في إحدى الليالي الهادئة، كنت منهمكة في مراجعة مادة (علم نفس الكبار) التي أدرِّسها لطلبة المرحلة الثالثة. وبينما كنت أتصفح الكتاب، لفت انتباهي أن صفحة اسم المؤلف والمترجم كانت مقطوعة. لم أتوقف عند الأمر كثيراً ، فقد غلبني النعاس وأغلقت الكتاب واستسلمت للنوم.
في الحلم، ظهر لي رجل كبير في السن يرافقه شاب، ودعواني إلى مكان وصفاه بأنه (جميل جداً). ترددت قليلاً، وقلت لهما (لكن بشرط ألا أتأخر حتى الليل، فأنا أخافه). ابتسم الرجل ووافق، ثم أخذاني إلى عالم يشبه معرضاً واسعاً للهدايا النادرة، أشياء براقة وفريدة تتساقط من كل مكان، وأعطياني عربة لأملأها بما أشاء.
وبينما كنت أجمع أجمل ما تقع عليه عيناي، التفتُّ إلى الرجل الكبير وسألته: (من أنت؟) فأجاب بهدوء: (أنا عايف حبيب).
استيقظت وأنا أردد الاسم بدهشة: ما أجمله وما أكثر ما يحمله من حزن. وبعد أشهر، وصلت إلى القسم نسخة جديدة كاملة الغلاف من الكتاب نفسه. وبينما كنت أقرأها من جديد، فوجئت بأن (عايف حبيب) هو بالفعل اسم أحد مترجمي الكتاب الذي كنت أدرّسه لطلابي.
تأملت الاسم طويلًا. (عايف) مشتقة من الفعل (عاف). أي ترك وابتعد وزهد. أما (حبيب) فهي كلمة دافئة تشير إلى المحبوب والقريب من القلب. اجتماع الكلمتين في اسم واحد يخلق تناقضاً لافتاً: كيف يجتمع التخلّي مع الحب؟ وكيف يمكن لإنسان أن يكون (عايفاً) وحبيباً) في آنٍ واحد؟
هذا التناقض الظاهري هو ما منح الاسم قوته الرمزية. فهو يوحي بقصة إنسان عرف الحب، لكنه عرف أيضاً ضرورة الابتعاد، أو ربما أدرك أن بعض أشكال التعلق تحتاج إلى مسافة كي تنضج الروح.
من منظور علم نفس الكبار، يمر الإنسان في مراحل تتصارع فيها حاجتان أساسيتان: الحاجة إلى الارتباط، والحاجة إلى الاستقلال. وقد وصف إريك إريكسون هذا الصراع في مرحلته المعروفة بـ(الحميمية مقابل العزلة)، حيث يسعى الفرد إلى بناء علاقات عميقة، وفي الوقت نفسه يخشى فقدان ذاته داخل تلك العلاقات.
في هذا السياق، بدا لي (عايف حبيب) رمزاً لذلك الإنسان الذي تعلّم أن يحب دون أن يتلاشى، وأن يترك دون أن يكره. فالتخلّي هنا ليس رفضاً للحب، بل قدرة على حماية الذات، أو انتقالاً من التعلّق بما هو عابر إلى البحث عمَّا هو أعمق وأكثر بقاءً.
ما شدّني في الحلم ليس الاسم وحده، بل دور صاحبه. فقد كان مرشداً يقودني إلى مكان مليء بالجمال، ويمنحني حرية الاختيار والجمع والاكتشاف. ربما كان الرجل الكبير يمثِّل الحكمة التي تأتي مع العمر؛ تلك الحكمة التي تعرف متى تتمسك ومتى تترك. أما الشاب الذي رافقه، فقد بدا كأنه الجزء الذي لا يزال يبحث ويكتشف ويشتهي الحياة. والعربة التي ملأتها بالأشياء الجميلة قد تكون رمزاً لما نجمعه في رحلتنا النفسية: خبرات، ومعرفة، وذكريات، ودهشة. كأن الحلم كان يقول لي إن أجمل ما نحمله ليس ما نملكه، بل ما نتعلمه ونحن نسير.
عندما اكتشفت لاحقاً أن (عايف حبيب) اسم أحد مترجمي الكتاب الذي كنت أدرِّسه، شعرت بأن الحلم نسج خيطاً خفيا ًبين المعرفة واللاوعي. ربما التقط عقلي الاسم من الصفحة الممزقة دون أن أنتبه، ثم أعاد تشكيله في الحلم بصورة رجل حكيم. لكن الأهم من ذلك أن الاسم فتح أمامي باب تأمل لم أكن أتوقعه.
فأنا، كمدرِّسة لعلم النفس، أتخلَّى كل يوم عن فهم قديم لأقترب من فهم جديد. أترك يقيناً لأكتسب معرفة أوسع. وربما كانت المعرفة نفسها هي (الحبيب) الذي يستحق أن نترك من أجله الكثير من أوهامنا السابقة.
بعض الأسماء تمرّ في حياتنا مروراً عابراً، وبعضها يطرق أبواب الروح ويترك فيها سؤالاً طويلا ً. (عايف حبيب) كان بالنسبة إليّ أكثر من اسم مترجم في كتاب جامعي؛ كان لحظة التقاء بين الحلم والعلم، بين اللغة والنفس، وبين التعلّق والتخلّي.
وبعد أن عرفت أن (عايف حبيب) هو أحد مترجمي الكتاب، دفعني الفضول إلى البحث عنه في شبكة الإنترنت. كنت أريد، لو كان ذلك ممكناً، أن أكتب إليه وأروي له تلك الحكاية الغريبة؛ كيف خرج اسمه من صفحة ناقصة في كتاب، ليصبح حضورا ًكاملًا في حلم لم أنسه. لكنني وجدت خبراً آخر ينتظرني، لقد رحل عن الدنيا في العام نفسه الذي رأيت فيه ذلك الحلم.
توقفت طويلاً أمام هذه المصادفة. لم أربط بينها وبين الحلم بقدر ما شعرت بأنها من تلك اللحظات التي تجعل الإنسان أكثر إنصاتاً ًلذاكرته. كان ذلك العام أيضاً من أكثر أعوام حياتي صعوبة، عاماً وقفت فيه عند مفترق طرق، أواجه تحديات واختيارات لم يكن في الإمكان سلوكها جميعاً ، وكان عليّ أن أختار طريقاً واحداً فقط. ربما لهذا بقي ذلك الحلم حياً في ذاكرتي؛ لأنه ارتبط في داخلي بمرحلة كاملة من التحول، أكثر مما ارتبط باسمٍ بعينه.
لم أعرف عايف حبيب شخصياً، ولم تجمعني به سوى صفحات كتاب، لكن بعض الأشخاص يتركون أثراً في حياتنا من حيث لا يعلمون. وربما تكون هذه أجمل صور المعرفة؛ أن يمتد أثر الإنسان إلى آخرين لم يلتقِ بهم قط، وأن تظل كلماته، بعد رحيله، قادرة على مرافقة غرباء في لحظات البحث والتساؤل.
ربما لا تأتي الأحلام لتخبرنا بما سيحدث، بل لتكشف لنا ما كان مختبئا ًفي أعماقنا ونحن لا ننتبه.
** **
- د.مريم خلف الشمري