بعد أن تناولنا في المقالات السابقة سلطة النص، وشيوع السردية، ودور السؤال النقدي في فحص المعرفة التاريخية، ننتقل هنا إلى مرحلة أسبق من ذلك كله: كيف تتشكل الرواية نفسها قبل أن تصبح نصًا يخضع للفحص؟ فالرواية التي تصل إلى الباحث لا تولد مكتملة في كتب التاريخ، وإنما تبدأ من لحظة أدرك فيها إنسان واقعه، ثم حاول أن ينقل إلى غيره ما بقي منها في وعيه.
تُعامل الرواية التاريخية في كثير من الأحيان كما لو كانت الحدث نفسه؛ فتُبنى عليها الأحكام، وتُستخلص منها النتائج، ويقع الاتفاق أو الاختلاف حولها، وكأن ما بين أيدينا هو الواقعة ذاتها، لا ما رُوي عنها. ومع أن الدراسات التاريخية أولت عناية كبيرة بالمصادر والرواة وطرائق التوثيق، فإن سؤالًا منهجيًا ظل حاضرًا في قلب السردية التاريخية دون أن ينال ما يستحقه من التأمل: ما الذي ينقله الراوي؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الجواب بديهي: الراوي ينقل الحدث. غير أن هذا الجواب لا يصمد طويلًا أمام التأمل؛ فالحدث يقع في زمانه، ثم ينقضي بانقضاء لحظته، ولا يبقى قائمًا حتى يعبر الزمن إلى من لم يشهده. ولو كان الحدث نفسه قابلًا للانتقال، لما احتاج الإنسان إلى الرواية أصلًا، ولأصبح التاريخ واقعًا حاضرًا لا خبرًا يُروى.
لكن ما دامت الرواية لا تستطيع أن تنقل الحدث ذاته، فإن السؤال يتحول من: ماذا وقع؟ إلى سؤال أسبق منه: ماذا بقي من الحدث بعد وقوعه؟
حين يشهد الراوي واقعة ما، لا يحتفظ بالواقعة نفسها؛ لأنها أصبحت جزءًا من زمن مضى، وإنما يبقى في ذهنه ما أدركه منها. فهو يرى بعض عناصرها، ويسمع بعضها، ويفهمها من زاويته، ثم يربط ما شاهده بخبراته السابقة ومشاعره وتوقعاته، فتتشكل في وعيه صورة تمثل الكيفية التي استقر بها الحدث في ذهنه. ومنذ تلك اللحظة تبدأ الرواية رحلتها؛ لا من الحدث كما وقع في الخارج، وإنما من الصورة التي تشكلت عنه في الداخل.
ولهذا فإن الراوي، حتى حين يكون صادقًا دقيقًا، لا ينقل الحدث مجردًا من إدراكه، بل ينقله بعد أن مر عبر وعيه. ولا يعني ذلك أنه يتعمد تحريفه، وإنما يعني أن الرؤية الإنسانية ليست مرآة صافية تستقبل الواقع كله كما هو؛ فالراوي لا يرى كل ما وقع، ولا يدرك جميع أبعاده، ولا يمنح عناصره القدر نفسه من الانتباه. وقد يعلق في ذاكرته مشهد لا يلتفت إليه غيره، أو يسمع لفظًا لا يسمعه شاهد آخر، أو يفسر حركة تفسيرًا يخالف ما استقر في ذهن من كان بجانبه.
فالحدث واحد، لكن مواقع الشهود منه متعددة؛ وما يقع في مجال رؤية أحدهم قد يخرج من مجال رؤية الآخر، وما يبدو لهذا جوهريًا قد يبدو لذاك تفصيلًا عابرًا. ومن هنا قد تتعدد صور الحدث في أذهان شهوده من غير أن يكون أحدهم كاذبًا؛ لأن كل واحد منهم لم يحمل الحدث كله، وإنما حمل القدر الذي أدركه منه.
غير أن هذه النتيجة تفتح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: إذا كانت صورة الحدث قد استقرت في ذهن الراوي، فهل يستطيع أن ينقل تلك الصورة نفسها إلى ذهن المتلقي؟
قد يبدو ذلك ممكنًا؛ فالراوي حين يروي ما شاهده إنما يريد أن يجعل المتلقي يرى ما رآه هو. غير أن طبيعة التواصل الإنساني تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا؛ فالإنسان لا يستطيع أن ينقل ما في ذهنه انتقالًا مباشرًا إلى ذهن غيره، ولا أن يودع صورته الذهنية في عقل المتلقي كما هي. وما دام العقل لا يفتح للعقل نافذة يرى منها ما استقر فيه، فلا يبقى للرواية، بعد انقضاء المشاهدة، إلا أن تتشكل في لغة.
ومن خلال الألفاظ التي يختارها، يحاول الراوي وصف الصورة التي استقرت في ذهنه عن الحدث. غير أن اللفظ لا ينقل المعنى الذهني نفسه كما تكوّن في وعي الراوي، ولا يحمل الصورة الداخلية حملًا ماديًا من عقل إلى آخر؛ وإنما يقدم للمتلقي دلالات لغوية يستعين بها على إعادة بناء معنى في ذهنه.
ومن هنا لا تنتقل صورة الحدث من الراوي إلى المتلقي كما تنتقل الأشياء بين الأيدي، وإنما يعيد المتلقي بناءها من الألفاظ التي سمعها. فالراوي يختار لفظًا ليصف ما فهمه، والمتلقي يستقبل ذلك اللفظ وفق ما يحمله هو من معانٍ وتجارب وصور سابقة، ثم تتشكل في ذهنه صورة جديدة قد تقترب من صورة الراوي، لكنها لا تتطابق معها بالضرورة.
وهنا تتكشف إحدى أدق حقائق الرواية: اللفظ لا ينقل المعنى كما استقر في ذهن الراوي، بل يمنح المتلقي مادة لغوية يعيد بها بناءه؛ ولذلك لا يستقبل المتلقي صورة الراوي نفسها، وإنما يبني صورة من وصف الراوي لها.
لكن الألفاظ لا تؤدي وظيفة محايدة دائمًا؛ فبعضها لا يصف الحدث فحسب، بل يحمل معه ظلالًا وإيحاءات تتجاوز المعنى الوصفي المباشر. فكلمة واحدة قد توحي بالقوة أو العنف أو الخوف أو القصد، بينما يؤدي لفظ آخر أصل المعنى نفسه دون أن يستدعي الدلالات الإضافية ذاتها. وهذه الزيادة هي ما يمكن تسميته (حمولة اللفظ با لمعاني)؛ أي ما تضيفه الدلالات الإيحائية والسياقية إلى حاجة اللفظ المباشرة في الوصف، فتوسع الصورة أو تضيقها أو توجهها في ذهن المتلقي.
فإذا كانت الألفاظ هي الجسر الذي تعبر عليه الرواية من الراوي إلى المتلقي، فهل تعيد الألفاظ المختلفة بناء الصورة نفسها للحدث؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لنتصور حادثًا واحدًا شاهده ثلاثة أشخاص، ثم وصف كل واحد منهم ما رأى.
قال الأول: اصطدمت سيارتان مسرعتان.
وقال الثاني: ارتطمت إحدى السيارات المسرعة بأخرى في الطريق.
وقال الثالث: وقع حادث بين سيارتين.
لم يختلف الرواة الثلاثة في أصل الحادث، ولم ينف أحدهم ما أثبته الآخر؛ فالواقعة واحدة في الروايات الثلاث. ومع ذلك، لا تعيد الألفاظ التي اختارها كل راوٍ بناء الصورة نفسها في ذهن المتلقي. فالرواية الأولى تجعل السرعة وصفًا للسيارتين معًا، وتوحي كلمة (اصطدمت) بصورة مباشرة للحظة الالتقاء. أما الثانية فتجعل السرعة وصفًا لإحدى السيارتين، وتحمل كلمة (ارتطمت) إيحاءً أشد قوة، وقد تدفع المتلقي إلى تصور مسؤولية أكبر تقع على السيارة المسرعة. بينما تكتفي الثالثة بإثبات وقوع الحادث، وتترك كيفية وقوعه وأسبابه أكثر اتساعًا لاحتمالات متعددة.
فالحدث لم يتغير، لكن الألفاظ وسعت بعض أبعاده، وضيقت بعضها، وأبرزت عناصر لم تبرزها الألفاظ الأخرى. وهكذا تتفق الصور في أصل الواقعة، لكنها تختلف في تفاصيلها واتساعها ودرجة تأثيرها تبعًا لما حملته الألفاظ من وصف، وما أضافته إلى ذلك الوصف من معانٍ زائدة.
ومن هنا لا تكون المشكلة في صدق الراوي أو كذبه فحسب، بل في طبيعة العملية التي يجريها العقل قبل أن تتحول الصورة إلى لغة. فالراوي لا يستطيع أن يصف إلا ما أدركه، ولا يدرك إلا ما سمحت له زاوية الرؤية والانتباه والخبرة السابقة بإدراكه، ثم تأتي اللغة لتصف ذلك الإدراك، لا لتستنسخ الواقع كما وقع.
وهنا ينبغي التمييز بين مرحلتين مختلفتين في عملية النقل؛ فالأولى مرحلة تكوين الصورة الذهنية، والثانية مرحلة وصف تلك الصورة بالألفاظ. وقد يقع الاختلاف في المرحلة الأولى، حين يدرك كل راوٍ الحدث بطريقة مختلفة، وقد يقع في المرحلة الثانية، حين تتقارب الصور الذهنية، لكن تختلف الألفاظ المختارة لوصفها.
ولذلك لا يكفي الباحث أن يسأل: ماذا قال الراوي؟ بل ينبغي أن يسأل أيضًا: ما الصورة التي تكشف عنها ألفاظه؟ فاللفظ لا يخبر الباحث عن الحدث مباشرة، وإنما يكشف له أولًا عن الكيفية التي أدرك بها الراوي ذلك الحدث، وعن العناصر التي أبرزها أو همشها في أثناء الوصف.
ومن هنا تبرز قيمة تحليل الألفاظ في دراسة الروايات التاريخية؛ فاللفظ ليس وعاءً محايدًا يحمل المعلومة كما هي، وإنما شاهد على طريقة إدراك الراوي، وزاوية نظره، وما منحه من أهمية لبعض عناصر الحدث دون غيرها. وقد تحمل كلمة واحدة دلالة لا تقل قيمة عن المعلومة نفسها؛ لأنها تكشف ما كان حاضرًا في وعي الراوي لحظة الوصف.
ولهذا لا يقف الباحث عند ظاهر الألفاظ، بل يحاول أن يتجاوزها إلى الصورة التي أسهمت تلك الألفاظ في بنائها. فهو يدرك أن الراوي لم ينقل الحدث، وإنما نقل وصفًا لما فهمه من الحدث، وأن هذا الوصف مر قبل وصوله إليه بمراحل متتابعة تبدأ بالحدث، ثم الإدراك، ثم الصورة الذهنية، ثم المعنى، ثم اللفظ.
وبذلك لا ينتقل الحدث من الراوي إلى المتلقي انتقالًا مباشرًا، وإنما يمر بتحولات متعاقبة؛ فيتحول الحدث إلى إدراك، ثم يتحول الإدراك إلى صورة ذهنية، وتتحول الصورة إلى معنى، ثم يصوغ الراوي ذلك المعنى في ألفاظ، فيعيد المتلقي من تلك الألفاظ بناء معنى جديد تتكون منه في ذهنه صورة للحدث.
وهنا تتضح حقيقة منهجية ذات أثر بالغ في دراسة الروايات التاريخية؛ فالمتلقي لا يتعامل مع الحدث مباشرة، ولا حتى مع الصورة الذهنية التي تشكلت عند الراوي، وإنما مع صورة جديدة أعاد هو بناءها اعتمادًا على الألفاظ التي سمعها أو قرأها. ولهذا قد يختلف فهم قارئين للرواية نفسها، كما اختلف قبل ذلك إدراك راويين للحدث نفسه.
ومن هنا تتجاوز وظيفة الراوي مجرد نقل الأخبار؛ لأنه يمثل الحلقة الأولى التي يتحول فيها الواقع إلى لغة. وقبل هذه اللحظة كان الحدث وجودًا خارجيًا، أما بعدها فإنه يصبح نصًا قابلًا للفهم والتأويل والاختلاف وإعادة القراءة. وكل من يأتي بعد الراوي لن يتعامل مع الحدث كما وقع، وإنما مع النص الذي صاغه الراوي بألفاظه.
ولذلك لا يكفي الباحث التاريخي أن يسأل: هل وقع الحدث؟ بل عليه، قبل أن يحكم على صورته ودلالته، أن يسأل: كيف صوّر الراوي هذا الحدث؟ لأن فحص وقوع الواقعة لا يغني عن فحص الكيفية التي تشكلت بها روايتها، كما أن تحليل الصورة لا يحل محل البحث في أصل وقوعها؛ فالسؤالان متكاملان، ولكل منهما موضعه في بناء المعرفة التاريخية.
وحين تصل الرواية إلى المؤرخ، بعد أن غادرت ذهن راويها وأصبحت نصًا مكتوبًا أو مرويً ا، تبدأ مرحلة جديدة من رحلتها. فالمؤرخ لا يتعامل معها بوصفها حدثًا، بل بوصفها رواية تحمل في ألفاظها أثر من نقلها وطريقته في وصف ما أدركه. فإذا كان الراوي هو أول من حوّل الحدث إلى لغة، فإن المؤرخ هو من يبدأ التعامل مع تلك اللغة بوصفها مادة لكتابة التاريخ.
فإذا كانت الرواية قد بدأت بصورة ذهنية، ثم تحولت إلى أوصاف لغوية، فما الذي يصل إلى المؤرخ من هذه السلسلة؟ وهل ينقل الألفاظ كما تلقاها، أم يعيد بناء صورة للحدث قبل أن يكتبها؟
** **
- خالد بن مرشد الصاعدي