و(نلعق النار ونذكي موتها)، حيث الانجراف والارتداد، وفيها صورة سريالية تعبّر عن التشظي الذاتي. وكأنها تقول نحن لا نحترق بالنار فحسب، بل نغذيها بأجسادنا، ثم ننتهي بـ(الارتداد على الذات شظايا). وهذا الفعل انفجار داخلي يحول الجماعة إلى شظايا متناثرة لا يجمعها جامع.
واستخدم مفردات (السادن، الصارم، المنايا، البرايا)، تُوظف في سياق يعالج قضايا الانكسار النفسي.
أما رمزية: (الشمع) و (المرآة) فهي رموز كلاسيكية، لكن الشاعرة منحتها أبعاداً جديدة؛ فالمرآة تقتل، والشمع يُطفأ بيد الضحايا أنفسهم. وهكذا يتم تفجير اللغة من أجل الاتيان بمعان جديدة.
فالقصيدة مرثية لكرامة الإنسان المهدرة، التي سحقتها الحاجة والخوف، حتى أصبح يساهم في دمار نفسه (نرتد على الذات شظايا) في رحلته (في سبيل الرضا) أو البقاء.
وفي نص (استفهامات على الجدار) ص65 هناك تساؤلات عميقة حول ماهية الزمن، وعلاقة الإنسان بالمكان (الجدار)، وصراعه مع الهوية واليقين. وأول ما يواجهنا في هذا النص هو ما يمكن أن نطلق عليه (أنسنة الوقت). حيث (يتكئ الوقت على الجدار). والوقت هنا كائن حي، يشرب من المنبع، ويقضم العمر. وهو ليس مجرد حجرٍ، بل هو (سيرة انسان)، ومراحله، التي لا يستطيع عنها انفكاكا؛ فكما يتصدّع الجدار، يتصدع الكيان البشري.
وبين المصيرين: المادة (الجدار) والروح (الإنسان)، أوبين الوجه، والقول / النص (أزمة الحقيقة الدامغة التي لا تقبل الشك) تعالق لا ينتهي، وهناك حالة من العذاب الوجودي، (في وجهه يصلبني). فالحكاية هنا ليست مكتملة، بل هي (نصف فم) إذا جاز التعبير، وفي هذا إشارة إلى عجز اللغة عن قول الحقيقة كاملة، وما أصعب هذه اللحظة التي لا تعبّر فيها اللغة عن كل شيء!
وهي الحقيقة المشوّهة. وهذا المنطق الجزئي كان كافياً ليزلزل ويفعل في يقين المدعى الأفاعيل؛ وهذا يقودنا إلى استنتاج مؤداه: إن الشك الصغير قد يهدم قناعات كبرى!
ثم نجد التيه والبحث عن الهوية حين تخاطب الوقت كقوة مطلقة شهدت بدايات الخلق (الماء، الأمشاج) وتدوين التاريخ (زحف الرمال). لكن السؤال الجوهري هنا (من أين نأتي بالإجابات؟) وهو سؤال يعكس حالة التيه. وهنا مكمن العلة البشرية: (الأنا)، وذلك حين تلبس (ثوب الترفع المرقع)، وهو تعبير عن الكبرياء الزائف الذي يخفي وراءه تمزقات وهزائم، وجواب عن أسئلة شتى، تدور حول التعالي والزيف الذي يغلّف الحياة البشرية التي منشؤها هو الأمشاج الحقيرة، فكيف استحالت إلى كُلّ هذا التعالي المزيّف؟
ونأتي لنقطة أخرى في النص وهي الانغلاق والنهاية حيت ينتهي النص بصورة الحصار (والسقف دون السقف). وهي حالة من الرضا القسري الذي يأتي نتيجة العجز، ويتحول الع الم إلى (محابيس) حتى وإنْ كانت محابيس (تقى)، لكنها تعني الانغلاق في النهاية، ولا سبيل إلى الانفكاك من هذا الرضا القسري الذي خلقه العجز الإنساني الذي لا يمكن تجاهله ولا يمكن القفز فوقه، ولذا تكون النتيجة الحتمية لكل هذا، هو الانغلاق/ محابيس، في الزمكان.
وهناك ما يذهب إلى ما وراء المعنى الظاهر، حين (الجدار) ليس فاصلاً مكانياً فحسب، بل هو (الذاكرة).
والوقت يتكئ على ذاكرتنا ويتعبها. لذا، نكتب تاريخنا على جدران الوجود حين نكتب، لكن الوقت يمحو هذا الحبر أو يجعله (متصدعاً). والجدار هو (المرآة) التي نرى فيها انكسارنا. و (نصف الفم) يشير إلى الحقيقة النسبية. فنحن نعيش في عالم يدعي اليقين، لكن في النص اليقين بوصفه (ادعاءً). والكلمة الناقصة (نصف فم) هي التي تملك القوة التدميرية (الزلزلة) لأنها تثير التساؤل والشك، بينما الكلام الكامل غالباً ما يكون ساكناً وميتاً.
من جهة أخرى نجد (الأنا) و(نحن) يشيان بصراع بين الجمعي (نحن) والنزعة الفردية (الأنا). وكذلك (ثوب الترفع المرقع) هو الزيف الاجتماعي والسياسي... الخ؛ حيث يحاول الإنسان / الأمة، إظهار التعالي وهو في الحقيقة يعاني من (الرُقع)، والتمزق الداخلي. والزمن الدائري من خلال ذِكر الأمشاج التي هي بداية التكوين والمنتهى في آن.
والزمن دائرة محكمة الإغلاق. لأن الإنسان يبدأ من الماء والتراب، وينتهي بالصمت والرضا أي بالقبول والتسليم
وفي النص، لغة تميل إلى الرمزية، والاعتماد على التضاد (مسرعاً/ ممَّنعاً بمعنى رتيب، المطلع/ المنتهى، الأنا/ نحن) وهذا كله كان لإبراز التوتر الدرامي في النص.
والقصيدة في مجملها محاولةً استنطاق المسكوت عنه في التجربة الإنسانية. منذ نشأتها حتى منتهاها .
وفي نص (تلد مريديها الخرافة) ص70 ينبئ النص من عنوانه عن كل شيء، فالمريد لا يكون إلاّ في التصوف الذي نذر نفسه له (قنديل) وهنا تكون البداية مع نص يعالج فكرة فلسفة تكمن فيما يمكن أن نطلق عليه كيف تتسلّط الخرافة؟ وكيف تتسع ليكون لها مريدون، ومؤمنون بها على السواء؟
والنص مفعم بالرمزية الصوفية والفلسفية، حيث يتشابك فيه الذاتي بالكوني، والمقدس بالدنيوي، في لغةٍ تحاول استنطاق المسكوت عنه، وتأويل الوجود من خلال استعارات مكثفة، فـ(الخرافة) ليست هنا مجرد كذبة فقط، بل هي كيانٌ (يلد) مريديه، في إشارة إلى الأنساق الفكرية والاجتماعية التي تُعيد إنتاج نفسها عبر الأزمنة المختلفة
و(تصوف القنديل) هو محاولة العقل (النور) أنْ يتجاوز حدوده المادية، و(ليتسع الستر)، رغبة إنسانية أزلية في كشف المحجوب أو المسكوت عنه.
غير أنّ هذا النور يصطدم بواقعٍ مرير، حيث يُساق الضعفاء ليقتاتوا من ضعفهم قوةً وهميةً في الواقع، لا تؤدي في النهاية إلاّ إلى (مواويل القهر). وقد يصنع الإنسان من انكساره أسطورةً يعيش عليها، لكنها أسطورة تظل تدور في فلك الألم.
ثم في جدلية (الرمل واللظى)، يتحول الرمل (العدم أو التيه) إلى متكأ يُكتب عليه الاحتراق، في محاولة لاستنطاق المستقبل (ليستجوب الآتي). وهذا القلق الوجودي يتجسد أيضا في (الرايات) التي تنذر نفسها للريح، وهي صورة بليغة للضياع والتقلُب.
والقصيدة تناقش أمورا تتعلق بالتصوف والخرافة والحب الإلهي الصوفي، كقوة محركة تدعو لتحقيق الأماني. وتحمل استفسارًا عن العلاقة بين الإنسان ومشاعره، والاستسلام لهذا الهوى رغم الصعوبات. وتتصادم الرغبات مع الواقع، مما يمثل التوتر الدائم بين المثاليات والعوائق.
وفكرة الخرافة، وما يمكن أن تؤول إليه اعتمادا على العواطف، والتجارب الروحية، والجهل الذي يغلّف مريديها. كلها تخرج من رحم النص، الذي فيه جدلية ما يمكن أنْ أطلق عليه جدلية الوهم والحقيقة.
ولكنْ، لماذا تصوّف قنديل؟
والقنديل ما أتت به هنا إلاّ لاشتغاله بالضوء، واحتراقه من أجل هذه المهمة التي وقف حياته – إنْ كان له من حياة - أو فلنقل تصوّف من أجلها، فهو النور الساطع الماثل للعيان، وهو الحقيقة التي لا تقبل الشك في مقابل الوهم المتكئ على الخرافة.
والقنديل / الضوء تصوّف لتكبر تلك الهوة العميقة بين الحقيقة والخرافة (الستر) الذي يتكشف بالتصوّف، ولماذا يوسِع الستر / الحجاب؟
أَلانه هو الحقيقة التي لا تقبل الجدل!، والوصول إلى الحقيقة قد تخلق أستارا /حُجبا عديدة، وهي تلك الحجب التي تولّد القهر والمعاناة التي يصاب بها من يحاول الوصول إلى الحقيقة. والنص بقدر احتفائه بالتصوف يشكك في وسائلة التي تكتنف عالم التصوف عادة.
فـ (تصوّف قنديل) يعبّر في نهاية الأمر عن استضاءة الروح المعنوية، حيث يمثل القنديل رمزًا للهداية والإلهام. (ليتسع الستر) الذي يشير إلى الحاجة للملاذ والاحتواء، وهو رغبة في التخفف من الألم والمعاناة من خلال الاتصال بالروحانيات.
وتبرز صورة مؤلمة (وسيق بمن بالضعف يقتات قوة)، فالضعف يولد القوة الزائفة في بعض الأحيان التي تتغذى على ض عف الآخر، والآخر يصنع خرافة القوة من هشاشته نفسه وإلاّ كيف يكون الأمر خرافة؟
فالقهر موروث متجذّر في الانسان بسبب مفهوم الخرافة التي لديه والتي لا تقهر!
فتكرار فكرة الضعف مقابل القوة، استدعاء للصراع الإنساني المتكرر على هذا المنوال.
وفي (ومتكًا للرمل يستكتب اللظى)، ففعل يستكتب هنا لا يأتي من هدوء، بل اللظى (النار) هي مقابل ومضاد للرمل (الهشاشة/التيه)، وما أقل فعل الاستكتاب هذا بين الجمر وبين الرمل الذي لن يقف عليه سطر مكتوب، ومع هذا فهو يستجوب الآتي من الأحداث وينبئ عنه السّر ويشير إلى الرايات، التي تلفحها الريح، ولم تقل الرياح، فالأولى نذير عذاب وشؤم ودمار والثانية هي للخصب والنماء.
وكأن الشاعرة تقول: المعنى لا يُكتب إلا حين يحترق. وهناك رابط بين فعل الكتابة على الرمل وبين اللظى، وفي مخاطبتها لـ (صاحب الجنات)، تطرح تساؤلاً استنكارياً وجودياً حول الهوى والقدر. وهل يسعى الإنسان لما قُدّر له سلفاً (النذر)!
ويظهر انتصارها للحب، بوصفه القوة القادرة على كسر المستحيل، فهو الكفُّ التي تصفق. وترفع من قيمة الإرادة العاطفية.
وينتقل النص بعد ذلك لرسم صورة (الأنا)، تلك التي تقف على (طرف القيامات) بمزاجية حادة، لكنْ يسكن قلبها (وداعة الفجر). وهذا التناقض هو جوهر الإنسان القلق؛ الذي لا يستقيم له حال.
فهو في حالة اشتغال دائم (بالقيامة) لكنه ينطوي على أمل فطري (الفجر). وترفض العمر الباهت، وتطالب بعمرٍ يشبه (العرس المُشرع)، مفضِّلة الفخر في (عنوسة) المواقف الصعبة على القبول بحياةٍ عادية لا نبض فيها ولا حياة.
وعن (بنت السماء) أو (القصيدة) أو(الرؤية)، فإنها تتشكّل من مزيج معقد من (الكسر والجبر والمكر). إنها ليست وحياً صافياً بقدر ما هي صراع بشري مع اللغة والوجود.
فالشاعرة تعترف بأن مجازاتها هي التي تربي رواءها، داعية البحر أن يمدَّ مداده، في إشارة إلى لا نهائية المعنى وضيق (الحبر) التقليدي عن استيعاب الرؤية.
وتختتم بطلبٍ موسيقي؛ يريد صوتاً يغني (مقام الصبا)، لا (وشاية الصبر) وهل كان الصبر وشاية؟ والصبا مقام الحنين واللوعة، بينما الصبر قد يكون أحياناً قناعاً للعجز. فهو يدعو للمواجهة، والترجل في عمق (القرار) (المستقر)، ولمناورة العراء، وصولاً إلى تلك (الواحة) التي رغم وزر زوارها، تظل مكاناً للقاء الحقيقي.
فالقصيدة ترفض الإجابات الجاهزة، حيث لا تميل إلى المباشرة في تناول موضوعاته، وتدعو القارئ إلى أن ينبش ما يمكن أن أسميه (بئر العمر) الخاص به، باحثاً عن تلك اللحظة البكر التي ينزُّ فيها المعنى بصدق، بعيداً عن خرافات السطح وأوهام المسالك البعيدة.
فهو نص يجسد تجربتين: تجربة الحياة المعقدة والبحث عن الأمل في الخرافة، والرغبة في التواصل الروحي العميق. فهو يمزج بين الذات والعالم الآخر، ويعكس صراعات النفس البشرية من خلال الصور البلاغية والمعاني المتعددة.
إنّ التأمل في التجارب الإنسانية كما تصورها الشاعرة، يشعرنا بعظمة الشعر وقدرته على أن يكون مرآة للأحاسيس العميقة والتجارب الروحية.
وفي النص الأخير (اكتئاب يهرول صاعدا) ص76، يتسارع الاكتئاب (يهرول) صاعدا، ولكن ليس بفعل نقص الأوكسجين، وإنما بسبب الحالة التي جعلت كل الأشياء تولّد (الاكتئاب).
ونجد سيميائية الهرولة ثم الصعود وهو ما يمكن أن نسميه (قلب المفاهيم)، فالنص يبدأ بعبارة صادمة: (اكتئابٌ يهرولُ صاعداً)، فالاكتئاب (هبوط) و(ثقل)، لكن الشاعرة هنا تمنحه صفة (الصعود) و(الهرولة). والحزن أصبح قوةً نشطة محسوسة، وكائناً يطارد الذات ولا يترك لها مجالاً للراحة. والصعود استشراء الألم حتى يصل مرحلة الوعي، ويولّد الاكتئاب الألم الذي يصعد حتى الرأس!
وصفحة الوجه تعبير عن الهوية، عندما (ينتعل الطين في صفحة الوجه)، وهي صورة سريالية تعني أنّ الوحل (الهموم المادية، الخيبات، الانكسارات.. الخ) أصبح يطأ الذات ويهين كرامتها الإنسانية. آخذين في الاعتبار أنّ الانسان خلق من طين، واليقين هنا يبارز الضياع، وهي معركة داخلية مركبة ومقلوبة بين ما يعرفه الإنسان عن حقيقتهِ وبين ما تفرضهُ عليه ظروفه.
وفي (أبكي إذا ضاع مني فمي)، فالفم هو أداة التعبير والشعور، يقول أبو القاسم الشابي: يا شعر أنت فم الشعور، فضياع الفم يعني خرسًا خالصًا. وعندما يفقد الإنسان القدرة على تسمية أشيائه؛ يبدأ هذيانه. وتظهر عيوبه، والأبيض رمز (الصفاء) و (الشحوب) هو الموت البطيء للروح. وهذه النهاية سبقها بالطبع صور تعزز هذه الحالة: فالطين ينتعل في صفحة الوجه، وكأنْ القارب الذي يهيم بلا أشرعة فيه انصياع، والذات المحطمة ملؤها الهباء، والفم الدال على الحديث وهو الدال على كل ما في الانسان من ضاع، فكانت النتيجة اذن، عيوب تمتص ألوانها بما فيها الأسود ويبقى الأبيض الدال على الصفاء، والوجه الشاحب ازداد شحوبا بالشحوب.
ثم ننتقل إلى صورة أخرى، من الاستسلام إلى الفعل: (أعقدي ضحكةً تلو أخرى ومدي إلى خارج البئر عمرك). وهي حالة جديدة تأتي في سياق النص المليء بالاضطراب والاكتئاب، فالعمر يشبه البئر، والتي عادة ما تكون مظلمة وموحشة وتدل على ما في النفس البشرية من حزن وألم وظلمات (ألوان) ليس فيها الأبيض، وسلّم الضحك هو النجاة، والبئر رمز للعمق، والسجن، والوحدة (استدعاء لقصة يوسف عليه السلام).
وسلّم الضحك هو الفرح السطحي، والسخرية السوداء، الموجعة، الممتلئة حزنا، والموصلة للاكتئاب الصاعد.
وفي مقطع جديد، تستعير علاقة الرحى بالدقيق أو فلنقل: حركية الإنسان المطحون ولعبة والزمن، (فدور الرحى لعبة الصمت فيك وأنت الدقيق)، وما الرحى سوى الأيام أو السنين، وما الإنسان سوى الدقيق الذي يُطحن ويُصاغ ويتشكّل دون أن يكون له يدا في ذلك، فالرحى / الزمن بدوامته العجيبة هو من يصنع ذلك. والصمت هنا ليس سكينة؛ بل هو صمت الآلة التي تسحق الوجود. بعقد يقاوم إهماله، وهو الجوهر الإنساني الذي يرفض التلاشي تحت الغبار.
وفي صورة جديدة يمكن أن نطلق عليها: الأنثوية والأبيض، تستدعي الشاعرة صورة الفستان الأبيض وقنينة العطر. وهي أشياء تخص الذات النسائية، والأبيض رمز الطُهر والبدايات، لكن الخيط الملول ينسل ليشنق العطر. وكأنما الخيط الملول هو دلالة على التشاؤم والحزن والملل، فهو يشنق العطر، وكأنه قاتل، والعطر هنا يمثل الأمل أو الذكرى الجميلة. وتريد أن تعبّر عنه بوثاق التشاؤم الدفين وكأنه يلازم الذات الانثوية، وتصفهُ بأنهُ سجين داخل الروح. فهي تقول: نحن من نسجن أحزاننا داخلنا ونعطيها القوة لتخنقنا.
ويكون الخلاص في النص هو النجاة بالحب وحده والتجلُد باستعادة الطبيعة (الشمس، الصبح، النجوم). وكأنها العلاج الوحيد للخروج من ربقة الاكتئاب الصاعد.
وما الحب إلاّ فعل ترميم لتلك النفس المتشظية باكتئابها، حين تقول (أحبّي فقد يشتري الحب ثوباً جديدا). والحب هنا هو المخلِّص الذي يرمِم اهتراء النشيد. وهو إيقاع الحياة الذي تمزّق، وهو الإبرة التي تخيطه من جديد.
فالنص يقوم على فلسفة التخطي. وأن العزاء الوحيد للإنسان ليس في نسيان الألم؛ بل في صفحة الوجه حين تدرك ذاتها. (وجهكِ لو تغفلين)؛ إذ تخبر المخاطبة في النص، أنّ النجاة ليست في الخارج، بل في العودة للوجه الحقيقي الذي غاب وراء قناع الطين والاكتئاب.
** **
- سعد حامدي الثقفي