لم تكن القراءة كافية بما يقصده الكاتب، بل كانت تحاول أن تعيد الفهم بما يراه القارئ من معنى، فيظل المعنى واسعًا ومتغيرًا مع كل مستوى من مستويات العقل وقدراته. وهذا ما يجعل للقارئ متعة فيما يقرأه من الروايات، إذ تضع أمامه حكاية تستفز أفكاره الناعسة، فيجد نفسه في صحوة تمتلئ بالمخيلات والحقائق، وبين دهشة أسلوب الكاتب ولبّ المعنى الذي يظهر منها.
في كتاب (ألزهايمر) لغازي القصيبي، لم يكتب رواية كما قد يظن البعض، بل كان يتحدث عن رحلة المرض حينما يجتاح الإنسان، والذاكرة على وجه الخصوص، وكيف له أن يغيّر مجرى حياته إلى الأبد.
البداية الباهتة
كل إنسان معرض للنسيان، ولا يشعر إن كان هذا النسيان عابرًا أم ثقيلًا، وتمضي الحياة كما هي. هكذا بدأ في روايته عن الرجل الذي كان يحاول شراء العطر المفضل لزوجته، وحين غابت ذاكرته عن الاسم لم يكن يدرك أن ذلك بداية المرض، بل ظنه مجرد تعثر في التذكر. ورغم أن البائعة حاولت مساعدته، فإن النسيان كان عنيدًا معه، ولم يفسح له مجالًا للعودة إلى ذاكرته. وحين ذهب إلى المستشفى ليطمئن على نفسه، شُخِّص بمرض ألزهايمر. كان من الصعب عليه تصديق ذلك، وخشي على عائلته. وربما كانت فكرة الكاتب تدور حول ذلك الخوف الذي تلبّسه، ليس بسبب المرض نفسه، بل بسبب فقدانه لدوره مع عائلته، فقد كان العمود الذي تستند إليه الأسرة، والأب الذي تلجأ إليه. وكلما تقرأ تجد أن غازي القصيبي يجرد الأشياء من وصفها، ليجعل القارئ يلامس الشعور الذي يمر به بطل الرواية.
كان في هذا الكتاب رسائل عميقة الفكر. الأولى كانت البداية المفاجئة، وكيف يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى تقبل التغير الذي يطرأ عليه في لحظة واحدة. ثم يضعه الكاتب أمام حقيقة بين بقاء الذاكرة وغيابها، وكأنها تخبره عن انفصال الذات عن ذاتها. والثانية بين فوضى المشاعر وحقيقة التجرد منها، فإن يصاب الإنسان بالنسيان أمر مرعب، لما يتركه من أثر في السلوكيات التي ترافقه بين لحظة يدرك فيها ما حوله، وأخرى يغيب فيها ذلك الإدراك دون إرادة منه. أما الثالثة، فهي أن ينسى الإنسان ماضيه، فيبقى فارغًا من جديد، لا يحمل معه شيئًا من المعنى، ولا من القيمة، ولا الحب، ولا التقدير، ولا الإنجازات، أمام قوة النسيان.
كان يكتب التخييل الذاتي والتحليل النفسي
حين يسرد العديد من الأحاديث والحكايات، ثم يتسلل إليه الشك في نهاية الحديث، قائلًا: “لا أعرف إن كان هذا حقيقة أم أثر ألزهايمر”. هنا يظهر كيف أن الشك قد يأكل الإنسان من الداخل، حتى وإن كان ما يزال على شيء من وعيه.
كتاب (ألزهايمر) يثير التساؤلات، ويدفع القارئ إلى تحليل المعنى الذي يعيشه كل إنسان مصاب بهذا المرض. فقد أثبت أن للنسيان قوة تبتلع الإنسان كله، ولا تترك له سوى جسده. لكن تبقى هناك فطرة بشرية، فحتى وإن نسي الإنسان كل شيء، تجده يحاول أن يبني حياة جديدة، وأن يجد قبولًا جديدًا مع الآخرين. فيظن أن الأشخاص الذين يراهم كل يوم أشخاص متغيرون، فيحاول أن يتجدد معهم في كل لقاء. وكان غازي القصيبي يقف بين ألزهايمر والخرف، محاولًا أن يفسر الفرق بينهما، رغم أن كليهما يقود في النهاية إلى النسيان.
ولكن بعد تلك المسافة التي يعيشها الإنسان المصاب بألزهايمر، كانت هناك رسالة أخيرة. فبعد أن يضيع الإنسان أمام النسيان والهلوسة، ويثقل عليه القلق والعجز مع كل تشخيص جديد لحالته، يدرك أن القلق المفرط لن يغير شيئًا، لأن الموت حين يأتي، يأتي على اختلاف أسبابه. كما ذكر في الكتاب، فقد كان يوثق حكاياته على صفحات من الورق خوفًا من النسيان، إلا أن نهايته جاءت إثر نوبة قلبية، لا علاقة لها بمرض ألزهايمر.
** **
- نورة محمد بابعير