في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تستعيد المملكة العربية السعودية ذكرى توحيدها وإعلان قيامها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- عام 1932م، وفي اليوم الوطني لعام 1448هـ، الموافق 2026م، لا تقف هذه المناسبة عند حدود استذكار حدث تاريخي فحسب، بل تمثل مساحة وطنية متجددة للتأمل في معنى الوطن، وفي مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه ومستقبله، وقيمه ومكتسباته. فقد أطلقت الهيئة العامة للترفيه الهوية الرسمية تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، المستوحى من القيم الأصيلة للمجتمع السعودي كالشهامة، الكرم، والشجاعة.
إن الوطن ليس حدودًا جغرافية يسكنها الإنسان فقط، وإنما هو هوية تتشكل في الوجدان، وذاكرة تمتد بين الأجيال، ومسؤولية تتحول من المشاعر إلى العمل، ومن هنا يبرز دور التربية والعلوم بوصفهما من أهم الأدوات القادرة على بناء هذا الوعي الوطني؛ لأن حب الوطن لا يولد مكتملًا في النفس، وإنما ينمو بالتربية، ويتعمق بالمعرفة، ويترسخ بالممارسة، ويبلغ أسمى صوره حين يتحول إلى علم وعمل وإتقان وعطاء. ولذلك فالتعليم في المفهوم الحديث يمكن أن يكون أوسع من مجرد عملية لنقل المعلومات من المعلم إلى الطالب؛ بل هو مشروع لبناء الإنسان بكل أبعاده الفكرية والقيمية والاجتماعية والوطنية. فالطالب من خلال المعرفة والتربية والتعليم يجب أن يعرف تاريخ وطنه، ويعي قيمة ما تحقق فيه، ويدرك حجم المسؤولية التي تنتظره في المستقبل، ليصبح أكثر قدرة على فهم معنى المواطنة بوصفها مشاركة ومسؤولية، لا مجرد شعور عابر يظهر في المناسبات.
وبما أن حب الوطن قيمة تربوية قبل أن يكون شعارًا، نجد أن علاقة الإنسان بوطنه تبدأ منذ سنواته الأولى؛ من أسرته، ومدرسته، وبيئته الاجتماعية. وفي المدرسة على وجه الخصوص تتسع دائرة الانتماء، فيتعلم الطالب أن الوطن ليس المكان الذي ينتمي إليه فحسب، بل المجتمع الذي يحمل تجاهه حقوقًا وواجبات. فالتربية الوطنية الحقيقية لا تقوم على ترديد العبارات وحدها، وإنما على بناء السلوك. فاحترام النظام صورة من صور حب الوطن، والمحافظة على الممتلكات العامة حب للوطن، والاجتهاد في الدراسة حب للوطن، والإخلاص في العمل حب للوطن، والتطوع لخدمة الآخرين حب للوطن، كما أن الإبداع والبحث العلمي والتميز المهني تمثل جميعها صورًا متقدمة للانتماء الوطني. وحين يدرك الطالب هذه المعاني، ينتقل مفهوم الوطنية لديه من الجانب الوجداني إلى مفهوم أكثر نضجًا يقوم على المسؤولية الفردية والمجتمعية.
وفي مسيرة المملكة المعاصرة، يحتل بناء الإنسان وتنمية قدراته مساحة أساسية في التوجهات التنموية والتعليمية للدولة، ويتجلى ذلك في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله -، من خلال اهتمامهم وحرصهم على تطوير قطاع التعليم وتنمية القدرات البشرية باعتبارها جزءًا أساسيًا من التنمية الوطنية، وهذا يؤكد مقولة (الاستثمار في الإنسان أولاً). حيث يظهر هذا التوجه بوضوح في رؤية السعودية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية؛ إذ لم يُنظر إلى التعليم باعتباره مرحلة زمنية تنتهي بالحصول على شهادة، بل باعتباره رحلة متصلة لبناء شخصية المواطن وتنمية معارفه وقيمه ومهاراته، وإعداده للمشاركة في التنمية والمنافسة عالميًا.
وبالتالي يمثل استمرار دعم التعليم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز-حفظه الله - امتدادًا لفكرة مركزية في بناء الدولة السعودية الحديثة، وهي أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان. حيث تشير وزارة التعليم إلى أن منظومة التعليم شهدت في السنوات الماضية تطويرًا في مجالات متعددة، من بينها تنمية قدرات الكوادر والمواهب الوطنية، والتطوير المهني للمعلمين والمعلمات، وتحديث المناهج وأساليب التدريس، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية. ولا تنفصل هذه التطورات عن بناء الانتماء؛ لأن المدرسة القوية لا تنتج المعرفة فقط، وإنما تصنع الثقة لدى الطالب بأن له دورًا حقيقيًا في مستقبل وطنه. وكلما شعر الطالب بأن وطنه يستثمر في تعليمه وقدراته، أصبح أكثر إدراكًا لمسؤوليته في أن يعيد هذا الاستثمار علمًا وعملًا وإبداعًا وخدمةً للمجتمع، ومن هنا يصبح التعليم علاقة متبادلة بين الوطن وأبنائه: (وطن يهيئ الفرصة، وإنسان يحمل مسؤولية تحويلها إلى إنجاز).
كذلك تبرز في رؤية السعودية 2030، التي ارتبط إطلاقها وتوجهاتها التنموية بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، رؤية واسعة لمفهوم الاستثمار في الإنسان السعودي، بحيث أصبحت تنمية القدرات البشرية عنصرًا جوهريًا في الاستعداد للمستقبل، ولا يقوم هذا التوجه على الفصل بين الهوية والحداثة، بل على الجمع بينهما؛ بحيث يمتلك المواطن جذورًا راسخة في قيمه وثقافته وتاريخه، وقدرة في الوقت نفسه على الإبداع والمنافسة والتعامل مع التقنيات والمعارف الحديثة، وهذه المعادلة مهمة تربويًا؛ لأن الانتماء الوطني لا يعني الانغلاق عن العالم، كما أن الانفتاح على المعرفة العالمية لا يعني التخلي عن الهوية، ولذلك يجمع برنامج تنمية القدرات البشرية بين تعزيز الانتماء الوطني، وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، والاستعداد لسوق العمل المحلي والعالمي.
وهكذا تتحول عبارة «الاستثمار في الإنسان» إلى مضمون تربوي واضح: طفل يحصل على أساس تعليمي أقوى، وطالب يكتسب المعرفة والقيم، وشاب يمتلك المهارة والقدرة على الابتكار، ومواطن يعي أن نجاحه الشخصي جزء من نجاح وطنه، وتظل المدرسة البيئة الأوسع التي يمكن أن يتحول فيها حب الوطن إلى ممارسة يومية، ففيها يتعلم الطالب النظام والمسؤولية والعمل ضمن الفريق، ومنها يتعرف إلى تاريخ بلاده وثقافتها ومنجزاتها، وفيها أيضًا تتشكل كثير من القيم التي يحملها إلى حياته المستقبلية. ولهذا فإن المناسبات الوطنية داخل البيئة التعليمية تكتسب قيمة تربوية تتجاوز مظاهر الاحتفال. فقد أكدت وزارة التعليم في مناسبات وطنية متعددة أهمية الأنشطة التعليمية في تأصيل الهوية الوطنية، وتعزيز الاعتزاز بتاريخ المملكة وعمقها الحضاري والثقافي، وغرس قيم المواطنة والانتماء لدى الطلاب والطالبات. فلا ينبغي أن تنتهي هذه الرسالة بانتهاء الاحتفال بالمناسبة، فالهدف الأعمق أن يحمل الطالب الوطن معه إلى قاعة الدرس والمختبر والجامعة ومكان العمل؛ أن يعرف أن المحافظة على كل دقيقة من وقت العمل قيمة وطنية، وأن فكرة مبتكرة قد تخدم وطنًا، وأن بحثًا علميًا جادًا قد يحل مشكلة في مجتمعه، وأن إتقان تخصصه قد يكون أكثر أثرًا من آلاف الكلمات التي تقال في حب الوطن.
وإذا كانت المدرسة حاضنة للقيم، فإن المعلم هو أحد أهم من يمنح هذه القيم معناها الإنساني، فقد ينسى الطالب بعض ما ورد في كتابه المدرسي، لكنه لا ينسى معلمًا جعله يشعر بقيمة المسؤولية، أو علّمه أن النجاح ليس إنجازًا فرديًا فحسب، أو ربط له المعرفة بمستقبل وطنه، والمعلم حين يؤدي عمله بإتقان وعدل ومسؤولية فإنه يقدم درسًا في المواطنة قبل أن يتحدث عنها، وحين يشجع الطالب على السؤال والبحث والابتكار، فإنه لا يصنع طالبًا ناجحًا فقط، بل يشارك في صناعة رأس مال بشري يحتاج إليه الوطن. ولهذا فإن الاهتمام بتطوير المعلمين ورفع قدراتهم المهنية ليس شأنًا تعليميًا منفصلًا عن التنمية الوطنية؛ فكل استثمار في المعلم يمتد أثره إلى أجيال كاملة من الطلاب.
إن أحد أجمل معاني اليوم الوطني أن الماضي فيه لا ينفصل عن المستقبل، فنحن نستعيد قصة التوحيد لا لنقف عندها، بل لنسأل: كيف يحافظ الجيل الجديد على ما تحقق؟ وكيف يصنع إضافته الخاصة إلى هذه المسيرة؟ قد يكون الجواب في فصل دراسي صغير، بين طالب يكتشف موهبته ومعلم يؤمن بها، وقد يكون في مختبر جامعي تنتظر فيه فكرة أن تتحول إلى اختراع، وقد يكون في مهندس يصمم مدينة أكثر استدامة، أو طبيبة تطور علاجًا، أو باحثة تقدم معرفة جديدة، أو معلم يغرس في طفل أن الإتقان مسؤولية. فالإدارة المدرسية والمعلمين والطلاب هؤلاء جميعًا يكتبون فصولًا جديدة في حب الوطن من خلال الحب والانتماء، فحب الوطن في زمن المعرفة لم يعد منفصلًا عن التعليم والإبداع. فالأوطان لا تبنى بالعاطفة وحدها، وإن كانت العاطفة تمنح الإنسان الدافع، وإنما تبنى كذلك بالعقول التي تفكر، والأيدي التي تعمل، والضمائر التي تتقن.
وهذا يدفعنا للقول بأن اليوم الوطني... ذاكرة وطن ومسؤولية جيل، فمع حلول اليوم الوطني السعودي، تصبح المناسبة فرصة لأن ينظر كل مدير مدرسة أو معلم، أو طالب وطالبة إلى الوطن بوصفه قصة لم يكتمل فصلها الأخير بعد، فقد بدأت القصة بوحدةٍ صنعت دولة، واستمرت عبر أجيال عملت من أجل بنائها، واليوم يحمل جيل جديد مسؤولية الانتقال بها إلى المستقبل، وفي ظل التوجهات التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، يرتبط تطوير التعليم رسميًا بهدف أوسع لتنمية القدرات البشرية وإعداد أبناء وبنات المملكة للمشاركة في التنمية الوطنية والمنافسة في المجالات العلمية والمهنية.
ومن هنا يمكن أن يكون أعظم احتفاء بالوطن هو أن يعرف الطالب لماذا يتعلم، وأن يدرك المعلم قيمة الأثر الذي يصنعه، وأن تؤمن الأسرة بأن التربية على الانتماء لا تقوم على الكلمات وحدها، بل على القدوة والسلوك والمسؤولية، فالوطن لا يسكن الخرائط فقط؛ إنه يسكن ما نعلمه لأطفالنا، وما نحمله من قيم، وما نتقنه من أعمال، وما نحلم أن نصنعه للغد، وفي اليوم الوطني ال سعودي، يظل التعليم واحدًا من أكثر الطرق رسوخًا لصيانة هذه المحبة؛ لأنه يحفظ ذاكرة الوطن في عقل الجيل، ويزرع انتماءه في وجدانه، ثم يمنحه العلم والقدرة ليكون شريكًا في مستقبله.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأن يسدد خطاهما لما فيه خير البلاد والعباد. ونسأله تعالى أن يديم على مملكتنا الغالية نعمة الأمن والأمان والازدهار، ويكتب لجنودنا البواسل ورجال أمننا المرابطين النصر والتمكين، ويمكنهم من دحر كيد المعتدين، واللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
وختاماً فإن حب الوطن يبدأ شعورًا، وتنمّيه التربية قيمةً، ويصقله التعليم وعيًا، ثم يكتمل حين يصبح مسؤوليةً وعملًا وإنجازًا، وهكذا يبقى الرهان الحقيقي على الإنسان؛ على مدير مدرسة يدرك حجم المسؤولية فيعشق وطنه، ومعلم يعلم أثر القدوة الحسنة فيكون قدوة لطلابه في حب الوطن، وطالب يعرف وطنه ومكانته، وعظمته، فيحبه ويتعلق به، ويتعلم من أجله، ويكبر وهو مؤمن بأن له مكانًا في مسيرته، وأن ما يتلقاه اليوم من تعليم ورعاية ليس نهاية الطريق، بل بداية واجب: أن يحمل الراية بعلمه، وأن يحفظ المكتسبات بوعيه، وأن يضيف إلى وطنه أثرًا يستحق أن تتذكره الأجيال القادمة.