في ديوان الشاعرة نادية السالمي (غياهب ينسجها الوضوح) والصادر عن نادي الطائف الأدبي، ومؤسسة الانتشار العربي (2025م)، كان الغلاف مفتاح الكتاب، فهو يدلّ على ما تحتويه المجموعة الشعرية، فالغياهب ومفردتها غيهب، هي الظلام، والسواد، ثم تأتي المفارقة العجيبة، فهذه الغياهب المتوالية والمتعددة، ينشئها الوضوح، الذي هو الضياء، وهو الحقيقة، وهو المعادل الموضوعي والحقيقي للغياهب، فالضدان يتصارعان حول الحقيقة.
فهما، ينسجان الحياة، وتناقضاتها، ومن ذلك نجد جدلية الضوء والعتمة الذي تظهر لنا من العنوان الرئيسي، فهو ينبئُ عن الذات القلقة التي لا تُرى فيهما غير المتناقضين اللذين يتناوبان في الظهور والغياب، بل قد يكون الوضوح أحياناً هو الأداة التي تكشف لنا الحقائق الموحشة أو الضياع الذي نعيشه.
فالمعتاد أنّ الوضوح // الضياء يطرد الظلام، لكنْ الوضوح هنا ينسج الظلام. وكأن المعرفة قد تقود الإنسان إلى حقائق مؤلمة تجعله يشعر بالضياع أكثر من عدم المعرفة بالشيء.
ثم جاءت اللوحة التجريدية التعبيرية، التي توحي بالحركة والتوتر، لتعكس ما جاء في نصوص المجموعة، فهي سواد يحف به الضياء، وهي زوابع وضلال، وهي زوايا حادة لسواد يخترق الضياء.
وتعد عناوين القصائد هي (العتبات) التي نعبر من خلالها للنص، فنلاحظ أنَّ العناوين ليست مجرد أسماء، بل هي مفاتيح فلسفية تعكس صراعاً بين المتناقضات، أو فلنقل الأضداد المختلفة لتمرر فكرة ما.
فالوضوح ليس نوراً هادئاً، بل ضوءاً باهراً لدرجة العتمة. فعندما يكون الواقع شديد الوضوح، فإنه ينسج حولنا غياهبٍ من ظلمات الحيرة أمام واقع لا يمكن تغييره أو تجميله، أو حتى تحمُله.
ففي قصيدة يقين شامت، ص11، نجد أنّ (المرأة)، لن تكون فريسة سهلة (للرجل) الذي يتلاعب بعواطفها أيّما تلاع
فمن مسّ كبرياء المرأة سيعود بخفي حنين ولن تغفر له خطاياه التي اقترفها عن عمد.
وفي (نوتة ملتزمة) ص14، نجد: (من وِجهة الصدق لا من مهجة اللغة) حيث يفصح النص عن نفسه، فما سيقرأه هو بوح صادر من احتراق حقيقي (دمع من القهر أذكى نار مشكاتي). فالمرأة كالشمعة التي تحترق.
وتتجلّى قمة المأساة في المقطع (موجوعة بوفاء ظلّ يخنقني / بخيط مسبحة كانت ملذاتي) حين يتحول الوفاء والتمسك بالأشياء الطاهرة (خيط المسبحة) إلى قيد يخنق صاحبه، وتتحول الملذات الروحية إلى أداة للعذاب.
فالرجاء الذي (عاش يكبرني في عمره وصبره)، هو صورة بديعة لأمل طال انتظاره حتى شاخ، ولم يثمر سوى (دمع الخسارات). فهو تجسيد للأمل التائه الذي حُشدت دلالات النص للوصول إليه.
إنّ هذا النص ذو روح مرهفة، مرّت بتجارب قاسية، لكنها رغم (آخر الرمق) ما زالت قادرة على صياغة أَلمها، حيث تصنع من المرارات شيئا من الجمال الذي يجعلها نتسامى فوق مراراتها.
ونجد تناصا مع النص القرآني:
(كم طاف حولي بشير ساقه ضجر
بهدهد لا يعي فضل المقامات
وكم قميص خبا ضوء العيون على
إثر الوعود وتلويح البشارات
لكن سمعي مضى في غي أغنيتي
والرمش رتّب لي كتف انتظاراتي) ص16.
وفيه استحضار لقصة هدهد سليمان الذي جاء بخبر بلقيس، وهو ليس كهدهد النص، الذي لا يعي فصل المقامات، فالبشير يكون في الخبر الجميل، لكنه هنا بشير انكسارات وخيبات.
أما في تناص النص مع بشير يوسف عليه السلام، ففي القصة الأصلية نجد قميص يوسف أعاد ليعقوب بصره، أما هنا، فإن كثرة الوعود الكاذبة وتلويح البشارات الزائفة هي التي أطفأت ضوء العيون من شدة الانتظار والخيبة، واستمرت الذات في خداع نفسها (مضى في غي أغنيتي)، وواصلت الانتظار بصبر عقيم.
وفي جملة (يا عليماً بطرفي)، وما بعدها، إشارة إلى الدمع المنهمر، وهناك المفارقات: فالدمع يسقي السماء، في دلالة للتوجه إلى الله، وفي النص رحلة روحية ونفسية لروح شفافة تعرّضت للخذلان ممن مُنح الوفاء، ولجأتْ في النهاية إلى السماء للبحث عن حكمة وراء هذا الألم.
وفي نص (قافلة تهيئ كلبها)، ص19، يكون الظلم الاجتماعي، والخذلان هما سمة النص، فالقافلة تسير رغم كلبها النابح! وما أجمل الجُمل المجازية (يباس العذر)، (على حبل الغسيل نشرت ضلعي)، فـ(الضلع) يرمز للمرأة التي خُلقت من ضلع أعوج، لكنه هنا ليدل على الظلم، وكأنها مسئولة عنه!
فنحن أمام المجتمع الذي يطلق سيل اتهاماته (الكلب النابح)، و (الجور المتوارث)، وهو ظلم مستمر (أأعجب من صنيع الجور عمرًا وقد مُدت مسالكه العقول). ص19.
وتأتي عبارة (بلعت الموس) ص27، في صدر نص (صوتي)، لتكون صوتيم النص، فقد استعارت من الموس الحادة ما يمكن أن نطلق عليه السكوت المفعم بالألم، وهو صبر موجِع. وكل العبارات المجازية المتتالية تقودنا إلى قائمة من الممنوعات، والمحظورات التي جعلت من (بلعت الموس) دالا عليها.
وصلاة الغائب، تقام على الميت، وهو مدخل يشيء بتتابع الحزن، فالمشهد يكتنز بالدلالات الحزين ة، من موت يجعل الحزن متوزعًا وقائمًا ومتتابعًا في كل مكان، لكن ما سبب ذلك؟ إنها قائمة من الممنوعات التي رمزت إليها برموز تدل عليها مثل عدم الحرية في فعل ما يودّه الإنسان المغلوب على إرادته، كممنوع بناء السد وهو يدل على سائر الممنوعات، وفوات البسملات الذي يشير إلى الممنوع حتى ولو كان بسيطا مثل البسملات. ولا يمكن الانتصار على مشهد الحزن هذا بمشهد ضجيج لا يقدّم ولا يؤخر، فبوادٍ غير ذي زرع ودلالته القرآنية التي تدل على الجفاف ،والخلو من الناس في أبسط الحالات، وبئر يوسف التي رُمي فيها ، والرماة الذين غادروا مواقعهم في غزوة أحد ، كل هذه الصور المتتالية، بيّنت كيف جعلت قراءة الشاعرة للأحداث تنبئ عن فكرة فلسفية ومنطقية في آن: فالأخطاء تجعلنا نتجرّع مراراتها، بحيث تجعل من الأمور تذهب إلى غير وجهتها ( للحافين من بين الرعاة)،ص 28، وهكذا كُتب علينا بسبب هذه الأخطاء أنْ نكون في شتات، الشتات الذي لن يعاد ترتيبه، إلاّ من خلال الذات المثقلة بالجراح ( توكأ يا ذبيح الصوت)، (توكأ) تستدعي عصا موسى (المعجزة)، و(ذبيح) تستدعي قصة الفداء. ويستمر الخلاص (في الحرف النجاة)، رغم (الموس) في الحنجرة، ورغم (المنع)، يبقى الحرف (الكتابة/الكلمة) هو المرفأ الوحيد والسبيل الأخير للنجاة، وهي فكرة فلسفية جميلة تعكس الوعي بأهمية الكتابة. وفي الكتابة فعلٌ مقدسٌ يشبه المعجزة، فهي القادرة على تحويل (الذبيح) إلى (ناجٍ). والقصيدة تمزج بين الوجع الذاتي، وبين الهمّ الجماعي.
ونص (على عتبات المرايا)، ص30، نصٌّ صوفيٌّ فلسفيٌّ، يسبح في فلكِ (الوجدان)، ويتخذُ من الرمز وسيلة للمكاشفة. فهو يرسم رحلة (تطهير) ونقاء، وتحوّل من العادي إلى المتسامي. الذي تنشدهُ الروح، ومن الذات والمرايا (مواجهة وجودية)، فـ(المرايا)، هي الذات. والوقوف على (عتبات المرايا) يعني الوقوف في المنطقة الفاصلة بين الحقيقة والصورة.
و(فتنة اللاشيء) تدور على فكرة الزهد في الماديات والبحث عن الجوهر الذي لا يُرى. ولكنه موجود.
والنص يتكئ على دلالات صوفية، واستُحضُرتْ عوالم العشق الصوفي لتعبّر عن الذات.
وفي قصيدة (للمجاز سيرته) ص36، تتجلى فلسفة الحياة، التي تحمل عنوان (للمجاز سيرة)، أو أنسنة المجاز وهو نصٌّ يغوص في فلسفة الألم، والتضحية، والبحث عن اليقين وسط عالم من التشظي.
ونص (عراك النخيل) ص39، فيه تأملات فلسفية عميقة، فالنخيل في الموروث العربي رمز للثبات، والشموخ، والعطاء. أما وصفه بـ (العراك)، فيوحي بانقسام الذات، أو فلنقل صراع المتناقضات داخل الهوية الواحدة. وهو صراع بين (اليباس) و(الخضرة)، أو بين (الأصل) و(التحوّل).
وتعدُّ القصيدة نصاً مُثقلاً بالإشارات السيمائية، ومن منظورٍّ تأويليٍّ بحت، فلا نقرأ النص بوصفه كلمات، بل بوصفه أفقاً يلتقي فيه وعي الشاعرة بوعي المتلقي، حيث تتحول النخيل والناقة والصحراء من مفردات بيئية إلى رموز للصراع الإنساني المرير. فقصيدة (عراك النخيل) هي نص انكسار الهوية؛ حيث تتحول الرموز البيئية المستقرة (نخيل، رمل، نياق) إلى عناصر متآكلة. وتخرج القصيدة من إطار ما يمكن أن نطلق عليه (شعرية الفضاء المفتوح) إلى إطار (الشعر الوجودي)، حيث القفر ليس مكاناً، بل هو (طوقٍ) ما فتئ يحيط بالروح، والعراك ليس مادياً، بل هو صراع بين الأمل (الاخضرار) والواقع المرير (اليباس).
وتتجلى فلسفة الزمن في صراع (المحاق) و(الطلول) وهما مختلفان لا رابط بينهما سوى علاقتهما بالتغير والصيرورة التي تحدث، فالنص يبدأ بحركة زمنية مرتدة (نوق لي مضت) نحو (المحاق) وهو ما يمكن أن يرمز للعدم أو الفناء. ومنذ البدء تتجلّى فلسفة الزمن في النص. ولنقل كان هناك صراعا بين المقسوم والتسليم به (القدر)، وبين الإرادة التي تحاول أنْ تتقاطع مع هذا المقسوم وليس لها ان تفعل شيئا سوى اتباع الإشارات، والاذعان لها.
فالقصيدة لا تتحدث عن رحلة في المكان، بل عن رحلة (الصيرورة)، والتحولات التي رُمز لها بالنوق العجاف هي السنون التي تُساق نحو الفناء وتمثل الأيام أو الأحلام التي استهلكها الواقع (تحت ضرسي). فاستحضار (الطلول الرميم) ليس بكاءً على الأطلال بالمعنى التقليدي للبكاء؛ بل هو محاولة لبعث المعنى من حطام الماضي لمواجهة (العُمر المُراق). والإنسان هنا يعيش قلق الزمن الضائع الذي يحاول لملمة شتاته.
و(تسوق عجافها نحو المحاق): هنا إمعان في التلاشي، فالمحاق هو غياب القمر، وسوق العجاف إليه يعني المضي نحو النهاية والعدم، أما هجوع الوشم سرا فالوشم علامة ثابتة لا ترحل، لكنه هنا (هاجع)، مما يوحي بسرٍّ مكتوم أو قدرٍ محتوم سُطّر على جسد الرحلة (النياق)، والنخيل وهي (علامة الحياة) أصبحت محاصرة بالقفر وهو (علامة الموت).
وفي آخر بيتنين من النص، نجد الأمر متعلقا بالذات الأنثوية، المكبّلة بالقيود التي هي هنا بمثابة قفر موحش، وهي قضية بنات جنس الشاعرة، فهن يكبحن تحت جناح هذا النسق الطاغي الذي ينالهن دائما.
والقصيدة رحلة بين (الاستهلاك الوجداني) و (الحصار الوجودي)، وبين الرغبة في (الوفاق) وحقيقة (الفراق)، أو فلنقل تظل المرأة نخلةً تعارك يباسها في صحراء لا ترحم.
وفي نص (لاجئة) ص45، تتجاوز تصوير المعاناة اليومية للاجئة، لتطرح تساؤلات وجودية قلقة حول الحياة، والموت، والعدم، فالشرفة من جحيم، ولماذا من جحيم؟ هي ليست شرفة منزلها بالطبع، بل شرفة مؤقتة، تطل من خلالها على الهوان والذل الذي تعانيه كلاجئة. وتجدها شيئا من هول يوم القيامة، تلك الشرفة البغيضة واللاجئ بطبيعة الحال، يأنف من مكان لجوئه المؤقت، ويشعر بالمرارات التي جعلته يسكن هذا المكان ويتخلى عن مكانه الحقيقي.
وهناك إطلالة مباشرة على الجحيم (سقر). وتستعير مشاهد يوم القيامة (الأجداث، الزلزلة) لوصف هول هذا الواقع. وتجرّب معنى (الشك في المهج)، حيث ينهار اليقين أمام قسوة المشهد.
فاللاجئة تعيش حياة المابين، فليست بالحية ولا بالميتة، بل بحياة البرزخ، والصبغة الجنائزية في النص، توحي بأنَّ اللاجئة قد أضحت جثة وليس انسانا يعيش.
وفي النهاية، هي ذات منكسرة (أنا ثوب الردى الأبدي)، وليس لها ذنب في ذلك، فهذا المنفى لم تكن اختارته، فهي تتشظى وتُسحق على كل شيء ابتداء من الأهلين والولد وهم الأقرب لها فلم يبقَ منهم شيئا واستحال الموقف إلى قبرٍ تُساق إليه بيد غيرها لا بيدها، وهو البرزخ أو المنطقة الوسطى بين الحياة والموت.
ووصف النص حالة اللاجئة بين البرد والجوع وانعدام الحياة الكريمة والأمن، وليس هذا فحسب؛ بل حاكمَ ضعِف المنطق الأخلاقي في هذا العالم (ببحر فقهٍ بغير الفقه ممتزجُ)؛ وهذا من قسوة الحياة عليها، والمنطق المؤلم الذي تدفع ثمنه، وكل من هم على شاكلتها، فتفلسف المسألة في (المنطق السمج) الخالي من الأخلاق والعُرف، والقانون، فهو منطق يبجل الثأر ويمنح المجد لمن يسير في ظلام الغواية ويترك وضوح الحق.
وفي نص (طفولة دكناء)، ص49، يشير إلى طفولة غير صافية، ولم تجرِ أمورها على العادة كما هي الطفولة؛ بل هي طفولة قد اعتراها ما اعتراها من عذابات وهموم.
وفيه مشاهد العذاب الذي يحلّ بالإنسان (الطفولة تحديداً) بسبب الحروب والزيف المجتمعي والفكري.
فمنذ البدء فالأرض لا تمنح خيراً، والصدور تخبئ الأكاذيب. وليلى في هذا النص ليست حبيبة قيس، بل هي طفلة تواجهُ قدراً مثقلاً بالوحل والدموع. وفي (إليك الجذع)، استدعاء لقصة السيدة مريم (وهزي إليك بجذع النخلة)، لكن المفارقة هنا أنّ ما يسّاقط ليس رطباً جنياً، وإنما قدر الحزن. وتطلب منها أن تواجه قدرها بصبر مرّ، لأن المعجزة غائبة. وتستدعي أسماء عربية ذات مغزى في النص: عمر، عمرو، هند، أحمد، وهي أسماء تعبّر عن الذاكرة العربية والاجتماعية. لكنها أسماء سقطت قيمتها أمام هول الواقع. حتى أحمد (الذي قد يرمز للإنسان البسيط) صار وجهه (كهلاً) من فرط التعب.
كما هو الحال لعفرا (عفراء) حيث تُستحضر قصص الحب العذري (عروة وعفراء) لكن صوتها هنا يستحيل (خوفاً) ويتحول لسكين (نصل) في الروح، ما يعني أنه حتى الحب لم يعد ملاذاً، بل وجعاً إضافياً.
وتستحضر (البسكويت) الذي يرمز لبراءة الطفولة، فيسقط دون آكل، وبين المجزرة التي تشرب نبيذ الحرب والموت، والبالون الدال على البهجة عند الأطفال، يشير إلى الطفولة السريعة والعابرة لدى الأطفال، وتستمر الصور إلى أنْ نقف عند
(وسربٍ هارب لعق الدما منْ
ذباب زاد ثقل الموت ثقلا)
والصورة وأنْ كانت مقززة ومفزعة إلاّ أنها تصوّر ثقل الموت الذي يزداد قتامة بوجود الذباب الذي يلعق الدماء، وهي اشارة للامتهان الذي يتعرض له الجسد البشري.
وما سقوط الشيخ الفقيه إلاّ دلالة على الجمود الفكري الذي أصاب المجتمع، وسينشق الفرات، الذي هو الماء المنبثق، وهو دلالة على قرب الانفراج في مسألة اغتصاب الطفولة، فدلالة استحضار الماء، وهو الحياة بالمعنى الأشمل دليل على قرب نهاية مأساة الطفولة المغتصبة.
وتتوالى الصور، فالمراجيح تتألم، والمناديل تبلى، والأسماء تشيخ. واستخدمت لغة تفكيكية، حيث يسقط كل شيء (سيسقط، سيسقط، سيسقط) لتعيد بناء صورة الواقع كما تراها: مشوّهة، دامية، ومنتظرة لمعجزة قد لا تأتي من جذع نخلة بالٍ، بل من وعي الإنسان بخرابه الشخصي. الذي تسبّب في كل هذا.
وتسقِط الماضي على الحاضر برمزية تستخدم فيها لغة السخرية والتهكم، في نص (خزعبلات)، ص56 ، وينبئ العنوان عن ماهية النص؛ فخزعبلات، هي الأحاديث الباطلة التي لا أساس لها من الصحة، وهي محض خرافة لا تقوم لها قائمة، ولذا فالقهر هنا متراكم، ومتراكب، والنص يبدأ بـ(بحة القصب)، فلا معنى للناي من دون صوت، وهي رمزية للحالة العربية، وعجز الصوت العربي، عن الإعلان عن حالته، أو قد بُح صوته ولا مجيب له.
وضمير الجمع في البيت الثاني يشير إلى العرب، وفي البيت الثالث يظهر المراد من النص، حين جيء بالقدس، وبقضية العرب الأولى، فتشظي الحدود تدل على ضياع الوحدة، والصوت المنتحب هو عدم القدرة على شيء إلاّ على البكاء، وبدلا من المواجهة (لاذوا خلف منتحب) وفي هذا إشارة واضحة إلى العجز المبين. وما استدعاء موسى عليه السلام، وتلك الخلفية الدينية إلاّ لتدل على تعلّق الأمر بشعبه من (اليهود)، وما بيننا وبينهم، وكذلك سِفر حزقيل، وهرمجدون، وحطين، وكلها دلالات تاريخية، وورد (الحمامة تعلو سلّم اللهب)، فالحمامة (رمز السلام) لم تعد تحلّق في سماء صافية، بل تعلو (سلّم اللهب)، في إشارة إلى أن السلام المزعوم هو مجرد رمادٍ يحترق!
أو أنه سلام مفروض بالنار والكذب (بشْرنا بقلبٍ حيٍّ بلون الكذب).
فلن ينتهي هذا العبث حتى (يفرّق العالم الحرب)، أي حتى يدرك العالم حقيقة المحرقة أو النهاية التي يُساق إليها، ويميز بين السلام الحقيقي وبين (الخزعبلات) السياسية التي تلبس لبوس الدين.
وفي نص (في سبيل الرضا)، ص58 وهو نص سيكولوجي- إذا جاز التعبير- حيث الضحية/ الأنا، تتحوّل إلى أداة ما لتصفية نفسها أو لقتل الآخر. فخادم/سادن القهر، أصبح شعورا محسوسا، وهو واقف كحارس على الباب، والضحية مرآة لجلادها، (وآثر العري على ستر العرايا)، حالة لمكاشفة مؤلمة؛ فلم يعد البشر يملكون ما يسترون به خيباتهم، فاختاروا المواجهة بعجزهم الكامل.
وتمزيق آيات التحايا بـ(السيف) هو انتهاء عصر الود والمجاملات الإنسانية، وحلول عصر الصدام والعدمية.
وتستذكر زمناً كانت فيه (المنى) و(الأحلام). فقد كانت الأحلام سابقاً تهدف لتحقيق (الإشراق الروحي)؛ لكنها اليوم انحسرت لتصبح مجرد دفاع ضد صعوبة (لقمة العيش). وهنا نستشف تردي الطموح البشري؛ حيث تحول الحلم من السمو إلى مجرد البقاء على قيد الحياة.
وما موت الدمع حين (ينزف العمر سبيلا للردى)، إلاّ تأويل لحالة القسوة التي تلي اليأس؛ فالحزن (الدمع الشفاف) يختفي ليحل محله الدم الذي (يستفز الثأر). ويصل النص إلى ذروة المأساة حين (توزيع المنايا) وحالة الاستسلام لـ (فيلق الموت)، حين ينجرف الناس دون وعي لإطفاء الشمع (الأمل) وابتزاز النوايا (التشكيك في الآخر).
** **
- سعد حامدي الثقفي