يصنف كتاب سيرة من رأى للدكتور عثمان محمود الصيني ضمن كتب المذكرات الذاتية التي تخرج عن نطاق التاريخ الشخصي لتلقي الضوء على خفايا وأحداث مرحلة ثقافية معينة وترسم ملامحها الاجتماعية وتربطها كذلك بتاريخ قديم عكس فيه المؤلف بعداً عميقاً في إحاطته بالتاريخ واللغة والأدب، فجاء الكتاب بعد كل هذا تحفة فنية مشكلة فيها الأدب والتاريخ والفكر واللغة.
ويبدأ الكتاب بفصل عن سكان المدن الكبرى الذين يعيشون التاريخ ولا يدرسونه! وعن جدلية الزمان والمكان والإنسان، ويغوص في ذكريات وأحداث لذيذة في الحرم المكي من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يرملون في طوافهم حول الكعبة، وسادات قريش على جبل قينقاع (جبل هندي حالياً) ينظرون، وباب بني شيبة ومن مرّ به، وموقع دار الأرقم بن أبي الأرقم، ومسجد بلال، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم في سوق الليل، ومسجد الجن.. وأحداث سريعة من حصار الحرم ورمي الكعبة بالمنجنيق وهجوم القرامطة إلى هجوم حركة جهيمان عام 1400 هجرية، والمزيد المزيد عن الطائف ومسجد سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، ومسجد السيد الهادي الذي بني عام 1050 هجرية، ومسجد المحجوب في السلامة المنسوب إلى السيد محمد عثمان الميرغني الشهير بالختم، المولود في قرية السلامة التي سكنها الفيروزابادي (صاحب كتاب القاموس المحيط) قبل أن تصبح حياً من أحياء الطائف عام 1208 هجرية، ووادي لية جنوب الطائف الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مروراً بوادي نخب غداة منصرفه من غزوة حنين..
ويسترسل في سيرة المشهد الثقافي في الطائف ومكة في وقت نعومة أظفاره، وعمله مع والده رحمه الله تعالى، والمكتبات وأسماء وسير كثير من مثقفي ورجالات البلد، وبداياته في دار التوحيد، ودراسته فيها، وعن الحياة الأدبية التي تميز بها طلبتها، ومهاراتهم الشعرية والأدبية التي نمت معهم، والحق أنه خصص جزءاً كبيراً من هذه الذكريات عن هذه الدار وبدايات تأسيسها (عام 1364 هجرية على يد العالم السلفي محمد بهجة البيطار بطلب من الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه) ومن درّس فيها ومن تخرّج منها من كبار العلماء والمفكرين والإداريين الذين أغنوا بجهدهم هذا البلد وساهموا في نهضته وعلو شأنه..
وجاءت فصول متعددة عن اهتمامات الدكتور الصيني باللغة وباللهجات تحديداً، وحكاياته الطويلة بل معاناته في كليته حتى وافقوا على فحوى رسالته التي ما خرجت عن التحقيق على خلاف ما كان يرغب هو وأستاذه، ولشد ما استغربت له، وهو ما يعكس فترة من التجاذب والاستقطاب الثقافي الشديد الذي مرت به أجواؤنا الثقافية حين استعرت معركة (الحداثة)، هو تأخر قبول رسالته في الدكتوراه في جامعة أم القرى، والتي روجعت -خلافاً للأعراف الأكاديمية من كلية لا ينتمي إليها أصلاً طالب الدكتوراه وهي كلية الشريعة- وإلزامهم له بكتابة عقيدته -نعم هكذا كتابة معتقده الإسلامي في وريقات- ليفحصها من يفحصها، وواضح أن الدكتور الصيني يكتب بمداد من دمٍ وأسى عن هذه المرحلة وهو كما يقول قد درس العقيدة الواسطية والعقيدة الطحاوية في دار التوحيد، فكيف يقرر ما هو مقرر عنده ويمشي في دمه ويتنفسه صبح مساء؟
وجزء آخر من الكتاب يتحدث عن مساهمات الأديب الكبير في اللقاءات والحلقات العلمية، وعن الفن وحفلات الفنون الشعبية وأجواء السينما والغناء في الطائف، وبدايات جمعيات الفنون والأندية الثقافية والأدبية، والتمازج المذهبي والفكري، بل وحرية التفكير، وجاء على ذكر بدايات كثير من الشعراء والأدباء في ذلك الوقت، واللبس الذي وقع فيه من ربط «التحديث» في الأدب والشعر بالانحرافات العقدية، بل وبالكفر! ولم يغص كثيراً في المعاني الحقيقية للعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة وحقيقة معنى الحداثة بنسختها الغربية الصرفة والتي تزيح الإله وتعادي الدين، وإنما شرح ووضح اللبس الذي وقع في تلك المرحلة، وفصّل كذلك في تاريخية الحركة الثقافية الأدبية والملاحق والمجلات والتي لم تمس الذات الإلهية بسوء، بل ظلت مؤمنة بمرجعيتها الإسلامية ومفتخرة بإرثها الحضاري واللغوي..
وفي الكتاب حديث ظريف عن رحلات علمية ثقافية، وعشقه وقصته مع المسرح، ومواقف طريفة داخل وخارج البلاد، ومعارك أدبية وعلمية، واستعراض جاحظي لمفهوم اللبس والملابس بين المرأة والرجل، بل ومفهوم الرجولة، والمُشكل والحبرتي والزقرت والهيامة (الأهيم هو المهايط أو المدّعي)، والألفاظ اللغوية وأصولها، والسعي وراء الكتب والمكتبات والمجلات والدوريات والشغف بحركة الفكر وحياة الروح في القراءة والاطلاع، واحتكاك بكثير من العلماء والشعراء كالشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي والشيخ ا… كالشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي والشيخ الصواف، والدكتور عبدالوهاب أبو سليمان، والشيخ محمد علوي المالكي، والمفكر الأستاذ أحمد محمد جمال، حينما كانوا يدرسون في جامعة أم القرى، وقصص وأحداث معهم، كما تضمنت تلك السيرة الكثير من الشعر الذي واضح أن الدكتور عثمان الصيني يعشقه ويحفظه ويستمتع بقراءته.
سعدت كثيراً بقراءة الكتاب، فهو متعة أدبية وسياحة فكرية اجتماعية تاريخية، وأتمنى لو يكمل الدكتور عثمان كتابة هذه المذكرات - المقالات التي تؤرخ لسيرة ثقافة وتعرض تطور الأفكار والأحداث- فهو لم يتطرق أبداً لتجاربه العلمية الثقافية الإدارية الناجحة في (المجلة العربية) ولا في صحيفة (الوطن) ومن بعدها (مكة)..
وأقول أخيراً إن الدكتور عثمان الصيني هو من شجعني على الكتابة والنشر في صحيفة الوطن في فترة مبكرة سابقة من حياتي، واستمررت في الكتابة حتى بعد استقالة الدكتور عثمان من رئاسة تحرير الجريدة، وتوقفت بعد ذلك، فله جزيل الشكر والتقدير على هذا الدعم والتشجيع، وأزعم أن هناك من أمثالي العشرات وأكثر ممن يدينون بالفضل لهذا العلم الثقافي في تاريخ بلدنا المعطاء.
** **
- د. هاني المعلّم