** لستُ أكتبُ هذه السّطور لأبحث عن تعاطف، بل لأنقل تجربة مريرة توجز حال الكاتب العربي اليوم، كان الدّافع لهذا المقال حادثة شخصية مع إحدى المجلات التي تملك تاريخاً عريقاً في المشهد الثقافي (مجلة ثقافية، صدر العدد الأول 1977م، تتناول بعمق موضوعات الفكر والأدب)، والتي كنتُ أطمح أن يُدوّن اسمي بين زمرة الباحثين الذين ينشرون على صفحاتها.
** بدأت العلاقة بإرسال مقال نقدي لمراجعة كتاب لأحد النقاد المهمين، وبعد اطّلاع هيئة التحرير على العمل، جاء الرد بالموافقة على النشر. وحين سألت عن موعد الصدور، كان العذر «زحمة المقالات»، فآثرت احترام هذا المبرر المهني. ولم أكتفِ بذلك، بل انصرفت لإعداد مقال ثانٍ، أرسلته لهم، فطلبوا تعديلات جوهرية، أجريتها بدقة، ثم جاءت الموافقة مجددا بالنشرً.
** منذ عام 2023 وحتى اليوم 2026، والوعود تتوالى بالانتظار، تواصلت معهم لاحقاً بنية الاستفسار لا الضغط، ظناً مني أن العمل ربما سقط سهواً أو أُدرج في عدد قادم، فكانت المفاجأة صادمة: اعتذار عن عدم النشر ببرود شديد، دون مراعاة لعامين من الانتظار أو للجهد المبذول!
** في تلك اللحظة، تذكرت كلمات أستاذ جليل قال لي يوماً: «حين تشعر بنوع من الإهانة في تعامل بعض المجلات معك، تأكد أنك أصبحت كاتباً حقيقياً؛ فهذا هو ديدن المجلات التي باتت تحكمها المحسوبيات، أو دور النشر التي تتعامل مع الكاتب كمشروع ربحي، متجاهلة ذلك الشغف الذي يدفعنا للكتابة».
** أسئلة كثيرة تفرض نفسها بإلحاح: متى يُنصف الكاتب؟ من يحفظ كرامة الكاتب؟ هل ما زال هناك من يؤمن بالفكر والثقافة فعلاً؟ ولماذا نضطر لـ»التغرب» في بلادنا والبحث عن منصات نشر في أصقاع أخرى لنحفظ أعمالنا؟
** إلى كل كاتب، أقول: لا تستغرب إذا ظلّت بعض أعمالك حبيسة الأدراج، بل قد يرحل صاحبها وتبقى مسوداتها شاهدة على «اعتذار عدم النشر»، لقد قررت كتابة هذه التجربة لأبرئ ذمتي أمام الأجيال القادمة من الكتاب، ولأبحث عن أفق جديد ومجلة أخرى، فالقصة لم تنتهِ، وهذا هو قدَر الكاتب الذي اختار أن يكتب في زمنٍ أصبحت فيه الثقافة بضاعةً لا تُقدّر.
** **
- د. أسامة خضراوي