الثقافية - كمال الداية:
نظمت جمعية أدبي حائل محاضرة علمية قدمها أ.د.عبدالعزيز بن محمد الفيصل، رائد تحقيق الشعر العربي، وذلك بمقر الجمعية في مدينة حائل، بحضور جمع من المثقفين والأدباء، وقد أدار المحاضرة نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية أ.علي العريفي، الذي افتتح الأمسية وقدم الضيف، ورحب بالحضور وعلق تعليقًا علميًا على المحاضرة ثم انتقل بعد ذلك الحديث للدكتور الفيصل الذي قال:
تُعرف القبائل بعَلمٍ من أعلامها، فقد عرفت طيء بحاتم الطائي، فهو عَلم في الكرم، وعرفت عبس بعنترة العبسي، فهو عَلم في الفروسية والشجاعة، وعُرفت عامر بعامر بن الطفيل، فهو علَم في الفروسية والرئاسة حتى إن ملك الروم إذا وفد عليه وافد من العرب سأله عن قرابته لعامر بن الطفيل، وعُرفت زُبيد بعمرو بن معد يكرب، فهو عَلم في الشجاعة والفروسية، أقول: إن حاتم الطائي قد صنع بكرمه منزلة لطيء انفردت بها من بين القبائل العربية، فمن هو طيء الذي نال منزلة عالية بسبب كرم واحد من أحفاده، أقول طيء أبو قبيلة قحطانية غادرت اليمن بعد انهيار سد مأرب، يقول طيء:
أنا من الحي اليمانينا
إن كنتِ عن ذلك تسألينا
وطيء من كهلان من القحطانية، وهو جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب، وقيل طيء هو جلهمة بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو هود النبي، وأم طيء مدلة بنت ذي منشجان بن عريب بن الغوث بن زهير بن وائل بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسمي طيء بهذا الاسم لأنه أول من طوى المنازل، ومن قبائل طيء غوث وجديلة وثعل وبنو نبهان وشمر ولام وتيم بن ثعلبة، لأم من ثعلبة، وشمر هو شمر بن عبد جذيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن الغوث بن طيء، وشمر أكبر أفخاذ طيء، وشمر ولام حافظتا على شهرتهما وكثرة عددهما حتى العصور المتأخرة، إلا أن شمر تقدمت على لام في العصور المتأخرة، فلام نزلت من جبلها وكثرت حروبها مع القبائل المختلفة فهزمت عدة هزائم مما قلل عددها وأضعف شأنها، وممن اشتهر من طيء عن طريق شعر امرئ القيس تيم بن ثعلبة يقال لبنيه مصابيح الظلام، نزل فيهم امرؤ القيس بن حُجر وقال فيهم:
أقَرَّ حشا امرئ القيس بن حجر
بنو تَيْمٍ مصابيحُ الظلام
ومنهم أي من طيء الذين اشتهروا عن طريق شعر امرئ القيس المُعلَّى بن تيم بن ثعلبة، يقول فيه امرؤ القيس:
كأنَّي إذ نزلتُ على المُعلَّى
نزلتُ على البواذخ من شَمَامِ
فما ملكُ العراق على المعلَّى
بمقتدر ولا ملكُ الشآم
وبلاد طيء مأرب في اليمن، وكانت مستقرة في بلادها حتى القرن الثاني الميلاد، وقد خرجت من اليمن قبل جارتها الأزد في آخر القرن الثاني الميلادي، وقد اتجهت إلى طريب واستقرت فيه، وطريب اليوم تابع لبيشة، ثم انتقلت من طريب واستقرت في تثليث، وتثليث اليوم تابع لعسير، ثم اهْتَدَتْ بعارض اليمامة في اتجاهها إلى الشمال إلى أن اقتربت من شَمَام، فاتضح لها الطريق بين النيرو شمام، فاتجهت إلى خَزَاز، ولما تجاوزته اتضح لها جبلا أبانين، ولما تجاوزت أبانين فإذا بسلمى يطل عليها بوجهه المتعالي، وكأنه يقول مرحباً بالقادمين، وليست طيء أول من هاجر إلى الجبلين أجأ وسلمى، فقد سبقت طيئاً عدة أمم، منها عاد، ومن عاد العماليق، وثمود وإرم وبنو أسد، وأجأ رجل من عاد، وسلمى امرأة من عاد، فسُمي الجبلان بهما، وقيل إنما سُمي جبل أجا على اسم أجا بن عبدالحي، وسُمي سلمى على اسم سلمى بنت حام، وسمي جبل العوجا على اسم امرأة اسمها العوجاء، فأجأ بن عبدالحي تعشَّق امرأة اسمها سلمى بنت حام، والعوجاء جمعت أجأ وسلمى، وهرب أجأ بسلمى، وتبعتهما العوجاء، وعلم بعلُ سلمى بهروب أجأ وسلمى والعوجاء، فتبعهما وقتل أجأ وصلبه في الجبل الذي سُمي باسمه، وقتل سلمى وصلبها في الجبل الذي سُمي باسمها، وقتل العوجاء وصلبها في الجبل الذي سُمي باسمها، وعندما وصلت قبيلة طيء إلى بلاد الجبلين أجأ وسلمى كان الجبلان أجأ وسلمى لبني أسد، فحصلت حروب بين طيء وبني أسد، تغلبت فيها طيء على بني أسد، وهيمنت على بلاد الجبلين أجأ وسلمى، يقول قُبيْصَةُ بن النَّصْرَانِي الطائي:
لنا الحِصْنان من أجأ وسلمى
وشرقياهما غير انتحال
وتيماء التي من عهد عاد
حميناها بأطراف العوالي
وموقع أجأ في الجهة الشمالية من حائل، وهو جبل أسود به حمرة، وهو لثَعْل والغَوْث من طيء، وسلمى في الناحية الجنوبية، وهو لبني نبهان، أما السهل بين الجبلين فهو لجديلة، فحائل واقعة في جنوبي جبل أجأ فهي قريبة منه، يقول فيها امرؤ القيس:
تبيتُ لبوني بالقُريَّةِ أمناً
وأسرحها غِبَّاً بأكناف حائل
فحائل في بيت امرئ القيس بطن واد من أجأ ولم تكن حائل في زمن امرئ القيس مدينة وإنما هي واد، وكذلك القرية التي وردت في بيت امرئ القيس موضع ولم تكن قَرْيَة، ومجرى السيل إذ كان يستنقع فيه الماء وينبت يسمى القَرِي وتصغيره القُرَيّ ومن منازل طيء فَيْد، ويقع فيد شرقي سلمى سميت بفيد بن حام بن نوح، ومن قرى أجأ توارن وهي لبني شمَّر من بني زهير، ومن منازل طيء (تُنْغَة) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: (تنغة): بضم أوله، والغين معجمة: ماء من مياه طيء وكان منزل حاتم الجواد، وبه قبره وآثاره، وفي كتاب أبي الفتح الاسكندري قال: وبخط أبي الفضل: (تُنْغَة منهل في بطن وادي حائل لبني عدي بن أخزم، وكان حاتم ينزله) ومن قرى طيء الغوطة وهي لبني لام والقريتان موضع لبني جَرْم والسبعان من أودية طيء، ورُمَّان جبل في طرف سلمى، وبُزَاخة من مياه طيء، وهذا الماء هو الذي كانت فيه وقعة طليحة بن خويلد الأسدي.
ويحد بلاد الجبلين من الشمال رملة عالج، وهي لقبيلة كلب من قضاعة من حمير، يقول الأخنس التغلبي الذي عاش في القرن الأول قبل الهجرة:
وكلب لها خبت فرملة عالج
إلى الحرَّة الرجلاء حيث تُحاربُ
والحرة الرجلاء هي التي لا يمشي فيها إلا راجل، أما الخيل فلا تستطيع السير فيها، ومن الجنوب بلاد عبس وذبيان وبلاد بني أسد، ومن الغرب تيماء، ومن الشرق الدهناء وبلاد بني تميم.
وهناك معالم لبلاد طيء مرتبطة بتاريخها في العصر الجاهلي، منها وادي حائل المرتبط بشاعر العربية وصانع أول معلقة الشاعر امرؤ القيس بن حجر، فقد ذكر في شعره أن وادي حائل مرعى لإبله يقول:
تبيت لبوني بالقُرَية أمَّنا
وأسرحُها غبَّاً بأكناف حائل
ومنها جبل أجأ وجبل سلمى، فهذان الجبلان حصن لقبيلة طيء تعتصم بهما في أيام الحروب، وتيماء باقية من عهد عاد، وقد حمتها طيء عن هجمات الطامعين من القبائل العربية، يقول قبيصة بن النصراني الطائي:
لنا الحصنان من أجأ وسلمى
وشر قياهما غير انتحال
وتيماء التي من عهد عاد
حميناها بأطراف العوالي
ومنها سهل جديلة بين جبلي أجأ وسلمى، ومنها فيد، وفيد بلدة قديمة قريبة من جبل سلمى، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان سُميت فيد بفيد بن حام وهو أول من نزلها، وفيد في الجاهلية لطيء ويذكر ياقوت الحموي في زمنه أن ثلث فيد لبني نبهان من طيء، وينقل ياقوت عن الحازمي قوله: فيد بالياء أكرم نجد قريب من أجأ وسلمى جبلي طيء، ومن المعالم جبل رُمَّان، وهو في طرف جبل سلمى، ومنها تُنغة، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: (تُنغة بضم أوله والغين معجمة: ماء من مياه طيء، وكان منزل حاتم الجواد وبه قبره وآثاره، وفي كتاب أبي الفتح الاسكندري قال: وبخط أبي الفضل: (تُنغة منهل في بطن وادي حائل لبني عدي بن أخزم وكان حاتم ينزله) ومن المعالم بُزاخة قال الأصمعي: بزاخة ماء لطي بأرض نجد وقال أبو عمرو الشيباني كانت في بزاخة وقعة عظيمة في أيام أبي بكر الصديق مع طليحة بن خويلد الأسدي، وكان قد تنبأ بعد النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع إليه أسد وغطفان، فقوي أمره، فبعث إليه أبوبكر خالد بن الوليد، فقدَّم خالد أمامه عكاشة بن محصن الأسدي حليف الأنصار فلقيه ببزاخة فقتل عكاشة، وكان عيينة بن حصن مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة، وجاء خالد على الأثر فلما رأى عيينة أن سيوف المسلمين قد استلحمت المشركين قال لطليحة: أما ترى ما يصنع جيش أبي الفضل يعني خالد بن الوليد فهل جاءك ذو النون بشيء؟ قال: نعم قد جاءني وقال لي إن لك يوماً ستلقاه ليس لك أوله ولكن لك آخره، ورحى كرحاه، وحديثاً لا تنساه، فقال: أرى والله أن لك حديثاً لا تنساه، يا بني فزارة هذا كذاب! وولَّى عن عسكره، فانهزم الناس، وظهر المسلمون وأُسر عيينة بن حصن وقُدِمَ به المدينة فحقن أبوبكر دمه وخلَّى سبيله، وهرب طليحة، وفي أول خلافة عمر قدم المدينة بعد أن دخل في الإسلام، فقال له عمر أقتلت الرجل الصالح عكاشة بن محصن؟ فقال: إن عكاشة سَعِدَ بي وأنا شَقِيتُ به وأنا أستغفر الله، فقال له عمر: أنت الكاذب على الله حين زعمت أنه أنزل عليك! إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئاً، فاذكروا الله قُيَّاماً فإن الرُّغْوةَ فوق الصريح، فقال يا أمير المؤمنين، ذلك من فتن الكفر الذي هدمه الإسلام كلَّه فلا تعنيف عليَّ ببعضه فأَسْكتَ عمر! وذكر القعقاع بن عمرو يوم بزاخة فقال:
ويوماً على ماء البزاخة خالد
أثار بها في هبوة الموت عثيرا
وبرز في طيء أعلام عمت شهرة بعضهم بلاد العرب مثل حاتم الطائي، وقد عُرف بالجواد، ومقر حاتم في بلاد طيء تنغة، وتنغة ماء من مياه طيء، وبتنغه قبر حاتم الطائي، وبالإضافة إلى شهرة حاتم في الكرم فهو شاعر، وقد حُفظ ديوانه إلى أن وصل إلينا في عصرنا هذا، ومن قصيدته الرائية:
أماويَّ إن المال غادٍ ورائح
ويبقى من المال الأحاديث والذكر
وزيد الخيل تقترب شهرته من شهرة حاتم الطائي، فهو فارس وشاعر، وهو زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد رضا الطائي، من أبطال الجاهلية، وسُمي بزيد الخيل لكثرة خيله، كان طويلاً جسيماً من أجمل الناس، وبالإضافة إلى فروسيته وشعره فهو خطيب وموصوف بالكرم، أدرك الإسلام ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة مع وفد طيء فأسلم، وسماه الرسول زيد الخير، وقال له يا زيد ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون ما وصف لي غيرك، ومكث في المدينة سبعة أيام، وأصابته حمى فخرج عائداً إلى بلاده، ولما وصل إلى فردة وهي من مياه طيء لجرم من طيء اشتدت عليه الحمى، فمكث على فردة ثلاثة أيام ثم توفي رحمه الله ودفن في فردة فقبره هناك، وقد قال قبل موته وهو على ماء فردة:
أمُطَّلعٌ صحبي المشارقَ غدوةً
وأترك في بيت بفردة منجد
وطيء أبو القبيلة هو جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب، وأمه مُدِلّة بنت ذي منشجان بن عريب بن الغوث بن زهير بن وائل بن الهميسع بن حمير بن سبأ، ومن أعلام طيء تيم بن ثعلبة يُقال لبنيه مصابيح الظلام وأصلهم في ثعلبة وهم يجتمعون مع الأم، وبلادهم الغوطة، وإذ عددنا (لأم) من أعلام طيء فهي علم في العصر الجاهلي، أما لأم بعد العصر الجاهلي فلم يعد لها مكانة القبيلة، فقد توالت عليها الهزائم حتى انسحبت من مسرح الحرب وتركته للقبائل العدنانية أو القبائل القحطانية التي هاجرت من الجنوب إلى الشمال، ومن أعلام طيء شمَّر وهو جدُّ القبيلة فهو شمر بن عبد جذيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان ابن ثعل بن الغوث بن طيء، وهي أكبر أفخاذ طيء، ولا تزال حتى الآن محافظة على شهرتها، وقد غلبت شهرتها فروع طيء الأخرى في بلاد طيء وفي غيرها، وبُحْتر من أعلام طيء، ومن أعلام طي مُرامِر بن مرة، وهو أول من وضع الكتاب العربي وهو من أهل الأنبار، ويثبت العسكري في الأوائل والسيوطي في المزهر بيتاً لشاعر لم يَذْكُرَا اسمه وإنما قالا قال الشاعر، والبيت:
كتبتُ أبا جاد وحُطيِّ مُرامِر
وسَوَّدتُ سِرْبالي ولستُ بكاتِبِ
فالبيت يثبت الكتابة لمرامر، وأسلم بن جَدَرَة من أعلام طيء وهو شريك لمرامر في صناعة الخط العربي، وينقل السيوطي عن ابن الكلبي، قال: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجَزْم مرامر بن مرة وأسلم بن جدرة الطائيان، ثم علَّموه أهل الأنبار، فتعلَّمه بشر بن عبدالملك أخو أكيدر بن عبدالملك الكندي صاحب دومة الجندل، وخرج إلى مكة فتزوج الصَّهْبَاء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، فعَلَّم جماعة من أهل مكة، فلذلك كثر من يكتب بمكة في قريش، فقال رجل من أهل دومة الجندل من كِندة يمن على قريش بذلك:
لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو
فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتمو
مِن المال ما قد كان شتى مبعثرا
وأتقنتمو ما كان بالمال مهملاً
وَطَامَنْتُمُو ما كان منه مُنفَّرا
فأجريتم الأقلامَ عًوْدًا وبَدْأةً
وضاهيتمو كتَّاب كِسرا وقيصرا
وأغنيتمو عن مسند الحي حِميرَ
وما زَبَرتْ في الصحف أقيالُ حِميرَا
ومن أعلام طيء غوث وجديلة وبلاد جديلة السهل بين الجبلين أجأ وسلمى، ومن أعلام (أجأ) رجل من عاد يحمل هذا الاسم، ومن أعلام جبل سلمى (سلمى امرأة من عاد) ومن أعلام جبل (أجأ) أيضاً: أجأ بن عبدالحيّ، ومن أعلام جبل سلمى، أيضاً سلمى بنت حام، ومن أعلام بلاد الجبلين أجأ وسلمى (العوجاء) ومن أعلام طيء ثعل، وبلادها أجأ، والغوث علم أيضاً وسُكْنَاها في جبل أجأ، ومن أعلام طيءبنو نبهان وبلادهم سلمى، وجَرْم من أعلام طيء وبلادهم القريتان، ومن أعلام طيء الذين دخلوا في اليهودية كعب بن الأشرف، والخيبري في خيبر، والسموأل بن عاديا، ومن أعلام طيء سِنَان بن الفحل الطائي وقد اشتهر ببيته:
فإن الماء ماء أبي وجدي
وبئري ذو حفرت وذو طويت
ومن أعلام طيء عامر بن جَدَرَة الذي اشترك مع أسلم بن جدرة في صناعة الخط العربي، وهو من بولان من طيء، وقبيلة بولان من أعلام طيء، ومن أعلام طيء المُعلّى بن تيم بن ثعلبة الذي يقول فيه امرؤ القيس:
كأني إذ نزلت على المعلى
نزلت على البواذخ من شمام
فما ملك العراق على المُعلى
بمقتدر ولا ملك الشآم
وبما أن انتقال طيء من اليمن إلى بلاد الجبلين أجأ وسلمى في القرن الثاني الميلادي وهو قرن انتشار المسيحية فينتظر من طيء قبول المسيحية وانتشارها في بلاد طيء، ولكن المسيحية أثرها محدود، والذين اعتنقوها قلة منهم قبيصة بن النصراني الطائي الشاعر، ومن شعره:
لنا الحصنان من أجأ وسلمى
وشر قياهما غير انتحال
وتيماء التي من عهد عاد
حميناها بأطراف العوالي
والذين اعتنقوا اليهودية أكثر من الذين اعتنقوا المسيحية، ومن الذين دخلوا في اليهودية كعب بن الأشرف اليهودي، والخيبري الذي استقر في خيبر بعد أن اعتنق اليهودية فكثر اليهود من طيء في خيبر، ومن يهود طيء السموأل بن عاديا الطائي الذي استقر في تيماء، فتبعه فئة من طيء استقرت في تيماء واعتنقت اليهودية، هذه القلة من طيء التي اعتنقت المسيحية أو اليهودية لم تؤثّر في عامة طيء التي تعبد الأصنام، ومن أصنام طيء: الفُلْس في جبل أجأ وهو على صورة إنسان من المعدن وعليه ذهب، وصنمها الآخر (إله) وهو في صورة طفل، و(رُضا) صنم لطيء أيضاً، وآلهة طيء أصنام وليس لها أوثان، والفرق بين الأصنام والأوثان أن الصنم يكون من الخشب أو المعدن أو الذهب، أو يكون من خشب وعليه ذهب، أو من معدن وعليه ذهب، أما الوثن فهو من الحجارة، وقد اختارت طيء آلهتها من الأصنام، ولم يذكر لها آلهة في بلاد الجبلين من الأوثان، ويبدو أنها اختارت الأصنام ليسهل نقلها من مكان لآخر، وقد ينقل الصنم إلى المعركة للتبرّك به وطلب العون منه للانتصار على العدو، أما الوثن فهو من الحجارة ونقله إما متعذّر أو فيه مشقة، وتشترك طيء مع قبيلة كَلْب المجاورة لها في عبادة صنم في دومة الجندل اسمه (وَدّ) بفتح الواو، وهو غير (وُد) بضم الواد وهو صنم لقريش، و(وَدّ) دومة الجندل كان لقوم نوح، ثم صار لكلب، واشتركت طيء مع كلب في عبادته.
وقد اشتهر من طيء شعراء أسهموا بشعرهم في شعر العربية، وهذا ينفي عدم وجود الشعر في القبائل القحطانية وأن الشعر خاص بالقبائل العدنانية، فهذا حاتم الطائي في غنىً عن الشعر فشهرته في الكرم أغنته عن الشعر وغيره مع ذلك نقل شعره وحفظ ثم دوّن حتى إن ديوانه وصل إلينا في هذا العصر، ومن شعره قوله:
أماوِيّ إن المال غادٍ ورايح
ويبقى من الماء الأحاديث والذكرُ
أماويَّ ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت نفسٌ وضاق بها الصدرُ
وهذا زيد الخيل الفارس فلحبه للخيل ومهارته في الفروسية سُمي بزيد الخيل، وكان يقول الشعر استجابة لدواعيه فنقل شعره وحفظ.
ومن شعره قوله عندما أحسَّ بدنو أجله:
أَمطّلعٌ صحبي المشارق غدوةً
وأترك في بيت بفردة مُنْجِدِ
وطيء أبو القبيلة شاعر، ومن شعره قوله:
أنا من الحي اليمانينا
إن كنت عن ذلك تسالينا
وقبيصة بن النصراني الطائي شاعر، وهو القائل:
لنا الحصنان من أجأ وسلمى
وشرقيَّاهما غير انيحال
وتيماء التي من عهد عاد
حميناها بأطراف العوالي
وسنان بن الفحل الطائي من شعراء طيء، ومن شعره:
فإن الماء ماء أبي وجدي
وبئري ذو حفرت وذو طويتُ
ومنهم أدهم بن أبي الزعراء الطائي، ومن شعره قوله من قصيدة له:
ولَلْموتُ خيرٌ للفتى من حياته
إذا لم يُطق علياء إلا بقائد
فعالج عليات الأمور فلا تكن
نكيث القوى ذا نَهْمَة في الوسائد
ومن شعراء طيء: البرج بن مسهر الطائي من جديلة، معروف بالكرم نذكر بيتين من قصيدة له ضمنها إكرام ضيفه بنحر ناقة له مع ملء كأس الخمر من إبريقين ملأى بالشراب، يقول في آخر القصيدة:
يطوف ما يطوف ثم يأوي
ذوو الأموال منا والعديم
إلى حُفر أسافلُهنَّ جوفٌ
وأعلاهنَّ صِفاحٌ مقيمُ
ومنهم بُجير بن عنمة الطائي أحد بني بولان بن عمرو بن الغوث بن طيء، وهو من الملتزمينبلغة طيء يقول:
وَإنَّ مولاي ذو يعيرني
لا إحنة عنده ولا جرمة
ينصرني منك غير معتذر
يرمي ورائي بالسهم والسلمة
ومنهم الجَرَنْفَسُ بن عبدة بن امرئ القيس بن زيد بن عبد رُضَا بن جذيمة بن حبيب بن شمر بن عبد جذيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء، يقول في مدح بني حَليف:
لله در بني حليف معشرا
أيّ امرئ فجعوا به ولربما
فجعوا بذي الحسب التليد فأصبحوا
لا مسلمين ولا ضعافا وخما
قوم إذا الحدث الجليل أصابهم
شدوا دوابر بيضهم فاستحكما
حتى كأن عدوهم مما يرى
من صبرهم حسب المصيبة أنعما
والشاعر عمرو بن نعامه بن غياث بن ملقط بن عمرو بن ثعلبة بن رُوْمَان بن جندب بن خارجة الطائي، له أبيات يحض فيها عمرو بن هند على زرارة بن عُدُس بن دارم، يقول:
من مُبْلِغٌ عمرْاً بأن
المرء لم يخلق صُبارة
وحوادث الأيام لا يبقى لها إلا الحجارة
فاقتل زرارة لا أرى
في القوم أوفى من زرارة
وابن عتيقة جمع بين الشعر والفروسية وهو حزن بن عامر الطائي ثم النبهاني ويعرف بابن عتيقة يقول:
وحيٌّ يمنعون بلادَ عَوْفٍ
على الجُردِ المنعمة الجياد
لباسهم إذا فزعوا دروع
كان قتيرها حدق الجراد
ومن شعراء طي فالج بن خِفَاف الطائي، يقول في هيمنة قومه وقدرتهم على حفظ بلادهم مع شيء من المبالغة:
ما بين حمص وحضرموت نحوطه
بسيوفنا من منهل وتراب
نرمي النوائح كلما ظهرت لنا
والحق يعرفه ذوو الألباب
ومنهم عمرو بن النِبِّيت الطائي البحتري (جاهلي) يقول في انتصاره لابن عمه:
إني وإن كان ابن عمي عاتباً
لمقاذفٌ من دونه وورائه
ومعده نصري وإن كان امرأ
متزحزحاً في أرضه وسمائه
ومنهم عنترة بن عكبرة الطائي، يقول في سيرورة شعره:
أطل حبل الشناءة لي وبغضي
وعش ما شئت فانظر من تضير
ألم تر أن شعري سار عني
وشعرك حول بيتك لا يسير
إذا أبصرتني أعرضت عني
كأن الشمس من قبلي تدور
ومنهم أبو قردودة الطائي كان معاصراً للنعمان بن المنذر وصديقاً للشاعر عمرو بن عمار الخطيب الطائي، وكان عمرو بن عمار منادماً للنعمان بن المنذر، وكان النعمان أبرش أحمر الشعر فعربد عمرو بن عمار على النعمان بن المنذر فأمر النعمان بقتل عمرو بن عمار فقال أبو قردودة الطائي:
لقد نهيت ابن عمار وقلت له
لا تقربنَّ أحمر العينين والشَّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم
يوماً تطربك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا
ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
ولغة طيء تميزت بظواهر لغوية ميزت لغة القبيلة عن القبائل الأخرى، بل إن لغة الرجل الطائي تعرِّف به على أنه من قبيلة طيء، فذو الموصولية اختصت بها قبيلة طيء، تقول: نظرت إلى الرجل ذو قام أي الذي قام، قال سنان بن الفحل الطائي:
فإن الماء ماء أبي وجدي
وبئري ذو حفرت وذو طويت
وتنطق طيء بلغة (أكلوني البراغيث) فالأصل فيها (أكلني البراغيث) ونسبت الكتابة في بدئها إلى رجل من طيء هو مرامر، قال الشاعر:
كتبت أبا جاد وحطي مرامر
وسوّدت سربالي ولست بكاتب
وقد منح جبلا أجأ وسلمى قبيلة طيء بلاد محصنة عن الأعداء، ولذلك قلَّت الحروب بين طيء والقبائل الأخرى، أما الحروب التي حدثت بين فروع طيء فهي حروب تحدث داخل القبيلة في طيء وفي غيرها من القبائل العربية، ثم إن حاتم الطائي بكرمه جعل قبيلة طيء تتميز عن غيرها من القبائل العربية، فكأن الكرم حلّ في قبيلة طيء وحرمت منه القبائل الأخرى، مع أن القبائل الأخرى فيها رجال عُرفوا بكرمهم، إلا أن شهرة حاتم أكسبت طيئاً شهرة لم تستطع أي قبيلة أخرى أن تنتزع هذه الصفة من طيء، فبقي الكرم الحاتمي في طيء.
ونُسب الخط العربي إلى مرامر بن مرّة من طيء، فهذا يرفع من ميزان طيء بين القبائل العربية، لقد حظيت طيء بالتقدم بين القبائل العربية لهذه المميزات التي انفردت طيء بها ولم تنكرها القبائل العربية، بل أقرت بها واعترفت لطيء بالتقدم من أجلها، ولكن لا ننكر ما ينقص القبيلة، فبلاد طيء بعيدة عن الشام، بعيدة عن العراق، بعيدة عن مكة، بعيدة عن اليمامة، بعيدة عن البحار. ثم إن بعض القبائل العربية حظيت بمعلقة شعرية مثل معلقة امرئ القيس في كندة، ومعلقة طرفة في بكر، ومعلقة لبيد بن ربيعة العامري في بني عامر، ومعلقة زهير بن أبي سُلمى في مزينة ومعلقة عنترة في عبس، ومعلقة عمرو بن كلثوم في تغلب، ومعلقة الحارث بن حلزة في يشكر من بكر، ومعلقة الأعشى ميمون بن قيس في قيس بن ثعلبة من بكر، ومعلقة النابغة الذبياني في ذبيان، ومعلقة عبيد بن الأبرص الأسدي في بني أسد، ولم تحظ قبيلة طيء بمعلقة شعرية، مع أن أصحاب المعلقات على مقربة من قبيلة طيء: مثل زهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، وعنترة العبسي، وعبيد بن الأبرص الأسدي، بل إن امرأ القيس صاحب أول معلقة علقت على الكعبة حلَّ ضيفاً على رجال طيء، وشعراء طيء لهم شعر سائر بين الناس، ومع ذلك لم يرق شعر طيء إلى التعليق على الكعبة. ولم يكن لطيء سوق مقصود عُدَّ من أسواق العرب مثل سوق عكاظ، وسوق حجر، وسوق دومة الجندل، وسوق هجر، وسوق صحار، وسوق دبا، وسوق الشحر، وسوق نطاة خيبر.
وهذه الإشارات أحببت أن تكون في آخر المحاضرة، فقبيلة طيء وإن نهض بها حاتم الطائي فهي مثل القبائل الأخرى لها يد في القمة والأخرى في السفح.
وبعد أن انتهى الضيف من المحاضرة، قدم مدير الأمسية شكره وتقديره للدكتور الفيصل، وبعد ذلك فتح المجال للمداخلات، وكانت المداخلة الأولى لرئيس مجلس إدارة الجمعية د.نايف المهيلب، ثم للواء سعود الشعلان، واختتمت بعد ذلك الأمسية والتقطت الصور التذكارية.