن كانت موزونة في الكثير مما يكتبون. هنا أصبحت الذائقة العربية لا ترى في الشعر إلا تعبيراً عن الشعور بأي لغة كانت، واستقرت هذه الفكرة في الفكر النقدي والشعري، وأصبح الشعراء أنفسهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الصراع النقدي الذي أفضى بالشعر إلى هذا المستوى، ليظنوا أن ما يكتبون هو الشعر، وأن غاية مرام الشاعر هو التعبير عن الشعور ونقل الفكرة الحزينة والعاطفية غالباً إلى المتلقي بأقرب وسيط لغوي وبقالب وزني صحيح، بعيد عن العمق والصنعة الشعرية التي كانت أصل الشعر العربي قبل الهجمة الرومانسية!
ومن هنا نشأت الفكرة السائدة التي تربط ربطا حتميا بين الشعر والحزن، والشعر والطبيعة، والشعر وا لعاطفة، رغم أن الشعر العربي لم يكن يرتبط ارتباطا وثيقا بهذه المواضيع كالحزن مثلا لم يكن إلا موضوع من مواضيع الشعر كما نجده في شعر الرثاء، وشعر العذريين، وبعض الغزليين! واليوم نجد كل شعرائنا على امتداد الخارطة العربية هم شعراء رومانسيون منهم من يدرك ذلك ومنهم من لا يدركه، حيث تلاشت تماماً أو كادت معايير النقد التي تعتمد الأسلوب العربي قبل الرومانسية، وأستثني من ذلك قلة من الشعراء ما زالوا يكتبون شعراً عربياً خالصاً ولكنهم غائبون أو مغيبون عن المشهد، ومَن ركب موجة الحداثة التي أخذت الشعر إلى مكان أبعد مما أخذته إليه الرومانسية!
واليوم وبعد أن أخذت الرومانسية فرصتها الكاملة في الشعر العربي وأدت دورها، الذي كان ينتظره من روجوا لها ولكنها تجاوزت ذلك حتى أدت إلى ترهل الشعر لغة ومعنى، يجب أن يطرح السؤال المهم، هل حان الوقت الذي يجب أن نتجاوزها ونخلص الشعر العربي من تبعاتها ؟
** **
- مفلح البلوي