في حدثٍ سيبقى علامةً فارقةً في التاريخ السياسي والإستراتيجي للعالم الإسلامي، احتضنت مكة المكرمة، أطهر بقاع الأرض وقبلة المسلمين، قمةً استثنائية جمعت المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، لتعلن من جوار بيت الله الحرام ميلاد مرحلة جديدة من التعاون والدفاع المشترك، تقوم على الحكمة، ووحدة الصف، وحماية الأمن والاستقرار.
ولم يكن اختيار مكة المكرمة مقرًا لهذه القمة التاريخية مجرد اختيار لمكان الاجتماع، بل كان رسالةً حضارية وسياسية وروحية إلى العالم أجمع، بأن الأمن الحقيقي ينطلق من أرض السلام، وأن مستقبل الشعوب يُبنى بالحكمة والتعاون والاحترام المتبادل، لا بالصراعات والانقسامات.
وزادت هذه الرسالة قوةً بانعقاد القمة في يوم الجمعة المبارك، ثم اجتماع قادة الدول الثلاث في المسجد الحرام لأداء صلاة الجمعة، في مشهدٍ نادر يجمع بين القيادة والإيمان، وبين المسؤولية السياسية والبعد الروحي، ليؤكد أن وحدة الصف الإسلامي تبدأ من وحدة المبادئ، وأن التعاون بين الدول الإسلامية يقوم على قيم العدل والسلام وخدمة الإنسان.
وفي قلب هذا الحدث التاريخي، برزت الرؤية الإستراتيجية والقيادة السياسية لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي واصل ترسيخ مكانة المملكة باعتبارها مركزًا للحوار، وصناعة المبادرات، وبناء الشراكات الإستراتيجية، وجمع القادة حول رؤية مشتركة تعزز الأمن والاستقرار والتنمية.
كما تجسد مشاركة فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان ودولة رئيس الوزراء محمد شهباز شريف مستوى الثقة المتبادلة بين القيادات الثلاث، وإيمانها بأن التعاون والتكامل هو الخيار الأمثل لمواجهة التحديات، وتحقيق الأمن والازدهار لشعوبها.
إن البيان المشترك الصادر عن القمة، وإعلان اتفاقية الدفاع المشترك، لا يمثلان مجرد تفاهم سياسي، بل يؤسسان لمرحلة جديدة من التعاون الدفاعي والأمني والإستراتيجي، ويعكسان إرادة مشتركة لبناء منظومة متماسكة تحفظ الاستقرار، وتعزز الردع، وتدعم السلام الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه القمة تمثل نواةً لتحالف إستراتيجي يمكن أن يتوسع مستقبلًا بانضمام كل دولة تؤمن بالسلام، وتحترم سيادة الدول، وتنبذ التطرف والإرهاب، وتسعى إلى خدمة الإنسانية وتعزيز الأمن والاستقرار. فالعالم اليوم بحاجة إلى تحالفات تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق، وتدافع عن الاستقرار والتنمية لصالح البشرية جمعاء.
كما أن وحدة الدول المعتدلة وتنسيق جهودها تبعث برسالة واضحة لكل من يسعى إلى نشر الفتن، أو تأجيج الصراعات، أو تهديد أمن الشعوب، بأن المجتمع الدولي والدول المسؤولة قادرة على حماية الاستقرار، وترسيخ الأمن، ومواجهة كل ما يهدد السلم، في إطار القانون الدولي والاحترام المتبادل بين الدول.
لقد اختارت المملكة مكة المكرمة، واختارت يوم الجمعة، وجمعت قادة ثلاث دول محورية في بيت الله الحرام قبل أن تطلق إلى العالم بيانًا يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون والدفاع المشترك. إنها رسالة تتجاوز حدود السياسة، لتؤكد أن المملكة العربية السعودية أصبحت منصةً لصناعة المبادرات الكبرى، وجسرًا للحوار بين الأمم، وقوةً فاعلة في ترسيخ الأمن والسلام.
وستبقى قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك محطةً تاريخية مضيئة، تؤكد أن الحكمة والقيادة الرشيدة قادرتان على جمع الدول، وصناعة التحالفات، وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا، خدمةً لشعوب المنطقة والعالم، وترسيخًا لقيم السلام والتعاون التي تحتاج إليها البشرية في هذه المرحلة الدقيقة.
** **
د. جابر عايض الفهاد - رئيس مجلس الأعمال السعودي - الأسترالي (الجانب السعودي) رئيس اللجنة الوطنية للطاقة والبتروكيمياويات