قمت بتقطيع القصيدة إلى ثلاثة مقاطع كي يسهل عليّ تفكيكها، حيث كان لكل مقطع رسالة أراد الشاعر أن يوجهها إلى الآخر، ولكني اكتفيت بنشر تحليل مقطع واحد بما تسمح به الصحيفة.
الجو العام
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية جيل جديد او جيل الهزيمة او جيل الانكسار أطلقوا على أنفسهم beat generation سرعان ما تحوّلت إلى حركة شعرية وفنية، أخذت بتطوير أساليب الشعر الأمريكي منذ والت ويتمان إلى أزرا باوند وتامس أليوت، حيث أدخلت تقنيات قصيدة النثر إلى الشعر الأمريكي، اتسمت هذه الجماعة بروح التمرد والاختلاف كردة فعل عنيفة على ما آلت إليه الحياة والانكسار الذي سيطر على المجتمع الأمريكي بعد نهاية الحرب، حيث التقى مجموعة من الشعراء وأهمهم ألن غينسبرغ ووليام بوروز وجاك كيرواك وكانوا رافضين لهذه الحرب، واتفقوا على تأسيس هذه الجماعة وقد اتخذوا موقفاً حادًّا من الحرب، حيث تزامن هذا مع صعود تيارات معادية للسود مثل المسيحية اليمينية الأصولية في أمريكا، وتنامي ظواهر العنصرية والتعصب والتمييز العنصري ضدهم.
دلالة العنوان
تعبر هذه القصيدة عن موقف فئة من الشباب الأمريكي اليائس، الثائر ضد مجتمع ديني اتخذ التطرف وإقصاء الآخر منهجًا لحياة البيض وهم غالبية السكان، حيث تحوّل إلى مجتمع مدمّر وانتهازي، خاصة ضد السود، فجاءت هذه القصيدة صوتًا مدويًّا مدافعًا عن القيم الإنسانية للمجتمع الأمريكي التي يجب أن تكون متساوية، خاصة أن الدستور الأمريكي نفسه أقرّ بألا تكون هناك أي تفرقة لا دينية ولا عرقية استنادًا إلى اللون أو العرق، لذلك انحاز جماعة
beat إلى السود وإلى ثقافتهم، وأيضًا جاءت القصيدة كصرخة لاستعادة القيم العليا التي قامت عليها أمريكا الدستورية الحديثة والتذكير بهذه القيم والأخلاقيات التي بُني عليها الدستور الأمريكي، ثم عرجت على وصف حياة المجتمع الأمريكي بعد الحرب وما آلت إليه أخلاقيات هذا المجتمع.
المقطع الأول
رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون، عراةَ ومُهَسْترين، يجرجرونَ أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة،
هَبائيون* برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل، الذين بفقْرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولينّ جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز
مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL
*ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء الفقيرة.
يعتبر هذا المقطع أهم وأشهر مقطع في القصيدة، حيث يصف الشاعر حالة الإحباط واليأس التي هيمنت على نفوس الشباب بعد الحرب، والتي أفضت إلى التشكيك في مقدسات المجتمع والتنكر لها، باعتبارها ردّ فعل على المنظومة الأخلاقية والدينية التي اعتبروها عائقًا حال دون تحقيق تطلعاتهم وآمالهم المستقبلية،
تكونت الفكرة العامة بإعلان صادم (رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنون) والشاعر لا يقصد بالضرورة الجنون المرضي وحده، بل يشير إلى جيل كامل من المبدعين والمفكرين والفنانين الذين سحقتهم ضغوط المجتمع الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية: الفقر، الإدمان، القمع الاجتماعي، والاغتراب، كلمة (أفضل العقول) تمنح هؤلاء المهمشين قيمة أخلاقية وفكرية، رغم أن المجتمع يراهم منحرفين أو فاشلين.
ولو أخذنا الصور الشعرية التي وصفها الشاعر مثل قوله (يتضورون، عراة ومهسترين)
المقطع مليء بصور تجمع بين القبح والجمال، حيث يرسم صورة جسدية للانهيار، فالجوع والعري والهستيريا علامات على السقوط الإنساني الكامل، بينما تأتي الصور التالية:
يجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجية في الفجر، يستخدم الشاعر تقنية التقطيع السينمائي؛ أشخاص يسيرون منهكين في أحياء فقيرة ومهمشة عند الفجر، وهو وقت يقع بين نهاية الليل وبداية النهار، فيرمز إلى الضياع والانتظار، ثم ينتقل إلى صورة أخرى:
باحثين عن إبرة مخدر ساخطة، فهنا مفهوم الإبرة لا يظل بمفهومها اللفظي من كونها وسيلة للإدمان، بل رمز لمحاولة الهروب من واقع لا يُحتمل. ثم يجمع الشاعر بين تناقض المقدس والمدنس، والمتتبع لسمات أسلوب غينسبرغ فهو يعمد دائما إلى الجمع بين الرموز الدينية والحياة المنحطة، مثل قوله هبائيون برؤوس ملائكة حيث جمع بين الهبائي (الهيبي أو البوهيمي الضائع) والملائكة رمز النقاء والقداسة، إذ يحول الشاعر الأنسان المنبوذ إلى ملاك سقط في عالم قاسٍ، وكذلك قوله يتحرقون للوصال السماوي العتيق، فأنهم رغم الإدمان والفقر، فإن الشخصيات لا تزال تبحث عن معنى روحي واتحاد مع المطلق، مما يجعلها شخصيات مأساوية لا مجرد مدمنين.
ثم يوظف الشاعر الرمزية من خلال من خلال قوله (الدينمو النجومي) الذي يجمع بين الآلة (الدينمو) والنجوم (الكون والروح)، وهو انعكاس لصراع الإنسان الحديث بين الحضارة الصناعية والحاجة إلى التجربة الروحية، ثم يعمد الشاعر إلى توظيف مفردة الجاز، والجاز هنا ليس موسيقى فقط، بل رمز للحرية والارتجال والتمرد على القواعد الاجتماعية، لذلك يصبح وسيلة للتأمل والبحث عن الذات.
ولعل اللافت للقارئ المسلم أو العربي بالذات أن يجد مفردة الإسلام وقد وظفها الشاعر على شكل استعارة.
عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة
هذه من أكثر صور القصيدة شهرة وغرابة، فيها عدة مستويات كشف الأدمغة للسماء يرمز إلى الانفتاح الكامل على التجربة الروحية، (القطار المرتفع) تمثل المدينة الصناعية الصاخبة.
سكة وسط الحديد والضجيج تظهر، ثم يلتجئ الشاعر إلى استعارة ملائكة الإسلام EL
وهي ليست إشارة عقائدية مباشرة إلى الإسلام بقدر ما هي استعارة لرؤية صوفية أو كشف روحي، حيث يستحضر الشاعر رمزًا دينيًا خارج الإطار المسيحي المألوف للتعبير عن تجربة تتجاوز الحدود الثقافية بل المفارقة أن الرؤية السماوية تحدث فوق الأحياء الفقيرة لا في المعابد
أما من حيث اللغة والإيقاع أعتمد غينسبرغ على الجمل الطويلة المتدفقة التكرار
(الذين... الذين... من...) يعقبها التكثيف الذي يكون أبرز سمات قصيدة النثر منذ نسختها الفرنسية حيث نجد تراكم الصور دون توقف، وهو ما يرتقي بالقصيدة إلى مصافي النشيد او تيار من الوعي ويمنحها إيقاعا متلاحقا يحاكي فيض الأفكار والانفعالات، حيث يجمع هذا المقطع بين الواقعية القاسية والرؤيا الصوفية؛ فهو يبدأ بمشهد لانهيار أجساد وعقول جيل كامل، ثم يحول هذا الانهيار إلى رحلة بحث عن الخلاص والمعنى، ويستمد قوته من المفارقات المتكررة (الفقر في مقابل القداسة)،
(الإدمان في مقابل التوق الروحي)، (المدينة الصناعية في مقابل الرؤيا السماوية).
الخصائص الفنيّة
تألفت القصيدة من ثلاثة أجزاء وحاشية أضافها الشاعر لاحقاً، وكٌتبتْ كقصيدة نثر على شكل كتلة (مقال)، وهو الشكل الأصلي لقصيدة النثر الفرنسية، كما ان مكانة قصيدة عواء في الشعر الأمريكي، تضاهي مكانة قصيدة تامس أليوت أرض الخراب في الشعر الإنكليزي، فكلاهما جاء كردة فعل على نهاية حرب كونيّة، قصيدة أليوت جاءت كردّة فعل على انتهاء الحرب العالمية الأولى 1917 وموضوعها كان وصف حالة أوروبا والأنسان الأوروبي بعد نهاية الحرب، أما قصيدة عواء لغينسبرغ فكانت لوصف ما آلت إليه حالة المجتمع الأمريكي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، وخاصة صعود النزعة الدينية المتطرفة للعرق الأبيض وموقفهم العنصري ضد السود، حيث أسّس مجموعة من الشباب المثقف الأمريكي الذي جمعهم الشعر والفنّ حركة بيت Beat
لتقف بالضد من النزعة العرقية المتطرفة للبيض، فانحازت هذه الحركة بالكامل بأنّ جماعة إلى السود وإلى ثقافتهم، ومما ذكره ألن قوله: (كان كيرواك يذهب إلى هارلم للاستماع إلى الجاز واستلهام الأساليب الموسيقية والإيقاعية الأفريقية، كانت صلاته مع السود أكثر من البيض، وكان يحرص على تبيان دور ثقافة السود في الفنّ الأمريكي الابتدائي بأسره، وضرورة إعطائها ما تستحقّ من مكانة وشرف وكرامة).
ولعلّ من المهم التذكير بتلك الروابط التي جمعت بين جماعتين شعريتين هما: جماعة (بيت الأمريكية) وجماعة (كركوك العراقية) لذلك أثرت هذه القصيدة بشكل كبير جداً ببعض شعراء جماعة كركوك مثل سركون بولص الذي قام بترجمة القصيدة إلى العربية، وأيضاً كتب قصيدته (قارب إلى ألكتراز) والتي ترجمت موقفه مما يقوم به الرجل الأبيض من استلاب حقوق أهل البلد الأصليين من الهنود الحمر، وأيضاً تأثر بقصيدة عواء، الشاعر فاضل العزاوي فكتب قصيدته المعروفة (سلاماً أيتها الموجة... سلاماً أيها البحر) في أوائل السبعينيات على طريقة ألن غينسبرغ.
دلالة عتبة العنوان
يحمل لفظ العواء دلالات صوتية ونفسية ورمزية متعددة
العواء هو صوت يخرج عند أقصى درجات الألم أو الفقد أو العزلة، وهو يختلف عن الكلام المنظم لأنه تعبير غريزي لا يخضع للعقل أو البلاغة التقليدية، لذلك يختار غينسبرغ عنوانًا يوحي بأن القصيدة ليست حوارًا هادئًا، وإنما صرخة وجودية في وجه عالم يدمّر الإنسان أو قد يختزل موقف الشاعر من المجتمع الأمريكي في خمسينيات القرن العشرين؛ فالقصيدة تمثل احتجاجًا على المادية والقمع الاجتماعي وتهميش الفنانين والمختلفين، إن «العواء» هنا هو صوت جيل كامل، وليس صوت الشاعر وحده، ولذلك يبدأ النص بقوله (رأيت أفضل العقول في جيلي) ليجعل من العواء صوتًا جماعيًا للمقهورين.
وأيضاً يرتبط العواء في المخيال الإنساني غالبًا بالذئب أو الحيوان الوحيد في الليل، مما يمنحه دلالة العزلة والنبذ، وهذا ينسجم مع شخصيات القصيدة من الفقراء، والمدمنون، والمهمشون، والمصابون بالاضطراب النفسي، الذين يعيشون خارج النظام الاجتماعي السائد.
الخلاصة
يختزل عنوان العواء جوهر القصيدة كلها كان يرمز إلى صرخة احتجاج وصوت ألم وإعلان تمرّد على مجتمع يسحق الحرية والإبداع، ومن ثمّ فإن العنوان يؤدي وظيفة رمزية تتجاوز معناه المعجمي، إذ يتحول إلى استعارة كبرى تمثل معاناة جيل كامل، وتجعل القصيدة منذ عنوانها فعل مقاومة وكشف لا مجرد نص شعري، وأخيراً أترك القارئ يستنبط من القصيدة معانٍ ودلالات أخرى، تجعل من النص يتجدد مع كل قراءة.
** **
رسول عدنان - ناقد وشاعر عراقي.